الولايات المتحدة الاميركية بين ويلسون وترامب

ابراهيم خليل العلاف
2020 / 5 / 21

استاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل - العراق
كمشتغل في علم التاريخ ، وككاتب ، وكمتابع أحزن كثيرا وانا ارى كم هي الهوة واسعة بين التوجهات الاميركية نحو العالم في عهد آباءها المؤسسين الاوائل وبين ما هي عليه اليوم في عهد قيادة الرئيس الاميركي الحالي دونالد ترامب واسلافه القريبي العهد بنا جورج دبليو بوش وباراك اوباما .
واسارع لأقول ، انني ومنذ كنت طفلا صغيرا في أوائل الخمسينات من القرن الماضي ، وانا اسمع عن الحلم الاميركي . وعندي في مكتبتي مجلد كبير عن الحلم الاميركي وعندما كبرت رحت أقرأ عن الحياة الاميركية وعن الديموقراطية الاميركية وعن الثورة الاميركية وعن المبادئ الليبرالية التي كانت تتجسد في الفكر الاميركي المعاصر .
وفي الوقت نفسه قرأت عن الولايات المتحدة الاميركية ودخولها الحرب العظمى الاولى 1914-1918 والحرب العالمية الثانية 1939-1945 وكتبت عن علاقة العراق بالولايات المتحدة الاميركية كتابا منشورا بعنوان ( العراق والولايات المتحدة الاميركية ) ، واشرفت على رسائل واطروحات عن الصراع من اجل نفط العراق والحرب على العراق وغزوه سنة 2003 .
اعرف ايضا تدخلات الولايات المتحدة الاميركية ووقوفها وراء كثير من الانقلابات العسكرية في بعض بلداننا العربية وفي اماكن اخرى في العالم . واعرف ما جرى في الحرب الكورية وحرب فيتنام . واعرف ايضا الموقف الاميركي من القضية الفلسطينية وميلها الواضح الى اسرائيل واعتراف ادارة الرئيس الاميركي ترامب بالقدس عاصمة لاسرائيل وغير ذلك من المواقف والافصاح عن ما يسمى بصفقة القرن ودون التفات الى موقف الفلسطينيين والدول العربية من هذه الصفقة .
لكني وقبيل غزو العراق بقليل، بدأت اشعر ان الولايات المتحدة الاميركية هي ليست الولايات المتحدة التي كنت اقرأ عنها وعن الديموقراطية والثورة الاميركية.. لقد باتت دولة متوحشة وعدوانية ولاتهمها كرامة البشر ولا مستقبلهم ، واصبحت بعيدة كل البعد عن ما كان يدعو اليه قادتها الاوائل وحتى رئيسها الاسبق دوايت ايزنهاور الذي وقف بحزم ضد العدوان البريطاني الفرنسي الاسرائيلي على مصر سنة 1956 ...منذ ايزنهار تغيرت الصورة ... جاء رؤساء يهددون ويتوعدون واصبحوا لايتورعون عن شن الحروب وإثارة الفتن واصبحت العقوبات الاقتصادية التي من نتائجها تعرض الشعوب للجوع ولنا في العراق تجربة الحصار : الحكام لايضرهم الحصار انما الضرر هو ما يطال الشعب وهكذا ارى ان صورة الولايات المتحدة الاميركية للاسف اهتزت ، وبدأنا نسمع ونقرأ تغريدات وتصريحات الرئيس الاميركي الحالي دونالد ترامب ، وهي تتوعد ، وتهدد ، وتعاقب ، وتصادر ، وتفرض الحصار و العقوبات على اشخاص ودول ومؤسسات ، وهذا التوجه المتزمت ما يسيء للولايات المتحدة الاميركية ويجعلها لابل جعلها مكروهة في كل الدنيا . ابتزاز مالي للدول ولقادة الدول حتى الاذاعات والاعلام الاميركي الموجه هو ليس ذلك الاعلام الذي كنا نعرفه في الخمسينات ..اعلام غير بناء ، وسطحي، ومثير للفتن وانا اتابعه ولااجده يستند الى المبادئ الاميركية المعروفة .
الرئيس الاميركي وودرو ويلسون وفي مؤتمر الصلح بباريس دعا الى حق تقرير المصير للقوميات المختلفة في العالم .كما عرض مبادءه ال (14) في الكونكرس الاميركي يوم 4 كانون الثاني 1918 ودعا فيها الى ان تقوم العلاقات الدولية على مواثيق سلام عامة، وتكون المعاهدات الدولية علنية وغير سرية.كما اكد على تأمين حرية الملاحة في البحار خارج المياه الإقليمية في السلم والحرب، إلا ما ينص عليه الاتفاق الدولي خلافا لذلك.وطالب بإلغاء الحواجز الاقتصادية بقدر الإمكان وإيجاد مساواة بين الدول المتعاونة في المحافظة على السلام. وتخفيض التسلح إلى الحد الذي يكفل الأمن الداخلي.ووضع إدارة عادلة للمستعمرات تنفذ ما يحقق مصالح سكانها.
ودعا ايضا الى الجلاء عن الأراضي الروسية كلها والتعاون مع أي حكومة روسية يختارها الشعب.والجلاء عن أراضي بلجيكا وتعميرها.و الجلاء عن فرنسا ورد الألزاس واللورين وتعمير ما خرب منها بسبب الحرب.وإعادة النظر في حدود إيطاليا بحيث تضم جميع الجنس الإيطالي. ومما اكده ودعا اليه هو ضمان سيادة الأجزاء التركية وإعطاء الشعوب الأخرى غير التركية التي تخضع لها حق تقرير المصير، وحرية المرور في المضائق لجميع السفن بضمان دولي.
ومن اجل ضمان السلام في العالم والحيلولة دون نشوب حروب تم تأسيس (عصبة الامم ) 1919 .وبعد الحرب العالمية الثانية دعت الولايات المتحدة الاميركية في مؤتمر سان فرنسيسكو الذي انعقد في 25 نيسان 1945 الى انشاء (الامم المتحدة ) ووضع ميثاق الامم المتحدة وهو يبغي بالدرجة الاولى الى ضمان السلم العالمي ومما جاء في المقدمة :" نحن شعوب الامم المتحدة وقد آلينا على انفسنا ان ننقذ الاجيال المقبلة من ويلات الحرب التي جلبت على الانسانية احزانا يعجز عنها الوصف وان نؤكد من جديد ايماننا بالحقوق الاساسية للانسانية وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والامم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية " .
الان ونحن نعيش زمن فايروس كورونا - كوفيد 19 الذي فتك بأكثر من خمسة ملايين انسان حتى كتابة هذه السطور ، لا نسمع من الرئيس الاميركي دونالد ترامب غير التهديد ، والوعيد وفرض العقوبات القاسية على ايران والتهديد بفرض العقوبات على العراق .كما نسمع تهديدات للصين وهي دولة عظمى وعضو في مجلس الامن بفرض عقوبات وبقطع للعلاقات وبعدم الحوار .كما نسمع تهديدات بأن الولايات المتحدة الاميركية لاتساعد اي دولة الا بثمن وثمن كبير . هذا فضلا عن قطع المساعدات عن منظمات دولية منها منظمة الاونروا ومنظمة الصحة الدولية وغير ذلك مما نسمعه ونشاهده من اساليب الابتزاز والتهديد والوعيد .
ما هذا ؟ ولماذا ؟ وما هو الهدف ؟ هل هو الطغيان ...هل ان الولايات المتحدة الاميركية اصبحت دولة معادية للعالم ؟ هل وصلت الى مراحلها الاخيرة لتنزاح عن المسرح الدولي فتتحق نبوءة المؤرخ الاميركي الكبير بول كندي في سقوطها كما سقطت من قبلها امبراطوريات عديدة ؟
انا شخصيا أظن ذلك ، لكن على الدول المحبة للسلام ان تجلس وتدرس ما الذي ستفعله للعالم .. اقصد لسلام العالم ولاستقرار العالم والاهم من كل ذلك لما ينبغي ان نحققه لرفاهية العالم وكرامة الانسان ولاستقلال الدول ولوحدتها بعيدا عن الابتزاز .