ماركس الإغريقي... لمحات خاطفة عن التأثيرات الإغريقية في فكر ماركس

حسين محمود التلاوي
2020 / 5 / 16

تنبني الحضارة الإنسانية طبقات بعضها فوق بعض، تمثل كل واحدة منها أساسًا للطبقة التي تليها، وهو ما هو قمة الحضارة الإنسانية وأحدث ما أنجزه العقل الإنساني، سوف يتحول سريعًا إلى اساس لقمة أخرى أكثر حداثة. ينطبق هذا الكلام على مختلف أوجه النشاط الإنساني من اكتشافات علمية، وجغرافية، وتاريخ، وتكنولوجيا، وغير ذلك.
ولا تقف الفلسفة بمعزل عن ذلك، بل إن المرء يكمنه أن يقول من دون مبالغة إن تطور الفلسفة وارتقاء الفكر الإنساني من مرحلة إلى أخرى يمثل الأساس الذي تقف عليه منجزات تلك المرحلة الجديدة.
ولم يكن "كارل ماركس" بعيدًا عن هذه القواعد والأطر الحاكمة لتطور الحضارة الإنسانية؛ إذ إن المرء يمكن أن يقرأ بعضًا من أفكاره في كتابات الفلاسفة الإغريق لا سيما بخصوص التطور، والمنشأ المادي للوجود، وغير ذلك من الأركان الركينة للفكر الماركسي بوجه عام.
لكن تتبع مثل هذه الفكرة يحتاج إلى أحبار كثيرة يتعين أن تسيل لأجل تغطيتها؛ ومن ثم سوف نكتفي في هذه المساحة بأن نلقي إضاءات سريعة توضح لنا لمحات خاطفة عن التأثيرات الإغريقية في فكر "كارل ماركس" بخاصة فيما يتعلق بالمنشأ المادي للوجود.

انكسيمدنريس... الحركة تؤدي إلى التطور
كان "أنكسيمدنريس" من فلاسفة المدرسة الملطية التي تبنت المذهب الطبيعي في تفسير الوجود، وكان أحد أبرز تلاميذ فيلسوف اليونان الشهير "طاليس" رعم أنه اختلف معه في أن الماء أصل الوجود؛ لأنه يتراوح بين البرودة والسخونة؛ ومن ثم فإن البارد والحار سابقان على الماء؛ فقرر في النهاية أن يقول إن "اللامتناهي" هو أساس الوجود.
كان من أبرز المرتكزات الفكرية لهذا الفيلسوف فكرة حركة المادة؛ وطبقًا لـ"يوسف كرم" في كتاب "تاريخ الفلسفة اليونانية" — الصادر ضمن مشروع مكتبة الأسرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب — فإن الفيلسوف قال إن المادة الأولى التي اسماها "اللامتناهي" هي خليط من كل الأضداد؛ مثل الحار والبارد والرطب واليابس وغير ذلك؛ مما يضع الأساس للنظرية المادية بأن المادة أصل الوجود؛ وهي أحد المرتكزات الفكرية لـ"كارل ماركس".
لكن كل هذه الأضداد انفصلت ولا تزال تنفصل عن المادة بفعل حركة المادة. ولما كانت المادة في حالة حركة؛ فهي إذن في حالة تطور؛ وهو مرتكز آخر للفكر الماركسي؛ فالتطور عند "أنكسيمندريس" قانون عام؛ فالحياة في حالة تطور مستمر بدون توقف.

هيراقليطس... التغير والتضاد
فيلسوف آخر من المدرسة نفسها وإن كان ولد في مدينة أفسوس هو "هيراقليطس" قال بالتغير المستمر في الحياة؛ فمثلما رأى "أنكسيمندريس" أن التطور والتبدل والتحول سمة من سمات المادة، قال "هيراقليطس" إن الأشياء في تغير مستمر".
ومضى "هيراقليطس" ليشير إلى فكرة الصراع باعتبارها المبدأ الحاكم؛ فيقول إن "الشقاق أبو الأشياء وملكها"؛ فالاستقرار موت والتغير في جوهره هو صراع بين الأضداد. ومن هذا الصراع تتولد موجودات جديدة.
في هذا السطر السابق تتمثل فكرتان رئيسيتان من الأفكار الماركسية؛ وهما التناقض والصراع. حيث يقول "ماو" في تفسيره للتناقض إن كل شيء يستطيع الاستمرار مع وجود النقيضين في داخله، ولكن مع مرور الوقت، يتزايد التناقض؛ فيحدث الانفجار، ويترتب وضع جديد . ولكن هذا الوضع الجديد يحوي في طياته تناقضًا جديدًا.. وهكذا.
إذن كما يوضح "هيراقليطس"، فإن الأشياء تتغير باستمرار جراء التضاد في داخلها، ويقوم تعبير "التضاد" مقام "التناقض"، بينما يقوم تعبير "الشقاق" مقام "الصراع" في الفكرة الماركسية. ويعد التغير هو القوام الرئيسي لمذهب "هيراقليطس".

كانت تلك إضاءة شديد السرعة وخاطفة على بعض الجذور الإغريقية للفكر الماركسي. وعلى الرغم من قصر الموضوع الشديد، فإنه ركز على 3 أفكار رئيسية هي المنشأ المادي للوجود، والتطور، والتناقض، والصراع؛ وكلها من المرتكزات الأساسية في الفكرة الماركسية.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار