هل فعلا غادرتنا يا بضري؟

إبراهيم محمد عالي لحبيب
2020 / 5 / 19

اسمحوا لي أولا أن أكون في هذا الموسم الثاني من اغتيال الشهم بضري عبد الرحيم، أكثر روحانية في خربشات تنم عما يخالج صدري المترع لفقدانه، لأنني أرى انه لا ضير في أن نكون روحانيين من أجلك يا شهيد......

في خضم هذا السجن الانفرادي القسري بسبب جائحة كوفيد 19 ، باغتتني النوستالجيا لتذهب بي صوب محطة أدعي دوما نسيانها على مسرح الذاكرة.
لا طالما كان هناك قانون يسري على عامة البشرية، يخص ذاك الصراع الأبدي بيننا وبين أرواحنا نتنازع فيه ونظل ندور حول أنفسنا بأفكارنا نتذكر فيها حياة رفيق فقدناه في معركة الوطن، نغازل المبادئ لعلنا نتذكر جزءا من ثورة الحصاد التي للأسف لم نظفر ولو بجزء من حصيدها.

محطة يسوق بها أيار من كل سنة ليعلن عن وفاءه لثورة 1973، فكم أنت عظيم يا بضري حتى في سقوطك البيولوجي لم ترض بغير هذا الشهر الأحمر بدماء الولادة والنضج.

اليوم والعالم متوقف ومشلول عن بكرة أبيه، سُئلت من طرف أحد الرفاق، ماذا ستقدم هذا العام لرفيقك؟

غادرته وهو يقين من أنني لا أملك إجابة تشفي غليلي أنا فما بالك بغليل السائل، إنصرفت مسرعا لغرفتي *التي نعتوها بالحجر الصحي* أشعلت الشموع المتواجدة لدي، دخنت سيجارتي لعلي أجد ما أدونه لروحك الطاهرة:

تسللت بين جفني دمعة مباغثة، صرخت في وجهها لأكفكفها بسرعة، لا لشيء إلا لأن الوقت ليس وقت النواح، هي ذكرى والوقوف عليها سيكون من باب استحضار الدرب والموقف.

يراودني مجددا ذاك الصراع الوجداني متسائلا وهو حيران:
*لما تنافق نفسك، ألست أنا التي تحس بفجوة وقلب مكسور على بضري بل وغصة لا تأبى أن تطرد من حلقك؟

*أجيبها بصراخ : _ليس من عاداتي_ وهل تنسين ما تركه من وضوح في المسار والدرب؟
أتنسين أنه لقننا درسا في المثالية ألم يكن تلميذا مجيبا لبصيري والولي؟
ألم يرق لمنزلة البر بالمضحين من أجل الإنسانية؟

*لا لا تأبهوا بكلماته الرنانة هاته أنا أعلم ما لا تعلمون:
يا شباب الأوطان، يا رفاق، يا إخوان .... سموا أنفسكم كما شئتم، لا تكونوا كما يدعوكم أن تكونوا، ما خلقتم لتعيشوا شموعا تموت لتنير الأخرين هذا كلام مبتذل، أنا أكثر من غيري يعلم قصته مع الشموع.
"الشمعة تكون صامدة ونارها شامخة في المهد، وما أن تصل الثلث الأخير من عمرها حتى تخونها الطاقة فيصير لهيب نارها يتلاعب، فلحظة تصعد للأعلى ولحظة إلى الأسفل أشبه بسبات،لتعلن في الأخير موتها الأبدي.
إذا كانت هكذا حياة الشمعة، فبالله عليكم ما بالك بحياة الشاب الصحراوي الحائر في قراراته وإنتمائاته؟"
ألم يقل أحمد مطر :"لقد قتلونا قبل أن ننتصر ونحن لسنا كرماء بهذا الوطن، فلا عشنا ولا عاش الوطن..
فعن أي وطن تتشدقون...؟؟
(عم نوع من الصمت حتى ظنت أنها انتصرت لرجعيتها اللعينة، كلا بل كنت فقط أتمعن في رؤية وجهها الحقيقي لأول مرة.)
*بضري قبل أن يستشهد لا طالما صدح في وجه العالم "من لم يمت بالسيف مات بغيره......"
أتدعين الشباب الصحراوي أن يموت موت "الجيفة"، أتقولين لهم موتوا بعيدين عن زخات الرصاص، أتخونين مدرسة غسان؟
أقسم أنني طلقتك ثلاثا يا نفسا شريرة
لن أطاوعك يوما وحاشى أن أشك حتى......
فما أحلى عيشة الرفاق، وما أحلى السير على دربهم، ولم ولن أرضى بغير هاته العيشة.
إن كانت سيوف الغدر اغتالت بضري، فلا تخافوا يا معشر الرفاق، الشهيد أصابنا بعدوى حب البوليساريو حتى الجنون وبشراسة أكثر، وعناق تابوت الشهيد جعلنا نزيد مئة ألف ذرة حقد على أنظمة الكارتون.

أنت يا رجعية تظنين أن الشهداء ماتوا، ألا تعلمين أن أعمارهم أطول من عمر الاحتلال نفسه، صورهم في يوم النصر ستعلق أوسمة على أكتافنا.

نعم لن أنفي أنني أضعف كلما أتذكر روحه، إننا بشر ،نحزن لفقدان شخص يكفي أن نسمع بسيرته الحسنة، فما بالك بروح شخص كبضري، لكن هل أستشهد أيتها اللعينة لكي أرتكن أنا وباقي الشباب رفاقه إلى الوراء؟

هل القضية متوقفة على أشخاص؟ إذا ولماذا لم تنته بوفاة مفجرها يا غبية؟

إن عيشة بدون قضية وموقف لا تترك مسافة مع عيشة البهيمة، مات بضري وموتي أنا محتوم لكن لن أذهب إلا وملأت الدنيا ضجيجا على قاتليه وقاتلي مستقبلا....

بضري ذاك الفارس الذي ترجل عن صهوته باكرا، ليستحق أن يكون نبراسا للإنضباط الثوري والاستقامة السياسية ورمزا نحتذي به، فلم تغادرنا روحه حتى تركت لنا وضوحا في المسار والدرب، فكيف لنا أن نحيد اليوم عنه؟

سأقول لك أخيرا بعدما طأطأت رأسك خجلا أمام ما قلته:
إن ما تفوهت به أمام مسامعنا لا يعيب أبدا شجاعة بضري ومعه قافلة من الشهداء، بقدر ما تعيبين في قرارات أنفسك جبنك وجبن زمرة أيادي مرتعشة مثلك، بضري كان يحتاج موتا واحدا ليرقد بسلام، أما أنت فعدي لنا كم من مرة تموتين يوميا......
هل يكفيك ما سمعته أم نخبرك المزيد، من اليوم لا تعبثي بمخيلتي، فبضري يستوطنها،اذهبي إذا لجحيمك.

اسمعوا إذا يا رفاقي بعدما انتهينا من هذا الصراع الذي حاول أن يشوش تواصلنا حول الشهيد.
إن حبات رمل الصحراء الغربية مليئة بأبطال كبضري،لا يهم كيفية وطريقة موتهم فسِـجل الشجاعة يحويهم بالتساوي، وإن أردتم حقيقة ذلك إسئلوا ضباط الاستخبارات المغربية عن أحلامهم، فالشهداء يناوبون الزيارة عند باب كوابيسهم لينشدوا لحن الحرية، و يذكروهم بما فعلت أيديهم الملوثة بدماء الشرفاء...

أيار الشهداء يزارنا مجددا سنته 2018 ليخطف زهرة من زهور هذا الوطن، مجددا العهد والعهدة ويقول لا صوت يعلوا على صوت الدم في معركة البقاء.

فبضري جريمة تضاف إلى تاريخ هذا النظام، ليس أقل من مسلسل مليء بالغدر، ليعلنوا مجددا اغتيال حلم الشعب الصحراوي في العيش تحت الشمس.

قبل أن انصرف عنكم لغرفتي المظلمة بعدما كسرنا حاجز الهلوسات لتلك الروح التي تشبه كثيرا ذاك الطابور الخامس المجند لخدمة أنظمة البلاستيك, دعوني أقصص على مسامعكم قصة تقول:

منذ عقدين، عاد طفل مع أبيه من جنازة جده في صمت مهيب وبين الإثنين كان يطوف رفيق للجد لا يشيخ ولا يتسع له قبر.
واليوم يعود الطفل، قد جلل الشيب ناظريه، من نفس المقبرة و قد ودع أباه، يعود الكهل - الذي كان ذات يوم طفلا - وهو يمسك بيد صغيره، وحولهما كان يطوف نفس الرفيق الذي صاحب الجد والأب.
خاطب الصغير أباه، أما لاحظت يا أبي أن رفيق رحلتنا كبر مع جدك ثم أبيك، وفي كل مرة يعود معنا من فرط كبره لا قبر يحتويه، كأنه يرفض الموت؟
أجابه الأب: "يا بني، هو رفيق رحلتنا و إرثنا و سلاحنا، إنه الأمل يتدثر بإيمان راسخ سيظل يكبر و يكبر لكنه لا يشيخ أبدا".

بضري هو ذاك الشيخ بالنسبة لنا لذا :
لن أقول ودعا يا بضري ...... وأنت باق فينا بمبادئك....
باق في قلوب كل الرفاق ومن عرفوك فأحبوك.......

ابراهيم محمد عالي لحبيب.
كليميم السليب.
على هامش الذكرى الثانية لإغتيال بضري عبد الرحيم.
18 ماي 2020.