من خلق الحياة، الله ام صدفة الطبيعة ؟

وسام صباح
2020 / 5 / 16

نشأت الحياة حسب دراسات وابحاث العلماء قبل حوالي 3.8 مليار سنة. يقول علماء الإلحاد وانصار دارون ونشأت الحياة بالصدفة ، انه في حقبة من الزمن واثناء تكون الأرض جيولوجيا، كان هناك محيط كبير جدا من المياة، تواجدت فيه بالصدفة جميع مقومات الحياة البدائية، وبعدها اختلطت هذه المكونات معا، وبالصدفة ضربت شرارة برق بتفريغ شحنات كهربائية على هذا الخليط الكيميائي، وبتغيير درجات الحرارة، تكونت اول خلية حية ... هذه قصة يرويها للعلم اصحاب نظرية تكون الحياة بالصدفة . لكنهم لم يشرحوا للعلم والعالم كيف دبت الحياة في تلك الخلية المادية الكيميائية التركيب . وكيف وجدت فيها قدرة النمو والتغذي والتكاثر ونقل الصفات الوراثية الى الأجيـال الجديـدة !
علم الأحياء المجهري يشرح لنا تركيب الخلية ويقول انها تتكون من بروتينات ... والبروتينات تتكون من احماض امينية . والأحماض الأمينية تتواجد بعشرات الأشكال والتركيبات المحتملة، وكل حامض أميني يتواجد على شكلين مختلفين، الأول يدور لليمين والثاني يدور لليسار بحركة دائمية . هذان الشكلان يتكونان من نفس الجزيئات ويتشابهان بكل شئ ماعدا انها متعاكسان باتجاه الدوران . تماما مثل اليدين هما متطابقان بالشكل والحجم والتركيب، لكنها متعاكسان بالأتجاه، يد يمين واخرى يسار . كذلك الأحماض الأمينية فجميعها تتواجد على شكلين، نوع يدور لليمين واحماض تدور بعكسها الى اليسار.
كل خلية حية على كوكب الأرض تحتوي على احماض أمينية ذات دوران باتجاه اليسار . وبمجرد تواجد حامض اميني يميني الدوران في مكونات البروتين، فلن يتكون البروتين نهائيا . وبالتالي فشل تكون الخلية الحية .
فلنتصور الآن كيفية نشوء الخلية الحيّة بطريق الصدفة كما يدعي اصحاب نظرية التطور.
منذ 3.8 مليار سنة مضت تجمعت مركبات الأحماض الأمينية ذات الدوران اليميني واليساري لتكوين اول خلية حيّة . ابسط انواع البروتينات يتكون تقريبا من 100 حامض اميني . وهذا يعني انه يستوجب توفر 100 حامض أميني في محيط مائي يساري الدوران حتى يكتمل بناء بروتين واحد . وبمجرد تواجد حمض اميني واحد يميني الدوران بين تلك ال 100 حامض يساري الدوران ، فلن يتشكل اي بروتين .
لتقريب الفكرة للقارئ، تخيل عندك كيس كبير يحتوي على عدد من الكرات السوداء والبيضاء، واذا اردت ان تسحب من هذا الكيس كرات بشكل عشوائي، فهل يمكن عمليا ان نتصور احتمال سحب 100 كرة بيضاء بالتتابع ومن نفس اللون من داخل الكيس دون ان تخطأ بسحب كرة سوداء واحدة ؟ هذا الأحتمال يساوي 2 مضروبة في 100 اس 200 وهذا من المستحيلات بعالم الصدفة .
لابد ان ينجح هذا الأحتمال بنسبة 2 أس 200 حتى يتشكل بروتين واحد. لازلنا في تشكيل بروتين واحد وليس في خلية واحدة كاملة التي تتكون من مليارات البروتينات . فاي صدفة تتحكم بهذا النشوء المستحيل ؟
الخلية البكتيرية هي ابسط انواع الخلاايا الحية على الإطلاق. وكل خلية تحتوي على مليار بروتين، فهل يمكن ان تنشأ خلية بكتريا حيّة بطريق الصدفة تحتوي على مليار بروتين ؟
الموسوعة البريطانية قالت في كتابها: ان احتمال تشكل حياة بالصدفة والعشوائية تساوي احتمال ان يقوم احدهم برمي عملة نقدية مليون مرة .... وفي كل مرة بالترتيب وعلى التوالي وبدون خطأ ، تحصل على نفس الوجه من العملة (صورة) مثلا وليس الوجه المعاكس لها . فهل هذا ممكن ؟
فريد هويل احد كبار علماء الفضاء والفلك الأمريكان قال : ان احتمالية نشوء حياة بمحض الصدف تساوي احتمالية ان يضرب تيار كهربائي او شرارة برق كومة من حديد السكراب متجمع في مخزن ضخم، يؤدي الى تشكل وتركيب طائرة بوينغ 747 جاهزة للطيران .
هذا هو المستحيل بعينه، ولا يمكن ان تخلق من الصدفة والعشوائية شئ معقد منظم كالخلية الحية، تنمو وتتنفس وتتكاثر وتتغذى وتفرز فضلاتها بكل دقة .
لو نظرنا الى الكون من حولنا، وكوكب الأرض الذي نعيش فوقه، لوجدنا عجائب المخلوقات الحية التي تعيش فيه وكلها معقدة التركيب، منظمة الشكل، متناسقة الأجزاء، جميلة المنظر، تتشابه في تركيبها ومعادنها وعناصرها.
لنتسائل ما هي اسباب نشوء الحياة على الأرض، وما الذي يساهم في وجودها واستمرار بقائها لملايين السنين ؟
- الكائنات الحية من انسان وحيوان ونبات تعيش على هذا الكوكب بسبب ملائمة حجم الأرض المناسب وميلان محور الأرض المناسب بالضبط 23.5 درجة عن محورها العمودي، والبعد المناسب للأرض عن الشمس والقمر، وسرعة دوران الأرض حول نفسها المناسب، وتكون الفصول الأربعة وتغير المناخ ودرجة الحرارة المناسبة للحياة، وتوفر الغذاء والماء لكل الكائنات الحية، وتوفر النسبة المناسبة من ألأوكسجين وثاني اوكسيد الكربون في الهواء. كل تلك العوامل وغيرها بالآلاف مجتمعة هي من ابقت الحياة مستمرة على الأرض . فهل كل هذه العوامل اجتمعت بالصدفة لتسمح للحياة بالتواجد والأستمرار ؟
- لو زادت سرعة الأرض قليلا ، لطارت كل الكائنات الموجودة على سطحها وتناثرت بالفضاء . ولو اقتربت الأرض 5% فقط من الشمس، لأحترق كل ما على الأرض من احياء من حرارة الشمس . ولو ابتعدت الأرض 5% عن بعدها الثابت عن الشمس لتجمد كل الأحياء فوق الأرض وانتهت الحياة لعدم وجود حرارة كافية تسمح باستمرار الحياة . فهل ضبط هذه الأمور كلها حدث بالصدفة ايضا لتنشأ وتستمر الحياة على كوكب الأرض ، ام انه تحت سيطرة خالق عظيم قدير؟
- الغلاف الغازي لجو الأرض مكون من خليط من الغازات المكونة للهواء المحيط بالأرض، يحتوي على طبقة من غاز الأوكسجين وحيد الذرة، والذي يدعى بغاز الأوزون، يحيط بالأرض على ارتفاع ثابت، يحمي الكائنات الحية من الفناء بعكسه للاشعاعات الشمسية القاتلة واعادتها للفضاء . فهل وجد هذا بالصدفة لحماية الحياة ؟
- وجود المعادن المنصهرة بحرارة شديدة في باطن كوكب الأرض، تولد بحركتها الدورانية المجال المغناطيسي الذي يحيط بالأرض ويشكل درعا واقيا لمنع الأشعاعات الشمسية القاتلة من الوصول الى سطح الأرض، ولولاها لماتت كل الكائنات الحيّة .
فهل تكوّن هذا المجال المغناطيسي بالصدفة لحماية الحياة ؟
- غاز ثاني اوكسيد الكربون نسبته في الهواء 0.04% من مكونات الهواء، هذه النسبة الضئيلة هي التي تحافظ على متوسط لدرجة الحرارة على الأرض بمعدل 14 درجة مئوية . ولو لم تكن نسبة هذا الغاز ثابتة في الغلاف الغازي للهواء ، لأصبحت درجة حرارة الأرض 19 درجة تحت الصفر ولأصبحت الأرض مجمدة .
كيف تجمعت كل هذه العوامل المساعدة لتحافظ على الحياة واستمرارها، هل الصدفة هي من جمعتها يا اصحاب نظرية الصدفة والعشوائية ؟ ام وراءها خالق قدير حكيم، ومصمم ذكي لا حدود لقدرته وعظمته، هو من انشأ الحياة و وفر لها كل مستلزمات البقاء .
الا نسأل انفسنا، لماذا القمر والمريخ والمشتري وبقية كواكب السماء تخلو من الحياة حتى ولو بهيئة بكتريا، ماعدا كوكب الأرض ؟ ولماذا الكتب المقدسة اعلنت اسم كوكب الأرض فقط في قصة الخلق ، وقالت : (خلق الله السماوات والأرض) . لماذا لم يذكر اسم المريخ وزحل والمشتري مثلا . الجواب لأن الأرض فقط هي مسكن الحياة للانسان والحيوان والنبات، التي اختارها الله ووفر عليها كل مستلزمات وظروف الاستمرار والبقاء والنماء .
لو نظرنا الى الى نظرية نشوء الكون لوجدنا العجب العجاب في خلق الله ودقة صنعه و ضبط قوانينه التي وضع لها في كل شئ ميزان. تحدث علماء الفلك قائلين أن الكون تكون من انفجار كتلة متناهية الصغر تحمل بداخلها طاقة متناهية الضخامة، وعندما قال الله في بدء التكوين : (ليكن نور)، انفجرت تلك الكتلة الصغيرة جدا وانطلق منها نور السماء واشعاعاته وكل مادة وطاقة الكون الهائلة . انه الأنفجار العظيم بيك بانك . حيث كان بدء التكوين ونشوء الخلق وبناء نواة السماوات والكواكب والنجوم .
في تلك اللحظة خلق الله الزمان والمكان، وحدد سرعة الضوء المطلقة التي لا تدانيها ولا تتجاوزها اي سرعة في الكون، لأن الله هو نور السماء وهو الكائن المطلق في الوجود . واعلن عن ذاته بقوله :" أنا هو نور العالم، من تبعني فلا يمشي بالظلمة".
نقول لعلماء الصدفة ، ان بدء تكون الكون كان في انطلاق شرارته الأولى التي انطلقت طاقته ومادته الكونية من ذرات غبار ودخان وطاقة اشعاعية بسرعة تمدد ثابتة . ولو كانت تلك السرعة اكبر بنسبة واحد بالتريليون اس 3 ، اي واحد مقسوما على 1 امامه 5832 صفر لما تشكلت النجوم والمجرات والكواكب . فسبحان من قدر كل شئ بهذا القدر الدقيق لتتم ارادته في الخلق، فهل كان كل هذا نتيجة الصدفة ؟
ولو كانت سرعة تمدد الكون اقل من النسبة الثابتة بنسبة واحد بالتريليون تريليون تريليون من سرعة تمدد الكون الثابتة، لما كان ان تجتمع الأتربة الفضائية وذرات الغبار معا لتكوّن النجوم والأقمار والكواكب. وما كان ان نكون كبشر وحياة على الأرض .
ان هذا تصميم مثالي لمصمم قدير وخالق عظيم ، ولايمكن للصدفة ان تتحكم بإنشاء الكون. ان القوة التي تتجاذب بها الذرات مع بعضها البعض لتكوين المادة التي تصنع الكواكب والاقمار والعناصر الكيميائية، هي قوة ثابتة المقدار، ولو كانت أكبر او اقل مما هي عليه بنسبة واحد بالتريليون اس 3 . لما كان احد منا موجود الآن على الأرض ، ولما كانت الأرض موجودة من الأساس. فمن ضبط هذا الميزان ووضع لكل شئ حسابه ومقداره؟ هل الصدفة قادرة ان تتحكم بالنظام وتجعله موزونا دقيقا .
بإمكان الباحث ان يجد المئات من الثوابت الكونية والحقائق والتي لو تغيرت خصائصها بنسب لا تكاد تذكر، لكان تواجد ونشوء الكون بما فيه من كواكب ونجوم وحياة ضربا من الخيال والمستحيل .
فهل خلق الكون بالصدفة، وهل خلقت الحياة من خلية واحدة على ضفاف مياه البحار بالصدفة كما يدعي اصحاب نظرية التطور الفاشلة التي لم يستطع اصحابها اثباتها، ام ان وراء هذا الخلق العظيم خالق عظيم ؟

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا