العرب وجهنم

أشرف عبدالله الضباعين
2020 / 5 / 20

بريطانيا العظمى أيام كانت إمبراطورية عظمى، وفرنسا وغيرهما من القوى العظمى كان لديها سياسة فرق تسد مع الدول الضعيفة التي سيطرت عليها واحتلتها.
فرق تسد (بالإنجليزية Divide and rule ) هو مصطلح سياسي عسكري اقتصادي يعني تفريق قوة العدو الكبيرة إلى أقسام متفرقة لتصبح أقل قوة مما يسهل التعامل معها، أو تجذير التفرقة بين القوى المتفرقة التي لم يسبق أن اتحدت والتي يراد منعها من الاتحاد، حتى لا تمثل خطرًا.
الدول الإستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين لم تخلق الفرقة من فراغ، بل لعبت على الاختلاف بين الشعوب والمكونات في البقع الجغرافية التي احتلتها، وكل قائد محارب محنك في التاريخ لعب هذا الدور مع أعداءه لا بل كل زعيم من دول العالم الثالث تقريبًا لعب هذا الدور مع شعبه. يقال أن هذا الأمر اتبعه تاريخيًا السومريون والمصريون واليونانيون والرومان لتفكيك قوى أعدائهم وتحييد هذه القوى من خلال توجيهها داخليا واحدة ضد الأخرى ثم السيطرة عليها، دون أن ننسى أن الروم والفرس استخدموا واستغلوا الغساسنة والمناذرة بعضهم ضد بعض.
احتلت القوى الإستعمارية الأوروبية المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الأولى وقبلها وكانت المنطقة العربية وقتها مقسمة بين تابع للعثمانيين كبلاد الشام والحجاز والعراق واطراف الخليج العربي، وبعضها يتمتع باستقلالية نوعًا ما عن الدولة العثمانية كمصر والسودان، وبعضها كان دويلات لا قيمة لها ولا كيان كمناطق المغرب العربي، وكان الوضع العربي وقتها منغمس في القبلية والتخلف والتشرذم والإنهيار في مجالات التعليم والثقافة والصحة والقمع السياسي، فجاءت هذه القوى الإستعمارية بعد انهيار الدولة العثمانية لتحتل المشرق العربي والمغرب العربي فوجدت أمامها مجتمعات متخلفة منقسمة، فسعت لتجذير هذه الفرقة بأبسط الجهود والتكاليف والعمل.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان العرب دولة واحدة؟ وأتمنى على قارئ المقال أن يخرج قليلا عن ذلك التفكير النمطي الذي قدمته بعض المسلسلات العربية التجارية ذات الصبغة التاريخية سواء كانت المصرية أو السورية التي تقدم العرب كأمة واحدة وجاء الإستعمار يفرقها!
هذه المسلسلات وما تروجه من أحداث تاريخية ما هي الإ مسلسلات تعتمد على روايات وسناريوهات من وحي كتابها لا يمت الكثير منها للواقع بصلة، معروفة الأهداف وذات مخطط سياسي واضح انتشر منذ الإنقلابات العربية المتوالية في سورية والعراق ومصر وهدفها التأثير على المشاهد العربي وزرع أفكار وأجندات في أدمغة تم تعطيلها بالتوازي مع مقررات تعليمية موجهة في المدارس والجامعات العربية.
صنف بعض المؤرخين العرب الحكم العثماني للمنطقة العربية كإحتلال وقمع، وصنفه الأسلاميون الحكم العثماني كحكم شرعي، وبغض النظر عن وجهات النظر المختلفة كان بقاء العثمانيين في المنطقة العربية بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى وانهيار سلطة الخليفة العثماني في اسطنبول أمرًا مستحيلاً.
القوى الإستعمارية الأوروبية سعت إلى تقسيم الكيان الذي سيطرت عليه إلى مكونات معينة عرقية واجتماعية وعشائرية ودينية وطائفية وحتى اقتصادية ومنح هذه المكونات الاستقلالية السياسية عن بعضها البعض بما يضمن عدم اتحادها، وكان رد القوميين العرب بأن هذا التقسيم من صناعة الإستعمار. لكن هل كان سكان هذه المنطقة عرب فقط؟ بالطبع لا. الأغلبية عربًا وحتى بعض العرب أصولهم ليست عربية، لكن هناك قوميات أخرى وجدت في المنطقة العربية بعضها وجد نفسه ضمن كيان جديد لا يمثله بالمطلق، أو وجد نفسه في كيان جديد قابل للإنفجار في أي لحظة! هل هذا خطأ؟ أو نتيجة لعملية تقسيم متسرعة؟ قد يكون قلة وعي عربي لكنه كان مخطط أوروبي ذكي جدًا.
إن الدول الإستعمارية سعت لتقسيم المنطقة العربية إلى مكونات دينية ومكونات طائفية ومكونات عشائرية وقبلية ومكونات عرقية وغيرها... حتى أنها خلقت من لا شيء مكونات "جيواجتماعية" إن صح التعبير! لكن هل هذه المكونات من صنع الاستعمار الأوروبي كما أوهمونا في كتب التاريخ التي تدرس في كوارثنا المدرسية؟ طبعا لا.
هذه المكونات كانت موجودة قبل بريطانيا وفرنسا، ولكنها كانت " متعايشة" معاً أو " تعيش" معاً ضمن الحد الأدنى من الخلاف، وطبعا بقبول أن الأغلبية العددية كانت القوة على الأرض والأقلية كانت تحترم ميزان القوى، نعم كانت تجري بين هذه المكونات مناوشات وحروب قبلية، ولكن الأمور كانت أبسط من أن تدور بين هذه المكونات صرعات ضخمة ومخيفة، فكانت الدولة العثمانية تسيطر بقوة وعنف على أي تمرد أو صراع أو حرب بين فئات المجتمعات هذه، أو أن الدولة العثمانية نفسها كانت تحرض مجموعة من هذه المجموعات على مجموعة أخرى، أو تصل الأمور لفتنة الهدف منها القضاء على أحد هذه المكونات، وجاءت القوى الإستعمارية وقد ورثت هذه الأمور كلها ولكنها سعت لزيادتها وتجذيرها واستثمارها لصالحها بذكاء ودهاء.
القوى الإستعمارية خرجت من الباب وقد خلفت وراءها دولا في المنطقة وبريطانيا لم تكتفِ بتقسيم المقسم بل زرعت اسرائيل في المنطقة الوسطى بين العرب، وكانت تعلم أن هذا الكيان سيشكل يومًا دولة يهودية عنصرية وسط منطقة عربية تدين في غالبيتها العظمى بالاسلام، فتخلص الأوروبيون من قذارة اليهود ومن خطر العرب في ضربة واحدة، نعم خرجت القوى الإستعمارية من الباب لتدخل من الشباك بالقروض المرهقة وتحريض العرب بعضهم على بعض وبتحريض اسرائيل على العرب وتحريض العرب على اسرائيل وضمان السيطرة على آبار النفط والغاز وتوزيعها على أكثر من دولة، والأكثر لؤمًا هو ضمان وجود سوق لشراء الأسلحة في هذه المنطقة الساخنة.
سكان هذه المنطقة من عرب وكرد وأرمن ويهود وأقباط وبربر وغيرهم، ومن مسلمين ومسيحيين ويهود ودروز وبهائيين ومندنائيين وغيرهم، ومن سُنة ومن شيعة، ومن أهل جبال وأهل بحر ومن بدو وفلاحيين وحضر وقبائل مختلفة ومن أصول مختلفة ... الخ كانوا يكنون لبعض الإحترام أحيانًا والرفض أحيانًا أخرى، المهادنة والمصالحة أحيانًا والكراهية والحرب أحيانًا أخرى، ولم يكن حال أبناء المنطقة هذه غريبًا عن البشرية فالأوروبيون كانوا كذلك، وما أن خرجوا من الحرب العالمية الأولى حتى دخلوا في الثانية فكانوا أيضًا شعوب وأعراق وطوائف تكره بعضها البعض ودار بينها صراعات دموية كبيرة منذ العصور الوسطى أو قبلها ولكن الأمر هو أن هذه الشعوب والدول الأوروبية بدأت تعي أن الحروب يجب أن تخاض في المناطق البعيدة، لذلك تخلصوا من الكثير من اليهود ليس محبة فيهم بل لأنهم يعوا أن اليهود أهل نفاق وشقاق وأهل فتنة وصراع فكان لا بد من تأسيس دولة لهم بعيد هناك في الشرق، يلتهون فيها ويلهون العرب أيضًا. عرف الأوروبيون أن حروبًا من نوع آخر يجب أن تخاض في أوروبا... صراعًا وتسابقًا إيجابي في مجالات ثقافية والعلوم المختلفة والأدب وغيرها، فنزفت أوروبا كتبًا كثيرة واختراعات عديدة، بينما نزفت المنطقة العربية دماء كثيرة وتخلف ورجعية.
العرب يسيرون بخطى ثابته نحو جهنم... ولا أمل لنا بالشفاء من داء الكراهية الذي نكنه بعضنا لبعض.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان