نظرة تصورية على العناصر التي تسهم في تشكيل المجتمع

حسين محمود التلاوي
2020 / 5 / 17

تتعد العناصر التي تساهم في تشكيل المجتمعات. وهنا نحن يتعين توضيح أن فكرة وجود مجتمعات أصلية تتحد مع غيرها من المجتمعات لتكون مجتمعًا جديدًا، وكذلك صبغ مجتمعات واقعية بصبغة جديدة أو إعادة إحياء مجتمعات تشتت، هي كلها نقاط تفترض وجود مجتمع أصلى يتعرض لحالة من التغيير، وهو ما يختلف عن الحديث عن الدوافع التي تسهم في تشكيل مجتمع انطلاقًا من نقطة الصفر.
وفي الأسطر التالية، سوف نلقي نظرة على مجموعة من العوامل التي نتصور أنها تساعد على صياغة مجتمعات جديدة من المجتمعات القائمة بالفعل؛ وهي العناصر التي تتراوح فيها قدرة المجتمعات على الاختيار بين الحرية الكاملة والإجبار شبه المطلق؛ بمعنى أن بعض هذه العوامل قد يختاره أحد المجتمعات كوسيلة من أجل تكوين صورة جديدة له، أو يدفع بهذا المجتمع دفعًا نحو اللجوء للآخرين.

أولاً: الموقع الجغرافى
لا يمكن لنا أن نتخيل نوعًا من التواصل الفاعل بين أفراد يفصل بينهم نهر أو جبل أو هوة عميقة. ونقصد بالتواصل الفاعل ذلك الذي يتيح بناء علاقات كاملة بين الأفراد، ويؤدى إلى إيجاد نوع من التكامل الفكرى والإنساني والمادى بين الأفراد.
فى العصر الحالي، يمكن إيجاد جزء من هذا التكامل عبر وسائل الاتصال المتطورة، ولكن ليس كل أنماط التواصل وذلك بسبب حاجة بعض أنواع العلاقات بين الأفراد إلى تقارب مكانى شديد؛ مثال ذلك علاقات المصاهرة والقربى.
من ذلك نرى أن البعد الجغرافى يؤثر بشدة في تكون المجتمعات إلى جانب ما تتضمنه كلمة "موقع" من إشارة إلى الدور الذي تلعبه الجغرافيا في جذب الأفراد للعيش في المناطق ذات الوفرة الغذائية، أو تلك التي تساعد على حصول هذه الوفرة. لذا فالتقارب في المكان يساعد على تكون المجتمعات.
ولنضرب مثالاً بما حدث مع السلالة الجيزاوية في نشأة المجتمع الفرعونى، عندما هبطت من الهضاب المحيطة بنهى النيل لتستقر حول وادى النيل ذاته ما كان بداية لنشأة حضارة من أعظم حضارات الإنسانية؛ وهى الحضارة الفرعونية. وأيضًا ساهم نهر دجلة ونهر الفرات في نشأة الحضارات حولهما؛ فقامت الحضارات البابلية والسومرية والأشورية.
والأمثلة من التاريخ الإنساني متعددة لتبرهن على دور الجغرافيا في صياغة المجتمعات قديمًا وحديثًا.

ثانيًا: التاريخ
الخلفية التاريخية هنا من الأبعاد التي تساهم بدور فاعل للغاية في تشكيل المجتمعات؛ فالذكريات المشتركة والخبرات العامة التي يتقاسمها الأفراد والمجتمعات تلعب دورًا بارزًا في تكوين المجتمعات. وقد أكد الكثيرون على أهمية التاريخ في تشكيل الشعور القومي؛ ومن ثم تكوين المجتمعات على أسس قومية. والعديد من دعاة القومية العربية يشيرون إلى توافر عوامل الوحدة العربية؛ وفى مقدمتها التاريخ؛ الأمر الذي يجعل الخلفية التاريخية المشتركة عنصرًا فارقًا في تكوين المجتمعات، والمساعدة على إيجاد مجتمعات جديدة.
ولا يفوتنا في هذا السياق الإشارة إلى دور التاريخ المشترك بين دول أوروبا في دفع فكرة الاتحاد الأوروبي ويبقى التاريخ عنصرًا فارقًا في عدم قبول الاتحاد فكرة عضوية تركيا فيه لخلفيتها التاريخية العثمانية والتى تتعارض مع مجمل التاريخ الأوروبي، بل وكانت في فترة من الفترات في صراع مع أوروبا عسكريًّا وسياسيًّا.

ثالثًا: اللغة
تعتبر اللغة من أكبر العوامل تأثيرًا في توحيد أو تفرقة الأفراد؛ ومن ثم فإنها تلعب دورًا بارزًا في تشكيل المجتمعات الإنسانية؛ فكم من المواقف مر بها كل من في حياته استشعر فيها دور اللغة في تحقيق التواصل مع آخرين سواءً كان هذا التواصل بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر مثل الرغبة في متابعة نشرة أخبار بلغة غير لغته الأم، أو بالرغبة في متابعة الدراسة في دولة معينة. وفى تجمع مواطنى الدولة الواحدة أو الثقافة الواحدة في بلاد الاغتراب نموذجًا على دور اللغة في صياغة مجتمع إنساني.
وحتى في العلاقة بين بلاد الاستعمار والبلاد التي تعرضت للاستعمار، نجد اللغة تفرض علاقة خاصة بين الطرفين بعد انتهاء مرحلة الاستعمار، ويعد تشكيل فرنسا لمنظمة الفرانكفونية التي تضم الدول الناطقة بالفرنسية مثالًا على دور اللغة في تجميع الأفراد فيما يشبه المجتمع الجديد.
لكن كل ما سبق يعتبر أمثلة على نجاح اللغة في لعب دور في عملية التواصل بين الأفراد، ولكن المهم هو ما الذي أعطى للعنصر اللغوى هذه القدرة؟! أو بشكل آخر ما الذي أعطى للغة هذه الأهمية؟!
تسهل اللغة المشتركة من عملية التواصل بين الأفراد الأمر الذي يخلق العديد من مجالات التفاعل المشتركة الأخرى بجانب أنه يساعد على نقل الخبرات بين الأفراد؛ ومن ثم العمل على تسهيل تطوير هذه الخبرات بصورة أعمق، بالإضافة إلى دور اللغة وما تحمله أية لغة من ثقافة إنسانية في إيجاد بناء اجتماعي موحد للمجتمع، ينطلق من واقع القيم التي تحملها ثقافة هذه اللغة.
كذلك تؤدى اللغة إلى إيجاد الأدب الذي يعبر عن ثقافة وأخلاقيات كل مجتمع سواء كان الأدب مكتوبًا أم شفاهيًّا، ويساهم هذا في اكساب قوة وحضور لهذه القيم الأخلاقية، بالإضافة إلى نقله لهذه العادات والتقاليد والقيم إلى الأجيال القادمة من هذا المجتمع؛ ما يعطيه الحيوية والاستمرارية.
والأمثلة التي لعبت فيها اللغة دورًا في تطور المجتمعات الإنسانية بل ونشوتها أمثلة عديدة؛ ومن أهمها نشأة الدولة البلغارية التي قامت على أساس إحياء اللغة البلغارية كعنوان على وجود قومية بلغارية مختلفة عن قوميات أوروبا المختلفة إبان الحكم العثمانى لهذه البقاع منتصف القرن التاسع عشر. كذلك أسهمت اللغة في صياغة المجتمع العربى في الجاهلية بعد أن تجمع كل أفراده تحت لواء النطق باللغة العربية؛ وهو ما أدى إلى عدم تشتته بين القوى السياسية المحيطة به في العالم القديم؛ وهى الفرس شرقًا والروم غربًا. كذلك تعد اللغة العبرية من العوامل التي ارتكن عليها اليهود في الحفاظ على خصوصية مجتمعاتهم في البلدان التي استقروا فيها، كما أنهم استندوا إليها في تأسيس المجتمع الجديد الممثل في "إسرائيل".
والأمثلة الأخرى من التاريخ الإنساني متعددة على دور اللغة في تشكيل أو إعادة صياغة المجتمعات الإنسانية أو الحفاظ على هوية هذه المجتمعات بجانب دورها في تطوير الفكر الإنساني العام.

رابعًا: العرق
يأتى العرق كأحد أبرز العوامل التي تساهم في تطوير المجتمعات وتكوينها؛ بالنظر إلى ما يحمله تشارك الأفراد في ذات العرق من فرص تشاركهم في العديد من السمات التي تعتبر من المرتكزات التي تعتمد عليها المجتمعات في تشكيلها. ومن أهم هذه السمات المشتركة اللغة؛ حيث يكون العرق الواحد في الغالب صاحب لغة واحدة. لذا فإن العرق يعتبر من أهم العوامل المساعدة على التجمع البشري.
ومن أهم الأمثلة في التاريخ على أهمية العرق اجتماعيًّا ما نراه في دول أوروبا الوسطى والشرقية من قيام الدول على أسس من العرق. كذلك فإننا نرى في تفكك الاتحاد اليوجوسلافى إلى دول متعددة تقوم على الأعراق في غالبيتها دلائل عدة على علو مكانة فكرة الأعراق في الذهن الجمعى للافراد لكونه ساهم في إحياء مجتمعات بعد فترات طويلة من انضوائها تحت لواء دولة أخرى ومحاولة دمجها سويًّا في مجتمع واحد.
لكن يبرز هنا سؤال مهم؛ وهو كيف يساهم العرق الواحد في تكوين مجتمع؟ وهل من المفترض أن تكون التجمعات البشرية ذات الصلة العرقية في وحدة وتآلف؟! للإجابة على هذا السؤال يمكننا أن ناقى نظرة على واقع العالم العربى؛ فالعرب في غالبيتهم عرق واحد، إلا أن التقسيم الاستعمارى أدى إلى إيجاد دول متعارضة المصالح في الغالب. وهنا يبرز دور العرق العربى باعتباره الوسيلة التي من المفترض أن تساعد في تدليل الخلافات بين الدول؛ بما يساعد على قيام مجتمع عربى كبير مستقر متألق المصالح.
كذلك فإنه عندما يشكل العرق غالبية عظمى في دولة معينة، فإنه يساعد على حفظ استقرار المجتمع؛ لأنه في هذه الحالة يكون المجتمع في غالبيته من ذات الثقافة والعادات والدين؛ مما يحفظ السلم الاجتماعي مع عدم إغفال إمكانية أن يؤدي ذلك إلى الأضرار بحقوق الأقليات العرقية الأخرى في بعض الحالات. ومن أهم الحالات التي برز فيها دور وحدة العرق في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي الحالة المصرية، فيما تأتى الحالة التركية نموذجًا على تسبب تكون غالبية أفراد الشعب من عرق واحد في إلحاق الضرر بغيره من الأعراق الأخرى في المجتمع.

خامسًا: الدين
كثيرة هى الأمثلة التي قامت فيها مجتمعات جديدة على أساس من الدين؛ فالمجتمع العربى بعد الإسلام قام على أساس ديني. لكن لماذا يساهم الدين في تشكيل مجتمعات جديدة؟! أو بمعنى آخر، ما عناصر الوحدة التي يضيفها الدين إلى المجتمعات الإنسانية؟!
لنأخذ على سبيل المثال الجوانب الروحية في الدين؛ فأي دين في الغالب يحض على فعل الخير حتى مع غير معتنقيه. وفعل الخير هذا يتطلب وجود آخر يكون الإنسان خَيِّرًا معه؛ ما يسهم في بناء علاقات اجتماعية جيدة بين الأفراد وأسرهم و... و.. إلى آخر كل التراكيب الاجتماعية الممكنة.
أيضًا من الأسس التي يضيفها الدين للمجتمعات في مسألة ترقيتها وتنميتها الثقافة المشتركة؛ فالدين يطبع فكر الإنسان بنمط معين للحياة الأمر الذي يؤدى إلى مشاركة الفرد للأطر العامة لأسلوب المعيشة مع غيره مع الأفراد؛ ما يؤدى إلى إنشاء مجتمع إنساني متماسك قائم على الوحدة الفكرية. وإلى جانب ذلك نجد الدين الواحد يؤدى إلى توحيد المعايير والأخلاقيات التي يتبناها أفراد المجتمع في حياتهم اليومية.
إذن وحدة فكرية وأخلاقية وإنسانية يؤدى الدين الواحد إلى إيجادها بين معتنقيه وفى التاريخ الإنساني صور هامة لدور الدين في تقوية المجتمع؛ ومن أقرب وأبرز هذه الأمثلة واقع شبه الجزيرة العربية بعد الإسلام حيث دعم الدين الإسلامى كل عناصر التوحيد بين القبائل، ونبذ مختلف عناصر الفرقة ما قاد إلى ظهور دولة الإسلام، لا ظهور المجتمع الإسلامى فحسب.

سادسًا: الدولة
من الجلى أن الدولة في النظام الإنساني الحالى تمثل أعلى أو أشمل صورة للمجتمع الإنساني؛ بمعنى أنه إذا كان أى مجتمع إنساني يكون من عدة أسر على سبيل المثال، فإن المجتمع الإنساني العام يتكون من عدة دول.
صحيح أنه هناك محاولات لزعزعة مكانة الدولة في النظام العالمى الجديد بالإعلاء من دور الاقتصاد على حساب السياسة، وإعطاء الشركات العابرة للقاءات حق إدارة الاقتصاد العالمى؛ ومن ثم إدارة المجتمع الدولى ككل، إلا أن الوحدة السياسية الأبرز حاليًّا هى الدولةـ ولا يمكن في الوقت الحالى تخيل المجتمع الإنساني بلا دول، كما أنه لا يمكن تخيل حياة الأفراد بلا أسر؛ فالدولة حاليًّا هى الوحدة الأولية التي يتكون منها المجتمع الدولى. لذا فلها الدور الأكبر في تحريك النشاط الإنساني العام؛ فلا يمكن لفرد أن يعبر من دولة لأخرى دون تأشيرة دخول وحتى في حالة وجود إعفاء مواطنى دولة معينة من تأشيرة الدخول في دولة ما؛ فإن هذا الإعفاء قائم على أساس كون هذا الفرد من دولة معينة.

كان هذا إشارات إلى دور بعض العناصر فى إعادة صياغة المجتمعات الإنسانية واستمرارها، وتتراوح هذه التأثيرات ما بين القوة والضعف وفق طبيعة واحتياجات كل مجتمع. ومن الضرورى أن نشير هنا إلى وجود بعض العناصر الأخرى غير ذات التأثير الكبير والتى لم نوردها هنا لضعف فاعليتها فى السياق الطبيعى لتطور المجتمع.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار