نقد الفرويدية

نايف سلوم
2020 / 5 / 13

تلخيص كتاب ميخائيل باختين - الفرويديّة
كتب باختين هذه الكتابات"حول الفرويدية" سنة 1927 والفرويدية ماتزال قيد النمو، باسم مستعار هو (ف. فولوشينوف) . وقد ظهر هذا الاسم مرة أخرى على غلاف كتاب لاحق لباختين بعنوان (الماركسية وفلسفة اللغة) سنة 1929 . ونشر كتاب ثالث سنة 1928 يحمل عنوان (المنهج الشكلاني مطبقاً على النقد الأدبي) باسم (ميدفيديف). وكل من صاحبي الاسم المستعار لباختين كان ينتمي "لحلقة باختين" التي تتألف أيضاً من الرسام الشهير مارك شاجال، والموسيقي موليرتينسكي. كان فولوشينوف وميدفيديف مريدين مخلصين لباختين، صاحباه وساعداه، وعملا على نشر أفكاره، وليست إعارة الاسم إلا رمزاً لتجاوز صعوبات النشر. يقول تودوروف: "لقد كان من السهل بالنسبة لباختين أن يوافق على طلب اثنين من أصدقائه و حوارييه: فولوشينوف، وميدفيديف، أن تظهر أعماله بتوقيعهما، مع الموافقة على ظهور جميع التغييرات التي أحدثاها في هذه الأعمال .. فإذا أخذنا بالاعتبار الطبيعة الاجتماعية والحوارية الأصيلة لكل كلمة وكل خطاب، تغدو مسألة الأسماء المستعارة ونسبة الخطاب إلى شخص بعينه في مرتبة هامشية. قام بترجمة الكتاب شكير نصرالدين وظهرت طبعته الأولى سنة 2015 عن دار رؤية للنشر والتوزيع –القاهرة

القسم الأول
1-
بالطبع لو لم أولد ذات مساء ، لما كان للعالم الخارجي أو الداخلي من وجود بالنسبة إليّ. وإذا حصرت الكون بين لحظة ولادتي ولحظة موتي أنا كفرد وأصبحتا لحظتين تحددان رؤيتي للعالم ، وصارتا مبتدأ ومنتهى فن العيش لدي وطمحتا لأن تصيرا أحداث تاريخية ، آنئذٍ يمكن أن يقال إن حياتي كانت فارغة بلا جدوى.
عندما تصل طبقة اجتماعية إلى مرحلة انحلالها ، ويكون عليها ترك المشهد التاريخي تشرع أيديولوجيتها في تكرار لازمة أن الإنسان هو في البدء حيوان ، ويتم اختزال عبارة أرسطو (الإنسان حيوان اجتماعي) إلى الإنسان حيوان على طريقة (ولا تقربوا الصلاة..). إن اجتماعية الحيوان الإنساني يتم نسيانها بحزم . إن إيديولوجيا الطبقة الآفلة تضع مركز ثقلها في كائن عضوي مجرّد ، وتكون الأحداث الأساسية الثلاث لكل حياة حيوانية من ولادة وحياة جنسية وموت مدعوة لإزاحة التاريخ. فالمناخ الاجتماعي- التاريخي صار عدائياً وبارداً وتم اللجوء إلى دفء الحيوانية العضوي.
ولكي يلج الفرد التاريخ لا يكفي أن يولد كفرد حيواني ، بل عليه أن يولد ولادة ثانية؛ ولادة اجتماعية ، حيث لايولد المرء بوصفه كائناً عضوياً بيولوجياً مجرداً ، بل يولد بوصفه عضو في طبقة (عمال، فلاحين، بورجوازية كبيرة وصغيرة الخ) وفي بلد معين (روسيا، مصر، إيران الخ ) وفي عام محدد 1967، 2008 الخ . وإذاك تبدأ الإيديولوجيا عملها. حتى القضايا البيولوجية الخالصة على وجه التحديد يستحيل حلها برمتها ما لم نأخذ بالاعتبار الوضعية الاجتماعية للكائن العضوي الفرد قيد الدرس.
هذا الكائن العضوي البشري المجرد هو ما تم الإعلاء من شأنه من طرف الفلسفة البورجوازية لنهاية القرن 19 وبداية القرن ال 20 وهي فلسفة انحطاط الطبقة ، حلت محل فلسفة صعود البورجوازية : "الأنا المبدعة" و الفكرة " "والروح المطلق" التي حافظت على ميل للتاريخ والتنظيم البورجوازي ، حلت محلها "فلسفة الحياة" التي تتسم بالسلبية والخرف، وتصطبغ بكل ألوان البيولوجيا . بالنسبة للفلسفة البورجوازية الراهنة ما يهم وما يتمتع بقيمة هو ما يمكن عيشه وفهمه عضوياً، فالواقع الوحيد هو دفق الحياة العضوية. وهنا يتم بذل كل الجهود لضمان أسبقية البيولوجي ، إلى حد أن كل ما لا يقبل التضييق عليه في إطار المعيش البيولوجي ، يتم الحكم عليه بأنه خيال وتجريد جاف، مثلما يظهر ذلك جلياً في النزعة البيولوجية- التاريخية التي صاغها شبينجلر منهجياً. وفيما يخص منهج هذه الفلسفة البورجوازية في مجملها فهي فلسفة ذاتية لأن الكائن العضوي البشري يتم الشعور به وفهمه من الداخل(استبطان) ، أي النزعة الذاتوية للإحساس العضوي الفضفاض.
بالنسبة لهذه الفلسفة البيولوجية الراهنة تمثل الفرويدية freudism بديلاً أصيلاً فيه تعبر بطريقة ربما هي الأوضح والأخصب عن ذلك الميل إلى هجر العالم والتاريخ والاجتماعي من أجل الارتماء في حضن الدفء المغري للاكتفاء العضوي والمعيش اليومي.
2-
قد يعترض البعض بأن الفرويدية ليست فلسفة، بل هي طريقة اختبارية وسريرية محايدة إيديولوجياً . وأن فرويد يؤمن بالنزعة الطبيعية والمادية . وصحيح أن الفرويدية تستند إلى بعض الأمور التي لا يمكن الطعن بها علمياً ، يضاف إلى ذلك بعض الملاحظات الاختبارية القليلة ، لكن هذه النواة الاختبارية والمحايدة إيديولوجياً تم تغليفها بطبقة سميكة من الإيديولوجيا وهو ما ظهر جلياً في كتابي فرويد: "ما وراء مبدأ اللذة"، و"الأنا والهو" الصادرين سنة 1923 . وإذا ما نظرنا إلى الفرويدية بمجموعها سوف تختفي هذه النواة الاختبارية وسط لُجّة من الاطروحات العقائدية المتفلسفة الذاتوية. "فإذا نحن أردنا تكوين فكرة ما عن التحليل النفسي ، علينا بالاطلاع على ما كتبه فرويد . ولكن قراءة ما كتبه لسوء الحظ ، تترك في النفس انطباعاً مضطرباً ، ومخيباً للظن. وذلك أن في كتب فرويد شائبتين خطيرتين. أما في المقام الأول فإن طبيب فيينا النفسي لا يفصل بوضوح طريقته(الاختبارية) عن عقيدته ، وينشأ عن هذا العيب خلط بين النظريات العلمية والتركيبات الميتافيزيقية. والأسوأ أن هذه الأخيرة تُعرض هي والوقائع على مستوى واحد" وفي المقام الثاني فإن فرويد عاجز عن عرض أفكاره على صورة مقنعة . إنّه لا يعرف كيف يقود قارئه من المعلوم إلى المجهول .. إن التحليل النفسي قبل كل شيء طريقة ، وهو بعد ذلك مجموعة من النتائج التجريبية. وعلى ذلك فإنه قد يبدو لنا أنه كان على فرويد وتلامذته أن يعنوا بألا يعرضوا إلا امثلة لتأويلات تفرض نفسها ، أو كبيرة الاحتمال ، على اقل تقدير. ولكن لم يكن هناك شيء من هذا النوع ، فلقد تصرّف وتلاميذه كما لو انهم لا يملكون، بأية درجة، حس البرهان . فهاهنا يقوم الضعف الكبير في التحليل النفسي"
وانتشار الفرويدية وذيوعها لا يعود إلى نواتها الاختبارية بل يعود إلى إيديولوجيتها الذاتوية في عصر انحطاط الطبقة البورجوازية. إن ما تبشّر به هذه الإيديولوجية هو اكتشاف عالم جديد ، قارّة عذراء حقيقية في مكان يتجاوز ما هو اجتماعي -تاريخي ، وحتى ما هو مادي ، قارة تقع خارج الفضاء وخارج الزمن ، حيث لا تناقضات ولا تحريمات ، منطقة إباحة كاملة ، وهذه القارة أو العالم الجديد هو اللاشعور الفرويدي.
إننا نعرف اللاشعور جيداً مرة في سياق الفلسفة الذاتوية عند هارتمان ومرة في سياق علمي سريري عند شاركو ومدرسة جانيت. ومع أن اللاشعور عند فرويد نهل في البدء من شاركو واقترب في نهاية المطاف من روح هارتمان ، فهذا لا يمنع من أن يكون مفهوم اللاشعور عند فرويد أصيلاً ويمثل عصر البورجوازية المنحطة أحسن تمثيل.
ومع أن فرويد عمل في المرحلة الأولى مع بروير وهذا الأخير كان ما يزال منشغلاً بتقديم تبرير فزيولوجي لمنهجه ، كان فرويد يتخلى عندها عن الفزيولوجيا. ويسم اللاشعور بطابع نفسي خالص. إن معرفة محتوى اللاشعور تبدأ بالشعور وتمر عبره. بمعنى آخر لا يمكن معرفة اللاشعور إلا عبر ترجمة شعورية. ومن وجهة نظر الدينامية النفسية يعرف فرويد اللاشعور بانه ما هو مكبوت أي ما هو غير مقبول وممنوع ظهوره إلى ثقافة وعينا ، أي ما لا نقبله أو نتحمّله في اعتقاداتنا وإيديولوجيتنا .
يقسم فرويد التهيجات الحركية التي تسمى تمثيلاتها النفسية بالغرائز إلى نوعين: غرائز جنسية وغرائز الأنا ، الأولى تخص النوع والثانية تخص الفرد . و اللاشعور بالنسبة لفرويد هو حشد من هذه التهييجات الحركية النفسية. يمكن اعتبار ما قدمه فرويد لعلم الجنس بمثابة اسهامه الأكبر ، مع الأخذ بالاعتبار المبالغة المخيفة لدوره في مجال الثقافة (الحضارة ) بحيث يتم التحول من علم الجنس إلى إيديولوجيا جنسية. ويلخص فرويد محتوى اللاشعور بالقول أن ما هو أساسي وعميق في لا شعورنا يصدر عن غرائز طفولية ، وعن غرائز طفولية ذات طابع جنسي. أما غرائز الأنا فإن فرويد لا يدرسها تماماً ، ويبدو اسهامها في اللاشعور الفرويدي ضئيلاً على الاطلاق، والوحيدة التي يذكرها هي الغرائز العدوانية. كل شيء مباح بالنسبة للجهاز النفسي الطفولي ولا يتمنى لأعدائه اقل من الموت. والموت عند الطفل يعني طرد المنافس وتغييبه . يمكننا تعريف النسق اللاشعوري بإيجاز بحيث يدخل فيه كل ما استطاع كياننا العضوي فعله انطلاقاً من اللحظة التي يعمل فيها مبدأ اللذة وينفرد بتنظيمه في ظل غياب مبدا الواقع وموانعه ، حيث يكون مبدأ اللذة الذي يعمل وفق مبدأ "كل شيء مباح" ، متحرراً من "مبدأ الواقع" والثقافة، وحيث كان يمكنه إظهار استقلاله الذاتي العضوي الأول.
3-
لكي نصل إلى محتوى اللاشعور علينا المرور بالشعور ، ولابد من تحليل تأويلي لبعض التشكيلات الخاصة بالشعور ، تلك التي خضعت لتسويات متفاوتة الشدة عند مرورها عبر الرقابة الشعورية وشبه الشعورية(ما قبل الشعورية). "والرقابة تدل على مجموعة الأفكار والذكريات والعواطف التي تمارس على مجموعات أخرى من الأفكار تأثيراً زجرياً أو كاسحاً" ، وهذا يشبه تماماً عمل إيديولوجية مسيطرة وطريقة قمعها للعقائد المناهضة لها والمختلفة عنها.
حتى نصل إلى محتويات اللاشعور علينا إجراء ترجمة شعورية لمحتوياته ، وعلينا القيام بجهد تأويلي . إن تشكيلات التسوية يقسمها فرويد إلى مجموعتين : واحدة مرضية وأخرى عادية سليمة كالأحلام والميثولوجيات وإبداعات الفن والثقافة من فلسفة ودين وسياسة وإيديولوجيات . والدراسة الأهم عند فرويد هي دراسة الأحلام التي قام بتحليل صورها بواسطة مناهج أضحت كلاسيكية بالنسبة لكل من يريد دراسة تشكيلات التسوية. وللحلم عند فرويد باطن وظاهر الحلم وهو شكل التسوية التي وصلت شعورنا. ولتحليل الحلم لابد من إجراء تداعي حر وتغلُّب على عقبات الشرعية لدينا وإلى جهد تأويلي تفك شيفرة الصور المتنكرة الظاهرة. إن فكرة فرويد القائلة إن مجرد وجود مقاومة يفضح بكل تأكيد وجود غريزة مكبوتة تحمل الإشكال الأكبر في فهم فرويد لمحتوى اللاشعور واختزاله بشكل مؤسف. المشكل ليس في وجود المقاومة ولا في وجود أشكال تسوية بشكل متنوع وهائل، ولا وجود رغبات يسعى الحلم لتحقيقها نفسياً ، لكن المشكل في هو في اختزال هذه المحتويات اللاشعورية إلى غرائز إيروسية عموماً طفولية مكبوتة في الغالب دون النظر إلى حقل التناقضات والصراعات العقائدية والإيديولوجية. وفرويد عبر عمل الحلم في التحويل والنقل والتكثيف والدمج والتحوير والصور الوسيطة والمدمجة يجعل من قوانين تشكيل الأحلام شبيه بما هو حاصل في الميثولوجيات وأعمال الفن. إذ يمكن تمثيل الميثولوجيا على انها حلم جماعي. ويعالج فرويد أنماط أخرى من أشكال التسوية حين يهتم بالأحداث المرضية النفسية وقد حقق في هذا المجال نتائج ملموسة أكثر استحساناً. لكن هذا النجاح العلاجي ليس هو سر شيوع التحليل النفساني ضمن جمهور عريض لا يستطيع التمييز بين العصاب والذهان (بين المرض النفسي والمرض العقلي)، إن سر شيوع التحليل النفسي هو خروجه من إطار الطب العقلي – النفسي وتجاوزه إلى مجال الإيديولوجيا. إن كل ما هو إيديولوجي حسب فرويد ينطلق من الجذور النفسية – البيولوجية ذاتها . إن شكله ومحتواه وتشكيلته تختزل فيه كلية وكل واحد من مكوناته يخضع لتحديد بيولوجي – سيكولوجي صارم. إنه نتاج لتسوية بين قوى تتصارع داخل الكائن العضوي ذاته ، وذلك يدل انها وصلت إلى توازن أو أن الغلبة كانت لواحدة على الأخرى. مثلما يبرز ذلك العارض العصابي أو الفكرة الهذيانية التي يؤكد بصددها فرويد التماثل التام مع التشكيلات الإيديولوجية التي تظهر إما أن اللاشعور وقد انتصر او ان الصراع قد تطور بشكل خطير. وهذا منهج سلكه فرويد ذاته في دراسته الظواهر الدينية والاجتماعية . والآن علينا إجراء تقييم نقدي لمناهج وأسس الفرويدية كما ظهرت في مؤلفات فرويد ومؤلفات تلامذته.
4-
تجعل الفرويدية من تصنيف عتيق للظواهر الذهنية مأخوذ من "تيتين" عقيدة تلك التي فرضها كانط ، هذا التصنيف الذي يميز بين الإرادة (من رغبات وميولات ) والمشاعر (من انفعالات وعواطف ) والمعرفة من (أحاسيس وتمثيلات وأفكار ). وهي تتشبث بالمقولات التي كانت متداولة في سيكولوجيا زمانها مثل مقولة الرغبة حيث تعتبر الحلم انجازاً لرغبة ، مثلما يتحدث التحليل النفسي عن تمثيلات وأحاسيس ومشاعر وانفعالات جاعلاً منها عناصر قارّة لا تختزل الواحدة إلى الأخرى ولا ترجع. وتذهب وثوقية فرويد إلى نقل كل هذه العناصر النفسية في فهمها العادي إلى لاشعور يبرزه لنا مؤلفاً من تمثيلات (ذكريات منسوخة من الأحاسيس)، انفعالات وعواطف ورغبات . وهذا يعني منحه بنية مشابهة لبنية الشعور وبأدق التفاصيل. يتعلق الأمر هنا باحتدام الصراع بين قوتين لهما العناصر نفسها ، وإن ما يميزهما عن "الشعور المضاعف" لدى شاركو هو ديناميتهما فقط.
من وجهة النظر الأولية يمكن تحديد اللاشعور بانه شعور ثان(إذا غض النظر عن المحتويات). هنا يقترب التحليل النفسي من السيكولوجيا الذاتوية سواء المنتمية لبداية القرن العشرين أو الاقدم بما يخص فكرة "الحياة الذهنية". لقد استعار منها فرويد كل شيء وأضاف "بهارات" الدينامية ، بيد أن تلك مقولات وضعتها السيكولوجيا الذاتوية وهي تعتمد على التماهي بين الجهاز النفسي والشعور . وظهر أن مقولاتها انطبقت على اللاشعور.
اللاشعور الذي يأخذ عند فرويد أشكال وصور وتمثيلات ليس سوى مجرد فعالية أو قوة-طاقة نفسية أو جسدية ، فور ولوجه الشعور يأخذ شكل ومحتوى محددين في استبطان الذات الفاعلة. وقد قدم اللاشعور من أجل تفسير مجمل الظواهر النفسية التي عمل فرويد وتلامذته على ملاحظتها بحق في سلوكنا . لكن فيما يتوافق ذلك الشيء الفعال الموافق للاشعور الفرويدي أو الهو (الكا) ؟ إن اعتراضنا على مفهوم اللاشعور الفرويدي في محتواه وصراعه العتيد مع الشعور لا يعني مطابقة الجهاز النفسي مع الشعور كما في السيكولوجيا القديمة.
دعونا نعود إلى اللاشعور الفرويدي والوقوف عند ملامح هذه القضية والتي يزكي طابعها الغريب على التخصيص فكرتنا القائلة بان هناك إسقاط هائل لجهاز نفسي شعوري ولتأويله من طرف المحلِل والمحلّل على ما يدعى باللاشعور الذي هو جسدي في حقيقة الأمر.
لا غرابة في أن الرقابة الفرويدية هي أكثر شعوراً من شعور المريض ، لأنها تتعزز بشعور المحلل النفسي؛ إذاً هي شعور معزز. يمكننا القول أن المريض والمعالج التحليلنفسي يكتفيان بتوحيد مجهوداتهما كي يسقطا على عقدة لاشعورية( أبوية أو امومية ) التي يفرضها عليهما العلاج ، والتعقيد الشديد لهذا العلاج يجبرهما على الاكتفاء ببعض المظاهر أو بالخطوط العريضة لهذه العلاقات . هكذا تظهر آلية النقل الفرويدية (نقل الانفعال العاطفي من الشخص الرئيس إلى آخر) كاستعارة تحيط بمجمل تعقيد هذه العلاقة . هكذا يؤدي تشابه وضعيات المريض والمحلِّل إلى ظهور استعارة النقل ، وهو نقل ثنائي الاتجاه.
هكذا فالفرويدية تتمسك بالمنهج العتيق للسيكولوجيا الذاتوية : الاستبطان وتأويله ،(بكل أحكامه القَبْلية، وهي عند العصابيين ناجمة عن الشعور بالذنب). الجديد في الفرويدية هو التصور الاستعاري الهائل لدينامية ذهنية تختفي وراءها عموماً دينامية مادية لظواهر جسدية (حاجات غريزية محددة اجتماعياً) والتي تستلزم دراسة علمية . لكن كي يقدم لنا فرويد هذه الديناميات الجسدية وتمثيلاتها المستبطنة ، يستخدم اللغة العتيقة للشعور الذاتوي.
5-
كيف ينظر فرويد إلى العوامل المادية الموضوعية التي تحدد الذاتية (التمثيل النفسي ) ، هل هي عوامل جسدية- بيولوجية أم اجتماعية؟
يرى البعض أن فرويد مادي النزعة ، وهذا القول قائم على سوء فهم تام . ففيما هو جسدي ، لا يهتم فرويد أبداً بالبنية الموضوعية المحض و لا بالظواهر المادية ، وإنما فقط بالدلالة الذاتية (النفسية ) التي يضطلع بها هذا الجسدي بالنسبة للجهاز النفسي. في استقلال تام عن الواقع الذي قد يتمتع به الجسدي خارج تلك النفس (ذات الفرد) ، وباستقلال عن المناهج الموضوعية لعلوم الطبيعة . فعلى سبيل المثال لا تنشغل الفرويدية على مستوى المناطق الشهوية المنحرفة عن أعضاء التناسل (الفم والشرج) – بتقديم فزيولوجيا هذه المناطق ، ولا تركز في إطار تقسيم النشاط العلمي على نظرية فيزيولوجية مضبوطة لهذه المناطق ، كما لا تعتني بطبيعتها الكيميائية والعصبية. وذلك لأن الفرويدية لا تهتم إلا بمعادلها النفسي (الذاتي بالضرورة) والمكان الذي تتخذه في الليبدو بالمعنى الفرويدي للكلمة (الشهوة الجنسية).
إن عمل فرويد هذا القائم على نسف أرضية الشعور الذاتي ، يشبه عمل هيغل في نسف أرضية الدولة البيروقراطية البروسية والتي هي المجتمع المدني ، ومن حيث ان هذه الدولة بكل استيلائها على المجتمع ليست سوى تنظيم هذا المجتمع كدولة في الداخل وتمظهره كأمة في الخارج. يكتب ماركس: "إن المجتمع المدني يشتمل على مجمل علاقات الأفراد المادية ضمن مرحلة معينة لتطور القوى الإنتاجية . إنه يشتمل على مجمل الحياة التجارية والصناعية لمرحلة معينة أيضاً، إنه يؤكد نفسه في علاقاته الخارجية بوصفه قومية (أمة) ، وينظم ذاته في الداخل بوصفه دولة . إن عبارة "المجتمع المدني " BurgerlicheGesellschaft قد برزت في القرن الثامن عشر ، حين كانت علاقات االملكية قد تخلصت من المجتمع الجماعي القديم والوسيطي . وأن المجتمع المدني بصفته هذه لا يتطور إلا مع البورجوازية. ومهما يكون الأمر ، فإن التنظيم الاجتماعي المترتب بصورة مباشرة على الإنتاج والتجارة ، هذا التنظيم الذي يشكل في جميع العصور أساس الدولة وبقية البنية الفوقية المثالية، قد سمي على الدوام بالاسم نفسه" وهكذا بدل أن يرى فرويد في أعصبة بعض الأفراد ردود فعل مشوّهة وتهرب من بيئة اجتماعية محددة في سبيل تحقيق رغباته وغرائزه الجسدية ، نراه يقنعه بضرورة التصالح مع هذه البيئة التي شوهته. هذه الطريقة التبريرية لواقع بورجوازي بعينه تتناسى كلياً الطابع الاجتماعي التاريخي لشكل إشباع الغرائز ومنها الجنسية. وبدل الحديث عن دور الأعضاء التناسلية في جهازنا العضوي المادي ، كما تصفه اللغة الموضوعية لدى عالم الفيزيولوجيا أو عالم البيولوجيا (اللذان يأخذان باعتبارهما العامل الاجتماعي أو البيئة الاجتماعية- الاقتصادية) يكتفي فرويد بإبراز معادلاتهما النفسية في الذاتية ، انطلاقا من الذات ، أي باستعمال لغة السيكولوجيا الذاتوية. هكذا يمكننا القول أن ما هو مادي لاوجود له بالنسبة لفرويد إلا في حدود ترجمته إلى ما هو نفسي ، أي في حدود كونه عاملاً من عوامل هذا الجهاز النفسي. إن الواقع بالنسبة للفرويدية ليس موجوداً إلا كواقع نفسي عند بعض العصابيين، وكونها نظرية تبريرية فهي تحرم المريض من الشفاء الحقيقي بمعرفة حقيقة الشرط الاجتماعي التاريخي الذي قاده إلى المرض ، وشوّه انطباعه النفسي. هكذا يزعم أوتو رانك وجروديك أن عالم فرويد ليس بالنفسي ولا بالمادي وإنما هو شيء آخر وأن ميزة هذا الأخير (الصهارة) تتجلى في اكتشافه لمجال تشكيلات لم يتم فيها بعد تمييز الفيزيقي والنفسي ولا تمتعهما بالاستقلالية والخصوصية ، وهذه الميزة في اعتقادهم تتميز بها الغرائز الفرويدية (غرائز العصابيين) لكن ماذا عن غرائز غير العصابيين وهم الأغلبية من الأفراد. إن ما يشد فرويد لتعميم هذه الصهارة على عموم الجنسية هو النزعة الروحانية في شكلها البيولوجي الحديث ، وهو تيار نجد له في الوقت الراهن ممثلاً آخر في شخص درييش. وهي تقدم تمثيلاً نفسياً لنكوص المجتمع البورجوازي إلى ما قبل تكوينه ، إلى حضيضه ومحيطه البدئي حيث يتم رتق ما تم فتقه لحظة خلق المجتمع البورجوازي وتكونه إذا استخدمنا المصطلح الديني الصوفي(وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) هذه الصهارة في فهم الغرائز ، جبلة ما قبل الفيزيقي والنفسي ، هي كناية هذا النكوص وتمثيل نفسي له. وحتى يعطي فرويد للتحليل النفسي طابعاً مادي يستعير عبارات من حقل البيولوجيا ليشبر إلى ان التحليل النفسي بماهيته إن هو إلا بيولوجيا الجهاز النفسي أو بيولوجيا النفس.
إن هذه الاستعارة تعمل على مبدأ الصهارة (ما قبل الفتق) حيث يجد البيولوجي ومعه الفيزيقي نفسه مغموراً بذاتية تخترقه من كل النواحي إلى حد أنها تفقده تماسكه المادي الموضوعي. لقد اختزل فرويد بصفته بيولوجياً موضوعياً على نحو تام الواقع البيولوجي إلى غرائز هي صهارة جسدي- نفسي (يمثله مبدأ اللذة) والواقع الاجتماعي (السوسيولوجي) إلى مبدأ "الأنا" مجرد مبدأ نفسي للواقع الاجتماعي- الاقتصادي التاريخي. فالأشكال السياسية والاقتصادية تصدر عن الآليات النفسية ذاتها التي نعرفها مسبقاً: نقل الليبيدو إلى زعيم القبيلة ، استلاب الأنا المثالي المشبّه بالقائد ، اختزال الرأسمالية إلى إيروسية شرجية (أي تم تثبيت ليبيدو الرأسمالية عند المرحلة الشرجية- تسامي تراكم الغائط وتراكم الذهب ). إننا نرى في كل مكان من العقيدة الفرويدية اشتغال النزوع الإيديولوجي ذاته إلى صهر الضرورة المادية الخارجية في الجهاز النفسي وإلى معارضة التاريخ بكائن عضوي بيولوجي مُنَفْسَن بصفته عالم مصغّر غير اجتماعي مكتفي بذاته.
في نهاية المطاف يمكن تعريف اللاشعور الفرويدي كصورة نحصل عليها حين نعمل داخل النفس على إسقاط –في شكل ممسرح ومحمّل بالوجدان – الضرورة الفيزيقية والاجتماعية- الاقتصادية المعبر عنها لهذا الغرض بألفاظ الشعور الذاتي الأصلية. ومناهج فرويد ليست أكثر من إجراءات لهذا التعبير الأصيل والذي يستعير أكبر قدر من معجمه من السيكولوجيا الذاتوية العتيقة.
6-
لكن كيف وصل فرويد إلى هذا النوع من الاسقاط؟
إن مثل هذا الاسقاط الهائل يجد تفسيره في حدث ملموس فرض تكراره اليومي ، في نهاية المطاف على فرويد عاداته الفكرية بل حتى إيديولوجيته الناجمة عن انفعال العصابي وفرويد بالعصر ذاته.
إننا نقصد بذلك العلاقات المركبة التي تنسج بين الطبيب النفساني وبين المريض العصابي، إنه عالم اجتماعي مصغر يتميز بصراعه الخاص ، فيه يسعى المريض جاهداً لأن يخفي عن الطبيب بعض مظاهر حياته ، ولأن يخدعه ويتشبث بأعراضه. إنه حدث اجتماعي مصغر شديد التعقيد حيث إن القاعدة الاجتماعية الاقتصادية والفيزيولوجيا وأيديولوجيا البورجوازية (أخلاقياً وجمالياً) تتضافر جميعها لتحدد علاقات ملموسة بصفة شاملة . بيد أن الطبيب يرد على هذه الوضعية بصفة الممارس ، الذي يبحث عن استكناه القوى الحقيقية التي تتحكم فيها ويتعلم ضبطها دون التمكن من ادماجها بكل تعقيدها في نظرية علمية مدمجة . ففيزيولوجيا الأعصبة وسوسيولوجيتها لم تكن قد درست في عهد فرويد. هنا تأتي الاستعارة لتعوض هذا النقص الصارخ في نتاجات العلوم المطلوبة؛ تعوضه الاستعارة باعتبارها تشخيصاً دراميا (التراجيديا اليونانية) لخدمة توجه عملي علاجي ، وهو ذاتي ونسبي مثل كل تشخيص ، وهذا لا يقلل في شيء من أهميته. اعتقد أن هذه الاستعارات لها صلاحية حتى بعد نزول نتائج العلوم إلى التداول كون علاقة الاحلام باللغة والميثولوجية علاقة أساسية. إن الحرب الفرويدية في مرحلتها الأولية لا تقوم سوى بترجمة المعركة التي يخوضها الطبيب ضد الهستيري في شكل استعاري درامي ومرصّع ببعض المصطلحات العلمية وتتوج المعركة بانتصار الطبيب المارس أو يتم وقف المعركة بانسحاب احد الطرفين. لكن يمكن القول أنه إذا كان هناك علم يكثر فيه الاستخدام المجازي والاستعاري فهو علم النفس ، وهو ما له علاقة باللغة التي لاتمنحنا من أجل ترجمة حالاتنا الداخلية سوى الاستعارات بحيث لا نستطيع قول كلمتين عن الجهاز النفسي دون استعمال استعارتين. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن السيكولوجيا الذاتوية حتى يومنا هذا لاتزال رهينة الاستعارة ، وليس لها حظوظ في التحرر منها على أرضية تشبثها بمنهج ذاتوي . ولهذا لن نستغرب من كون السيكولوجيا استعارية بالأساس. ولقد قام فرويد ببراعة نادرة بتغليف هذه النواة الاستعارية المهنية داخل اصطلاح علمي ، كما قام بتمويهها وإخفائها ، وأن هذا المنهج المجازي يكون مقبول مؤقتاً إذا تم وقفه على هذه التطبيقات المهنية السريرية . لكن حدث أن الاستعارة التي نشأت في عيادة طبيب بورجوازي نمساوي من فيينا توافقت تماماً مع النزعات الإيديولوجية العميقة لبورجوازية منحطة وآفلة ، وأن تلك كانت ولادة سعيدة جاءت في الوقت المناسب وفي المكان المناسب . إلى حد أنها لما كانت بالكاد في طور النمو إذ بها تتخذ أبعاد عقيدة عامة لتأويل العالم .
وبفضل عتمة عيادته (الطبيب في الظلام والمريض في الجانب المضاء) وبفضل نزاله وكل تقلبات الدراما المعيشة لديه صارت جلسة التحليل النفسي رمزاً بل مفتاحاً للدينامية الكونية ومفتاح الدراما الكونية البشرية. إن الحلبة التي بنيت عليها تراجيديا اوريست وتراجيديا أوديب تم اختزالها في أبعاد عيادة طبية من آخر طراز وفيها تتم محاكاة عقدة أوديب. أن العلاقة الخاصة بين فردين (طبيب ومريض) تمنح الفرويدية ترسيمة لكل إنشاءاتها ، كائن عضوي منقسم إلى غرائز الأنا يمثلها الطبيب وغرائز الجنس يمثلها العصابي ؛ إنه جهاز نفسي منقسم إلى شعور ولا شعور يتم جعل القوى المنقسمة منخرطة في نزال إيديولوجي . وتظل التثنية هي النموذج الأصلي لجميع الروابط الاجتماعية. في هذا "الزوج" الذي باعتباره حداً اجتماعياً أدنى يجب البحث عن أحد جذور النزعة الجنسية الكلية الفرويدية. حداً اجتماعياً مخفضاً إلى أقصى حد يسهل عزله وجعله عالماً مصغراً مكتف بنفسه ، يقول لنا يكفي كوخ وقلب كي يكون العاشقان وحدهما في العالم. لكن هذا النزال بين الطبيب والمريض ظالم فـ :
ليس عدلاً
في عيادة التحليل النفسي
أن يكون الطبيب في الظلام
والمريض بمفرده
في الجانب المضاء
إن كل فترات الانحطاط والتفكك تظهر في إيديولوجيتها وحياتها من خلال الأهمية المبالغ فيها التي توليها للجنس ومن خلال فكرتها الضيقة عنه بحيث يتم تجريده من بعده الاجتماعي ثم يتم استبدال الاجتماعي (بالجنسي المنعزل)، إنها استراتيجية التلصص والنكوص. ويصير التمييز الحصري بين الأفراد هو التمييز بين النساء والرجال. ولا يمكن فهم العلاقة الاجتماعية إلا إذا تم صوغها جنسياً. فالأسرة المصاغة جنسياً أصبحت قاعدة الرأسمالية المنحطة، و لم تعد مؤثرة بوصفها واقعا اقتصادي، لقد بات ممكناً تغريب الأسرة جنسياً حسب عبارة الشكلانيين الروس. فهي مصاغة جنسياً بشكل كلي . وما دام العالم الخانق الذي تنشئه الفلسفة البورجوازية بمعزل عن الاجتماعي، نقول إن هذا العالم مدفوع بالضرورة للبحث في الجنسية بمعناها المجرّد عن قاعدته الأكثر أهمية (القاعدة الاجتماعية- الاقتصادية)
إن البيولوجي والفزيولوجي ليسا سوى تجريدات تحتاج إلى إيديولوجيا ملموسة كي تتجسد في التاريخ والواقع الاجتماعي التاريخي . فالمفرط في العمومية(المشترك بين الحيوان والانسان) والمفرط في الخصوصية الفردية هما مالا يتم الحديث عنهما كثيراً، الأول معمول كي يكون ضمنياً والثاني كي لايهتم به أحد ، وبالنتيجة فإن الانشاء الإيديولوجي هو اجتماعي قبل كل شيء.
لكن ماذا يصنع فرويد ، برفضه للمحفّزات الشعورية كتفسيرات شاملة للمحتوى الظاهر للصورة الإيديولوجية ؟ وفي هذا الصدد لا يمكننا إلا موافقته، إنه يبحث له في اللاشعور (في شكل غريزة طفولية ) عن محددة نفسية خالصة تُعرّف بصورة شاملة كل مظاهر هذه الصورة الإيديولوجية . وهذا يؤدي إلى الاستنتاج المذهل الفرويدي بأن الثقافة برمتها وليس الحلم فحسب، تكاد تتغذى حصرياً على الغرائز الطفولية (قاعدة طفولية) وهو بهذا يستبدل القاعدة الاجتماعية – الاقتصادية بقاعدة غريزية طفولية.
لكن لمعرفتنا باللاشعور الفرويدي يمكن القول إن "المحتوى الكامن" لدى فرويد (من رغبات وغرائز طفولية تتحقق في الأحلام والمثولوجيات) ليس سوى الشكل الاستعاري للمجهول (س أو X) تم إنشاؤه تبعاً لنموذج الشعور ، وان هذا المجهول (س) هو الضرورة المادية (الاجتماعية- الاقتصادية، والفيزيولوجية والبيولوجية والسيكولوجية بالمعنى الموضوعي) وهي لكونها غير شعورية (مجهولة من الفرد) لا يعني بتاتاً انها "لاشعورية" بالمعنى الذي يفهمه فرويد. إن منهج التداعي الحر يستهدف إنشاء الاستعارة (استعارة اللاشعور) وإسقاطها على المجهول (س) ، لكن التداعيات ليست مجانية فهي تستدعي تفسيراً موضوعياً يخصص في حالة الحلم حيزاً مهماً للسيكولوجي والبيولوجي – الفيزيولوجي في صورها الإيديولوجية الشعورية أما في حالة صور الميثولوجيا والفن و خاصة ما يتعلق بالاستعارات اللغوية والتلاعب بالألفاظ وما يخص الفلسفة فإن كل ما هو خلّاق سوف يكون من اختصاص التفسير الاجتماعي- التاريخي والتأويل الهرمسيّ. في التفاصيل لابد من إجراء تحليل لكل التشكيلات الاستعارية (العقد ومكوناتها) التي يعج بها اللاشعور الفرويدي.
لا يمكننا إلا أن نشير أخيراً إلى النواة الاستعارية العميقة والنزعات الإيديولوجية الضخمة لعلم النفس ، وإلى كتاب أوتو رانك "صدمة الولادة "(1924) الذي يفجّر على نحو مذهل عبثية الإيديولوجيا الفرويدية.
أخيراً وفي العمق ليس للفلسفة البورجوازية في عصر انحطاط الطبقة سوى فكرة واحدة تكمن في إنشاء عالم يتجاوز الاجتماعي- التاريخي، وفي ان تُجمّع فيه كل ما يقدر التجريد على عزله من الانسان في شموليته وفي إفراد هذه التجريدات ثم تتويج الكل بما اتفق من خيال ، وهذا ما تعمل عليه كل بطريقتها التيارات الثلاثة التي اقتسمت مجموع العالم البورجوازي سواء تعلق الأمر بكونية الفلسفة الأنسية(الأنثروبولوجيا) عند ستينر وبالنزعة البيولوجية عند برغسون و "آلهة صغار" أخرى لفلسفة الحياة وأخيرا بالسيكوبيولوجية عند فرويد.
لكن لماذا كل هذا التجريد والعزل والاختزال ، وكل هذه الاستعارات البيولوجية؟ كل ذلك يهدف إلى جعل الثقافة والتاريخ بكاملهما معادلين للفعل الجنسي ، ووصل الأمر برانك إلى جعل الفعل الجنسي بدوره مجرد معادل لحالة الجنين داخل الرحم (محاولة للعودة إلى الرحم ولو جزئية) ويمكننا دفع الأمر إلى نهايته حيث نتعرف في هذا الأخير معادلاً للعدم .
يكتب ماركس: إن ماهية الإنسان أبعد ما تكون تجريداً خالصاً للفرد ، بل هي بالفعل حصيلة لكل العلاقات الاجتماعية"
القسم الثاني
1-
إن الأمر بالنسبة للفرويدية لا يتعلق بموضة عابرة ومصطنعة مثلما هو الشأن بالنسبة لشبنجلر ، وإنما بتعبير اكثر استمراراً وعمقاً عن سمات مباطنة للواقع البورجوازي الأوربي في عصر انحطاط الطبقة، ولهذا السبب كل من سعى وراء الفهم العميق للوجه الأخلاقي لأوروبا الراهنة لا يمكنه تجاهل التحليل النفسي ، الذي يدل اليوم على عصرنا بشكل مفرط ولا يمكن فصله عنه. ولا شكك في أن نظرية فرويد إذا كانت قد اثرت بقوة في بورجوازيي عصرنا ، فذلك ليس لكونها علماً متخصصاً أو ممارسة ضيقة ، بل لكونها تحمل رسالة أيديولوجية مهيمنة على باقي النسق. وهنا لابد من تسليط الضوء على الرسالة الإيديولوجية للفرويدية والقيام بإصدار حكم تمهيدي عليها. وسوف نرى أن لا جديد في هذه الرسالة وليس فيها ما يدعو للدهشة ، وبأنها ترتبط بالخط العام لكل النزعات الإيديولوجية للفلسفة البورجوازية إبّان الربع الأول من القرن العشرين، والتي تمثل أصدق تعبير لها والأكثر جرأة.
إذن ما هي الرسالة الإيديولوجية للفرويدية ؟
إن مصيرنا والمحتوى الكلي لحياتنا وأعمالنا (الفن، والعلم والسياسة وكل منتجات الثقافة بما في ذلك الفلسفة والدين) كل ذلك يحدد تماماً بواسطة بدائل غريزتنا الجنسية وبها فحسب، أما الباقي فهو ليس سوى تناغمات القدرة ، تناغمات اللحن العميق للغرائز الجنسية.
وعندما يقترح علينا شعورنا حوافز أخرى ، وموارد أخرى لحياتنا وأفعالنا ، فهو يكذب إلى حد أن تطوير الفكرة العميقة عند فرويد تقترن دوماً بنقده للشعور. ومن ثم ما يهم ليس هو ما يخصص لنا مكاناً ودوراً في التاريخ (الانتماء إلى طبقة، إلى أمة إلى عصر) وإنما جنسنا وسننا ؛ وكل ما تبقى ليس سوى بنية فوقية . إن شعورنا لم يعد تابعاً لكينونتنا الاجتماعية- التاريخية ، بل لكينونتنا البيولوجية المحددة أساساً بجنسانيتنا. وهذا معاكس تماماً لما قاله ماركس: "فليس وعي الناس هو الذي يعين وجودهم، بل إن وجودهم الاجتماعي على العكس من ذلك هو ، هو الذي يعين وعيهم" إن العلاقات الاجتماعية- الاقتصادية تشرط حياة الأفراد بما يتجاوز وعيهم الفردي. وهنا يظهر تشابه خادع بين فرويد وماركس في حديثهما عن "اللاشعور " عند الفرد. هذا اللاشعور موجود لدى كليهما لكن محتواه وطبيعته مختلفة جذرياً. جاء في القرآن الكريم بخصوص المنافقين الذين يقولون عن أنفسهم (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ولَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ) وهذه الآيات التي وردت فيها كلمة لا يشعرون: (البقرة: 9-12، الأعراف: 95 ، يوسف:15 – 107 ، النحل: 26- 45 ، المؤمنون: 56 ، الشعراء: 202 ، النمل: 50 ، القصص: 9 -11 ، العنكبوت:53 ، الزُّمر: 25 ، الزخرف: 66 ) ووردت كلمة (لا يعلمون، البقرة:13 ولا يبصرون، البقرة: 17 )؛ (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ)
قال ماركس: "لا نستطيع أن نحكم على فرد من خلال الفكرة التي يكوّنها حول نفسه"
تلكم هي الرسالة الإيديولوجية للفرويدية. في الصيغة العامة ليست جديدة ، لكن الجديد بفضل ما تجنيه من دراسة مكوناتها (الجنس، والعمر أو السن). والحقيقة أن فرويد اكتشف عالماً شديد الغنى والتنوع من حيث السمات والفروق الجديدة لم يسبق لأي عالم أن درسها بعده وذلك بسبب النفاق البشع الذي يظهره العلم الرسمي تجاه كل ما يتعلق بحياتنا الجنسية . لقد وسع فرويد وأغنى بشكل كبير مفهوم الجنسية (الجنسانية) حيث أن التمثلات المتداولة والمقرونة عادة بهذا المفهوم أصبحت تبدو بعده مثل ركن صغير من حيزه الشاسع ، وهذا أيضاً يجعل من كل حكم على التحليل النفسي ضرورة أخذ هذه الحقيقة بالحسبان ، كذلك مثلاً قبل مؤاخذته ، كما جرت العادة، على نزعته الجنسية الكلية ، من الأجدر تذكر المعنى الجديد المضخّم إلى اقصى حد الذي اتخذته عند فرويد كلمة "جنسي" (جنساني) ، وعن لغز أعمار الانسان ومراحل حياته الثلاث التي يلقيها أبو الهول(الفينيق، العنقاء) على أوديب يقدم فرويد إجابة غير مسبوقة وشخصية. أما معرفة إلى أي مدى يوجد ما يدعم هذه الإجابة فهذا سنناقشه لاحقاً. نكتفي الآن بملاحظة أن المكونين الاثنين لرسالة الفرويدية الإيديولوجية (الجنس، والسن) قد تم تشبيههما وإغناؤهما بمحتوى جديد ، وهكذا تم منح صدى جديد لما كان مجرد لازمة قديمة مبتذلة. لازمة قديمة يتم تكرارها في كل فترات الأزمة والانحطاط.
حينما تصل طبقة اجتماعية إلى مرحلة انحلالها ويكون عليها ترك ساحة التاريخ ، فإن أيديولوجيتها تشرع في تكرار بكل النغمات أن الإنسان حيوان في البدء ، وعلى ضوء هذا "الاكتشاف " تنهمك في مراجعة كل قيم العالم والتاريخ . هكذا كان خلال انحطاط المدن- الدويلات اليونانية وانحطاط الإمبراطورية الرومانية وكذلك خلال انهيار نظام الارستقراطية الاقطاعية التي سبقت الثورة الفرنسية 1789
إن فكرة الطبيعة القاهرة والحكيمة (بدءاً بالطبيعة الملازمة للإنسان في غرائزه البيولوجية)المواجهة لعجز التخبط التاريخي ، التاريخي عديم الجدوى والفائدة ، إن هذه الفكرة نعثر عليها بفوارق دقيقة متنوعة وعلى مستويات انفعالية في ظواهر مثل الأبيقورية والرواقية وأدب الانحطاط الروماني ونخص بالذكر كتاب ساتيريكون لصاحبه بيترون أو الحكمة التشاؤمية عن الارستقراطية الفرنسية (ق 17-18) .
فالخشية من التاريخ والتمسك المفرط بكماليات الحياة الخاصة والشخصية ، والأسبقية الممنوحة في الإنسان للبيولوجي والجنسي ، تلكم هي السمات المشتركة بين جميع هذه الظواهر الأيديولوجية. و في نهاية القرن التاسع عشر شهد هذا النوع من المواضيع عودة قوية في الإيديولوجيا الأوربية، وأعادت الفلسفة البورجوازية لبداية القرن العشرين الاعتبار للكائن العضوي البيولوجي المجرد. وترك المكان لفلسفة البيولوجيا (الحياة) التي تتسم بالسلبية والخرف وتصطبغ بألوان البيولوجيا والسيكولوجيا.
ومهما اختلف فلاسفة عصر الانحطاط البورجوازي من قبيل برغسون، سيمّل، جومبرز، النفعيون، ماكس شيلر ، درييش، وشبنجلر، فهناك ثلاث موضوعات تجمع بينهم:
1-كل منهم يمحور نسقه على الحياة في معناها البيولوجي، جاعلاً من الوحدة العضوية المعزولة أسمى قيمة ومعيار لكل فلسفته
2-إنهم يشككون بالشعور ويميلون إلى تبخيس دوره في تشكيل الثقافة، ما يفسر نقدهم للتيار الكانطي بصفته فلسفة للشعور.
3-إنهم يسعون جاهدين إلى استبدال كل المقولات الموضوعية ذات الطابع الاجتماعي- الاقتصادي بمقولات تنتمي للسيكولوجيا الذاتية وللبيولوجيا ، مطمحهم أن فهم التاريخ والثقافة يمكن استخلاصه مباشرة من الطبيعة دون الحاجة لفهم التنظيم الاقتصادي للمجتمع.
إننا نلاحظ أن الإيديولوجية الفرويدية ليست معزولة عن الرسائل العميقة للفلسفة البورجوازية الحديثة، بل تتفق معها: خوف من التاريخ نتعرف عليه بسهولة ، الرغبة في اكتشاف عالم يتجاوز كل واقع اجتماعي- تاريخي ،البحث عن هذا العالم في أعماق ما هو عضوي ، وهذا ما يطغى على كل أنساق الفلسفة الحديثة، ويُظهر انحلال وانحطاط العالم البورجوازي. وإذا كان المكون "الجنساني " الفرويدي يسم ذروة النزعة البيولوجية الرائجة، فذلك لأنه يجمع ويكثف في خلطة دسمة كل ماله علاقة بالنزعة الحديثة المضادة للتاريخية. ولكن الكائن البيولوجي المجرد، الفرد البيولوجي ،مبتدأ ومنتهى الإيديولوجية الحديثة، ليست له أية حقيقة بتاتاً خارج مجتمع ما، وبالتالي خارج ظروف اجتماعية- اقتصادية موضوعية. إن وجود هذا الفرد المنعزل إن هو إلا وهم من وحي الذهن . وبالنظر إلى الفرد باعتباره عضو في مجموعة اجتماعية ، في طبقة وبفضل هذه الطبقة ، بذلك فحسب يتمتع الفرد الإنساني بحقيقة تاريخية وبإنتاجية ثقافية. حتى القضايا البيولوجية المحضة لايمكن حلها كلياً ما لم نأخذ الوضعية الاجتماعية للنظام العضوي الإنساني قيد الدرس، وفي شموليتها ، إذ إن ماهية الإنسان أبعد من أن تكون تجريداً خالصاً للفرد ، بل هي بالفعل حصيلة لكل العلاقات الاجتماعية.
نزعتان اثنتان للسيكولوجية الحديثة هما: النزعة الذاتوية الاستبطانية، والنزعة الموضوعية التي تستبدل في التجريب السيكولوجي "الوقع الداخلي " المستبطن للذات الفاعلة بمعادل لفظي (سواء كان خطاباً داخلياً وخارجياً في الآن نفسه أو داخلياً فحسب) تستطيع الحفاظ على وحدة واستمرارية التجربة المادية الخارجية . وهذا هو تصور التجريب السيكولوجي عند أصحاب النزعة الموضوعية. إن العناصر التي يستعملها نسق ردود الفعل اللفظية المعقد تظل في الأساسي منها ، هي نفسها حين تسر الذات الفاعلة "لنفسها" بهذا الواقع بدل الإفصاح عنه بصوت عال ؛ إذ ما دام يشعر به فذلك يعني أن آلية الخطاب الداخلي "الكامن" جارية فيه (لأننا نفكر ونحس ونريد بواسطة كلمات ، وليس هناك ما نستطيع الشعور به بداخلنا دون اللجوء إلى الخطاب الداخلي ) وهذه الآلية مادية شأنها شأن الخطاب الخارجي . ونلمح هذا الاهتمام بالتلفظ لدى فرويد حيث يشير إلى أن "انتقال التصور من الحالة اللاشعورية إلى ما قبل الشعورية بفضل الاقتران مع الصور الكلامية المقابلة ، ويخص فرويد البقايا السمعية بقيمة غالبة ، بالنسبة إلى سائر الصور الأخرى. والخلاصة أن فرويد يعلل وصول التصورات إلى ما قبل الشعور ، بعلاقتها مع صور الكلمات، ولكنه لا يقدم أي تعليل واضح لوصول الاحساسات والتصورات إلى الشعور.. " وعلى الرغم من وجود بعض الاستثناءات ، هناك مكان على حدة خُصِّص للإدراكات السمعية التي نعرف دورها الممتاز." وإذا أخذنا باعتبارنا الكلمة كمورفيم إيديولوجي نعرف عندها خطورة الصراعات الإيديولوجية في مجتمع ما على الصراعات الفكرية داخل الفرد. "ذلك ان فرويد نفسه يقول: إننا نحاول عبثاً أن نعين مكان الأنا المثالية بنفس الطريقة التي توضع بها الأنا " لأن الأنا الأعلى أو الأنا المثالية المسيطرة لدى الفرد ليست سوى واحدة من إيديولوجيات المجتمع حيث تسود عند فرد وتسود أخرى عند الاخر ، وما النفس الفردية إلا ساحة صراع داخلي لما يتصارع في الخارج أي المجتمع. فالأنا العليا تلعب في الرسومات الفرويدية المعدلة اللاحقة نفس دور الرقابة في الرسومات الأولى. فقد اضطرت هذه الرقابة اللاشعورية فرويد ليقسم اللاشعور إلى لاشعور كابت وهو ما تقوم به الرقابة ولاشعور مكبوت . وهذا الأخير الذي هو الإيديولوجية المهمشة والمبعدة هو ما أساء فرويد فهمه.
لكن هناك مطلب آخر للسيكولوجية الموضوعية الإنسانية لايفكر فيه أصحاب النزعة الموضوعية ويمتثلوا له: وهو أن على السيكولوجيا الإنسانية ان تصاغ اجتماعياً . وبالفعل كيف نفهم السلوك الإنساني إذا لم نتخذ موقعنا من وجهة نظر اجتماعية – اقتصادية موضوعية؟ إن كل الاحداث المؤثرة والمحددة في حياتنا ناتجة عن مثيرات اجتماعية متصلة بظروف محيطنا الاجتماعي الاقتصادي .وليس المكون المادي للمثير ولا المكون الفيزيولوجي لرد الفعل هما اللذان يسمحان لوحدهما بفهم شيء ذي بال عن الفعل الإنساني. ولننظر مثلاً لردود الفعل اللفظية التي تلعب دوراً كبيراً جداً في سلوكنا (ما دام كل فعل من افعالنا الشعورية يرافقه خطاب داخلي ) والتي رأينا أنها تبقى عصية على مناهج البحث الفيزيولوجي المحض ، لأتها تشكل من جهازنا العضوي تجلياً اجتماعياً خاصاً. وبالنظر إلى انعدام إمكانية قيام ردود فعل لفظية إلا في ظروف بيئة اجتماعية فمن الواضح أن السيكولوجيا لا يمكنها الاستغناء عن المناهج الاجتماعية الموضوعية.
هناك مجازفة كبيرة بالنسبة لسيكولوجيا موضوعية بالوقوع في نزعة مادية ميكانيكية ساذجة. وتقل درجة ذلك كثيراً في علوم الطبيعة التي تدرس العالم غير العضوي . لكن في البيولوجيا يصير الخطر جدياً، وفي السيكولوجيا قد تكون لهذه المادية الميكانيكية الفظّة عواقب مميتة في حقيقة الأمر. بيد اننا نلاحظ أن السلوكيين الأمريكان ومنظري الفعل المنعكس الروس ينزلقون بهذا الشكل نحو مادية تبسيطية تجعلهم يفرطون في اختزال اهداف السيكولوجية الموضوعية. وفي اليوم الذي يكون على السيكولوجية الموضوعية أن تتخذ بوضوح موقعها من كل المشاكل المعقدة والخطيرة للغاية التي يطرحها التحليل النفسي ، سنكتشف حينها أن الأفكار التي أمكن للنزعة الفيزيولوجية التبسيطية إصدارها عن السلوك الإنساني هي أفكار فقيرة واختزالية (وإرجاعيه) ، عندها سوف تفرض ضرورة قيام سيكولوجيا جدلية واجتماعية نفسها كأمر بديهي . لأن التحليل النقدي لنظرية فرويد السيكولوجية سيقودنا بالتحديد إلى وضع مشكل ردود الفعل اللفظية والأهمية التي تضطلع بها بالنسبة لمجموع السلوك الإنساني ، أي إلى اخطر وأصعب مشكل من بين مشاكل السيكولوجيا الإنسانية.
وسوف نرى حينها أن كل الظواهر والصراعات الذهنية التي سلط عليها التحليل النفسي الأضواء ليست في حقيقة الأمر سوى علاقات معقدة وصراعات بين ردود فعل لفظية وغير لفظية. سوف نرى أن "المنطقة اللفظية" أي المصاغ لفظياً في السلوك الإنساني هي بذاتها مسرح لصراعات خطيرة بين خطاب داخلي وخطاب خارجي ، وكذا بين مختلف طبقات الخطاب الداخلي. وسوف نرى ان بعض ميادين الحياة (الميدان الجنسي مثلاً) تتميز على الخصوص بتشكيل صعب وبطيء للعلاقات اللفظية (وهو ربط لردود فعل بصرية، حركية وغيرها تعمل اثناء التبادل القائم بين الأفراد الذي يتحكم في تشكيل ردود الفعل اللفظية ). جملة الوقائع التي يجمعها فرويد في عبارة الصراعات بين الشعور واللاشعور. وفرويد نفسه لا يعرف "شعوراً " محدداً بصفته غير لفظي.
تتجلى ميزة فرويد في أنه وضع هذه المشاكل بكل حدتها وبجمعه الظواهر الضرورية لدراستها ، أما عيبه فقد تجلى في عدم إدراكه أن كل هذه المشاكل هي اجتماعية بالأساس ، وفي كونه أراد اقحامها قسراً في الإطار الضيق لجهاز عضوي ضيق فردي حامل لنفسيته ، وإجمالاً في تفسير ميكانزمات اجتماعية أساساً بواسطة سيكولوجية فردية. إنه تبخيس للسيسيولوجيا يقترن بعيب آخر ملازم لفرويد ، أي الطابع الذاتي لمنهجه ، وهو طابع في حقيقة الأمر متنكر إلى حد ما ، وبدل أن يظل وفياً على طول خط التجربة الموضوعية الخارجية نجده يفسر صراعات السلوك الإنساني من الداخل أي مثلما يقوم به الاستبطان. وهذا يقوده إلى أن يقدم تفسيراً للأفعال والظواهر الملاحظة تفسيراً غير مقبول.
إن مشكل ردود الفعل اللفظية هو على صلة بمشكل ثان دقيق بدوره نصادفه أثناء فحصنا النقدي للفرويدية ، وهذا الأخير يتصل بمحتوى الجهاز النفسي (محتوى قوامه من أفكار وأحلام ورغبات) ومحتوى الجهاز النفسي هذا إيديولوجي بالكامل ، والذي في انتقاله من الفكرة المبهمة والرغبة الغامضة إلى النسق الفلسفي وتعقد المؤسسة السياسية (من الوعي القائم إلى الوعي الممكن) يقدم لنا سلسلة من الظواهر الإيديولوجية ، وبالتالي الاجتماعية دون أن ينجم أي طرف في هذه السلسلة من البداية إلى النهاية عن ابداع عضوي فردي محض. بيد أن فرويد في تناسيه أن الفكرة الأشد إبهاماً والتي لم يتم التعبير عنها شأن الحركة الفلسفية الأشد تعقيداً يستدعيان بدورهما تواصلاً منظماً بين الأفراد (في أشكال ودرجات مختلفة) . يدعي فرويد ربط كل أطراف السلسلة الإيديولوجية بالعناصر الأولى للجهاز النفسي الفردي كما لو كان يشتغل على بيئة اجتماعية فارغة. إن المظهر السيكولوجي للفرويدية باعتباره مجالاً للمختص يرتبط بالطابع العام لإيديولوجيا الطبقة (البورجوازية المنحطة تاريخياً) التي تعبر بوضوح عن نفسها في رسالته الفلسفية. إن استقرائية المباحث المختصة السيكولوجية إيديولوجياً أمر مخادع نظراً للاستحالة المنطقية والاجتماعية في آن معاً. أضف إلى ذلك أن من يسقط من حسابه استخلاص النتائج النهائية لنظرية علمية هو من لا ينتبه بصلتها الضرورية بالقضايا الكبرى للإيديولوجيا ، فالحق عيني كما يقول هيغل أي أن نتائج العلم لابد أن تكون في صالح جماعة اجتماعية مقابل أخرى متضررة من هذا الكشف للحقيقة. ومسرحية ابسن عدو الشعب تشرح ذلك. إن علاقة التحليل النفسي بإيديولوجيا الطبقة البورجوازية المنحطة دون وعي مؤسسها بأنه منظر حال الانحطاط يعني عدم قدرة الوعي الفردي على الإحاطة بكامل الشرط المحيط به، ما يترك دائماً جانباً من وعي الفرد في الظلام. أي خارج مخروط الضوء. إن الفكر الإنساني لا يكتفي ابداً بعكس واقع الموضوع الذي يسعى إلى معرفته ، إنه يعكس دوماً واقع الذات العارفة ، واقعها الاجتماعي المعروف.
منذ عمله مع بروير وعلى عكس هذا الأخير الذي يحاول تقديم تبرير فيزيولوجي لمنهجه، فإن فرويد لا يصوغ أية نظرية فيزيولوجية للاشعور ، بل لا يهتم بفعل ذلك. منذ الوهلة الأولى يدير ظهره للفيزيولوجيا. وهذه الخاصية الأولى للفرويدية، والخاصية الثانية هي أن محصلات اللاشعور لاتصلنا إلا من خلال لغة الشعور. وهذا الأخير هو المعبر الوحيد إلى اللاشعور.
علاوة على ذلك علينا تذكر الأهمية القصوى التي يوليها المنهج التطهيري لرد الفعل اللفظي، وهذه خاصية يؤكد عليها فرويد نفسه حينما يقارن منهجه في علاج الهستيريا بالاعتراف الكاثوليكي. حيث يبوح الشخص المؤمن الذي يحس بالذنب للقس عن أفعال وأقوال ارتكبها من وراء حجاب ، ويشعر بعدها أنه طاهراً ومرتاحاً . وخارج هذه الظروف لا يستطيع البوح لأي كان ، مما يعني منح شكل لفظي ومخرج لفظي لما يثقل على نفسيته. وكذا تظهر القدرة التطهيرية للغة. وهذه القدرة التطهيرية للفعل اللفظي هو ما حدا بفرويد للتخلي عن التنويم المغناطيسي كأسلوب تطهير والانتقال إلى التداعي الحر.
لكن للاعتراف الكاثوليكي ميزة
على جلسة التحليل النفسي:
إن كرسي الاعتراف الكاثوليكي
أكثر إنصافاً من سرير المحلل النفساني
ففي الأول
يتكلم المعترف من وراء حجاب
وفي الثاني
يتسربل المحلل النفساني بالظلام
في المرحلة الأولى من تطور مفهوم اللاشعور في الفرويدية كان هذا اللاشعور حادثة عرضية طارئة (مرضية) في جهازنا النفسي ، وحالة فردية تختلف من فرد لآخر ، وكان الصراع بين القوى النفسية يمثل استثناء، ويظل محتوى اللاشعور غريباً بالكامل ويبدو أنه ناتج بدوره عن الصدفة ما دام مرهوناً بالطابع الفردي ، ولم يكن قد تم التأكيد على الأهمية الاستثنائية للعامل الجنسي .
المرحلة الثانية تجعل من اللاشعور مكوناً ضرورياً وأساسياً في الجهاز النفسي لكل واحد منا، ويصير دينامياً، ويغدو الصراع بين الشعور واللاشعور قانوناً ثابتاً للحياة النفسية ، ويتحول اللاشعور إلى منبع خصب للقوى والطاقات النفسية التي تغذي مختلف مجالات الثقافة والفن. ولكن ما أن يتطور هذا اللاشعور حتى يصبح سبباً لجميع الأمراض النفسية. وإذا أخذنا بنظرية فرويد الجديدة في اللاشعور ، يغدو هذا الأخير سيرورة مشروعة ترافق حياتنا منذ بدايتها وهذا ما يطلق عليه الكبت. وهو أحد المفاهيم الأساسية للتحليل النفسي. في هذه المرحلة تترك الأحداث الطارئة والفردية المكان لأنواع مشتركة بين كل الأفراد ومتجانسة تعرف بالعقد وهي ذات صفة جنسية بصفة عامة يتم كبتها في اللاشعور في أوقات محددة بصرامة.
في هذه المرحلة الثانية من تطور الفرويدية تنظم آلية الكبت حياتنا النفسية برمتها عبر مفهوم الرقابة الوثيق الصلة بالكبت . يتشكل الكبت من خلال الصراع بين مبدأ اللذة الذي يحكم حياتنا الطفولية الأولى حيث كل شيء مباح وبين مبدأ الواقع الذي يحد من مساحة اندفاعه. النفوذ الكلي لمبدأ اللذة يقترن بالقدرة على الاشباع الهجاسي للرغبات ، هذا الاشباع يسمح للطفل بالاستمرار في عدم التفريق بين الواقعي واللاواقعي . بالنسبة إليه كل تمثيل نفسي هو بمثابة واقع مسبق ويستمر هذا طوال حياتنا في الحلم. مع دخول مبدأ الواقع ومنازعته لمبدا اللذة سيكون على كل حدث نفسي أن يبرهن داخلياً مواءمته لكلا المبدأين. كل الأحداث غير القانونية والتي لا توائم الواقع سوف يتم كبتها داخل نسق اللاشعور. وبما أن الكبت يرافق حياتنا فهو يعمل بعيداً عن تدخل الشعور ، فالكبت مرهون بطرف نفسي يسميه فرويد مجازياً بالرقابة وهذه الرقابة تقع عند تخوم الشعور واللاشعور. اللاشعور صامت والشعور ناطق ، وكل مكبوت حتى يتحرر عليه أن ينطق. وطالما لا تستطيع هذه القوة للرغبات التعبير عن نفسها باللغة الداخلية تبقى متربّصة كل الوقت. وبإدراك الطريقة التي يعمل بها الكبت نستطيع تعريف اللاشعور بحسب فرويد انه ما هو مكبوت أما محتوى هذا الشعور حسب فرويد فحديثة في الفقرة اللاحقة.
2-
محتوى اللاشعور الفرويديّ
علينا التساؤل عن طبيعة المشاعر والرغبات والتمثيلات التي سوف تجد نفسها مكبوته في اللاشعور. من أجل معرفة طبيعة هذه المحتويات لابد من معرفة النظرية الفرويدية للغرائز. إن نشاطنا النفسي يستثار فعلاً بتهييجات جهازنا العضوي ، بعضها خارجي وبعضها الآخر باطني ، وهذه الأخيرة لها اصل بدني (جسدي) أي تنشأ داخل جهازنا العضوي ذاته . إن التمثيلات النفسية لهذه التهييجات الحسية الباطنية هي ما يطلق عليه فرويد اسم غرائزنا pulsions ووفق غايتها وأصلها البدني يقسمها فرويد إلى نوعين: الغرائز الجنسية التي تستهدف بقاء النوع ولوعلى حساب الفرد، وغرائز الأنا (الفردية) التي تستهدف الحفاظ على الفرد. الصراعات بينهما متواترة ومتعددة الأشكال لهذا لا يمكن إرجاع إحداهما إلى الأخرى.
سيتم التركيز على المجموعة الأولى لأنها تعتبر من الموردات الكبرى للاشعور لأنه بعد الدراسات الدقيقة التي قدمت من قبل فرويد لهذه المجموعة من الغرائز ، فإن البعض يرى ان نظريته الجنسية هي اكبر إنجاز قدمته الفرويدية.
يقسم فرويد المراحل الجنسية إلى المرحلة السابقة للتناسل فالغريزة الجنسية او الليبيدو تجد نفسها موزعة عبر الجهاز العضوي للطفل ، وأي نقطة من جسده يمكن ان تصير منبعاً حركياً لتهييج جنسي. والأعضاء التناسلية لا تشكل بعد النواة الجسدية للغريزة . والجدير بالذكر ان المناطق الشهوية (وعلى الأخص الفم والشرج ) ستحافظ على درجة معينة من التهييج الجنسي على طول حياة الفرد اللاحقة . إن الغريزة الجنسية عند الطفل ما زالت في وحدة مع حاجيات جهازه العضوي الأخرى وبإشباعها (طعام ، رضاعة ومص، مضغ، تغوط ) مما يعطى لكل هذه الوظائف صبغة جنسية. وحسب فرويد أن الحدث الرئيسي الذي يغلب على هذا التاريخ المكبوت للحياة الجنسية الطفلية هو انجذاب جنسي نحو الأم يقترن بكراهية للأب التي يطلق عليها عقدة أوديب. والتي تعتبر إحدى الاطروحات المركزية في الفرويدية. وفي اليوم الذي يتدخل فيه مبدأ الواقع اليوم الذي يشرع فيه صوت الأب المحمل بممنوعاته في التحول تدريجياً إلى صوت الوعي الشخصي ، بداية لصراع شاق وعنيد ضد هذه الغرائز السفاحية التي ينتهي بها المطاف إلى أن تكون مكبوتة في اللاشعور. حينها سوف تغرق عقدة أوديب في نساوة تامة ومكان الغرائز المكبوتة فإن فكرة انجذاب جنسي نحو الأم سوف يثير داخليا مشاعر الخوف والخزي. وبعقدة أوديب يفسر فرويد انتشار الميثولوجيات حول الزنا بالمحارم عند الكثير من الشعوب. وخلاصة القول و حسب مذهب فرويد أن هذا الحادث الذي يعود إلى ما قبل تاريخ حياتنا والذي يتمثل في عقدة أوديب تكتسي بالنسبة لحياتنا أهمية كبرى ومصيرية على التحقيق. لأن هذا الحب الأول وهذه الكراهية الأولى سيظلان إلى الأبد بمثابة مشاعرنا العضوية الأكثر اصالة والتي مقارنة بها تبدو كل علاقاتنا الإيروسية اللاحقة المعيشة على ضوء الوعي تبدو مصطنعة وغريبة وذهنية عن أعماق كياننا العضوي وكياننا النفسي الحقيقية. يحل هذا الحب أو الكراهية على موضوع بديل بفعل آلية النقل وتمثل آلية النقل في النظرية والممارسة التحليلية النفسية عاملاً أساسياً .
يقدم فرويد فهماً وضعياً لمحتوى اللاشعور حيث يعتبر: أن نسق اللاشعور يستمد معظم محتواه من عقدة أوديب وملحقاتها ، لا يمنع من كونه يتغذى على مجموعة مختزلة من التشكيلات النفسية المكبوتة التي تضخمه لاحقاً على مدى حياتنا كلما فرضت علينا الثقافة وتقدمنا الثقافي مكبوتات جديدة . لكن اجمالاً نستطيع القول حسب العقيدة الفرويدية: أن ما هو أساسي وعميق في لا شعورنا يصدر عن غرائز طفولية ذات طابع جنسي ، وغرائز "الأنا" التي يجب اعتبارها لوحدها هنا هي الغرائز المسماة عدوانية، التي يمنحها الجهاز النفسي الطفلي و "كل شيء مباح" الخاص به قدراً من الخبث يجعله يتمنى الموت لأعدائه.
بالطبع إن عبارة "كل شيء مباح" الخاصة بأوديب سوفوكليس تجعل منه مشروع طغيان لا مشروع حامل لواء الحق ، فهو أوديب الطاغية (tyrannus) العامل بأمر نفسه لا بأمر الحق أو اللوغوس. هنا في هذه التراجيديا العظيمة ، يبدو الأمر "دينياً " لا نفسياً حيث الحق موحى به من الرب.
إن العناوين الرئيسية للتصور الفرويدي للاشعور يمكن اجمالها في العناوين التالية: في مبدئي التحقيق النفسي الاثنين؛ الكبت والرقابة ، نظرية الغرائز، وأخيراً محتوى اللاشعور. وهي المفاهيم والتصورات التي وصل إليها في المرحلة الثانية من تاريخ التحليل النفسي. مرحلة إيجابية غذت منجزاتها عَرْضنا على نحو خاص.
المرحلة الثالثة وهي تأتي بعد الحرب العالمية الإمبريالية الأولى ، حيث شهد المذهب تنقيحاً وتغييراً على نحو جذري. إن كتابا فرويد اللذان يعودان لهذه المرحلة (الأنا والهو، ما فوق مبدأ اللذة) يعتمدان التحفظات إن لم يكن الغموض، والتي تتناقض مع وضوح ودقة الكمال شبه الكلاسيكي الذي يميز مؤلفاته السابقة .
لقد تم تغيير نظرية الغرائز جذرياً ، إن التقسيم بين غرائز جنسية (بقاء النسل) وغرائز "الأنا" (حفظ الفرد) حلت مكانه ثنائية جديدة: 1-غريزة جنسية او إيروس، 2-غريزة الموت . وهكذا ألحقت غريزة الأنا بدءاً بغريزة البقاء بالغرائز الجنسية . فاتسع مفهوم الإيروس ليشمل التقسيمين القديمين. ويقصد فرويد بالإيروس الغريزة المندفعة نحو الحياة العضوية ، نحو الحفاظ على نفسها بأي ثمن ، سواء تعلق الأمر بالحفاظ على النسل (النوع) أو الحفاظ على الفرد. في حين أن غريزة الموت مكلفة بإرجاع كل الأجهزة العضوية الحية إلى حالة المادة غير العضوية الميتة (كوزموس و كايوس) . كل خلية في كائن عضوي حي تضم خليطاً من هذين النوعين من الغرائز إيروس والموت ، إحداهما تمثل سيرورة الإبداع الفيزيولوجية ، وثانيتهما تناسب سيرورة تفكك المادة الحيوية وكل حياة للخلية تعني شبه هيمنة مؤقتة للإيروس. إن اشباع الإيروس تمنح في الحالين معاً لغريزة الموت الفرصة لإنجاز مهمتها. وعند الحيوانات الدونية يتطابق فعل الاخصاب مع الموت. هذه هي نظرية فرويد الجديدة التي تأثرت في جانبها البيولوجي على نحو قوي بعالم الأحياء الألماني الشهير ، الدارويني الجديد وييسمان ، مثل تأثرها بفلسفة شوبنهاور. إنّ لنظرية فرويد في النسيان الفعال أو النسيان الدفاعي (الكبت) روّاد عظام ، فقد لاحظ داروين على نفسه هذا النسيان الاصطفائيّ ، ويذكر فرويد بحق هذا المقطع من الترجمة الذاتية للعالم الطبيعي الكبير : "لقد اتبعت خلال عدد كبير من السنوات قاعدة ذهبية : ففي كل مرة أجد أمامي حادثاً أو واقعة منشورة أو ملاحظة أو فكرة جديدة ، مخالفة للنتائج العامة التي انتهيت إليها ، كنت أعني بكتابتها مباشرة وبأمانة . ذلك إني كنت اعرف بالتجربة أن الحوادث التي هي من هذا النوع تتبدد من الذاكرة بسهولة اكبر من تلك التي تلاؤمنا" . ولقد أشار نيتشه إلى هذه الفكرة نفسها بصورة رائعة في كتابه "ما وراء الخير والشر" : تقول ذاكرتي أنا الذي فعلت ذلك ، وتقول كرامتي "من المستحيل ان أكون قد فعلته" وتظل مصرّة ، وأخيراً فإن الذاكرة هي التي تستسلم" . غير أن شوبنهاور هو الذي مضى بنظرية الكبت إلى أبعد ما يمكن قبل فرويد" لهذه المرحلة الثالثة ميزة إضافية حيث شهد مفهوم اللاشعور توسعاً واغتنى بعناصر جديدة ومتفردة من حيث الكيف. المرحلة الثانية كانت قد تميزت بفهم دينامي للاشعور باعتباره نتاجاً للكبت ، كان فرويد يشاهده في أبحاثه السريرية المتعلقة بالطب العقلي. كان مهتماً وقتها بخصوصية التجربة السريرية . حيث يقول: إن ابحاثنا في الأمراض النفسية كانت توجه اهتمامنا حصرياً نحو معنى المكبوت". ونتاج الكبت هذا كان يتشكل اساساً من غرائز جنسية تتعارض مع "الأنا الشعوري"؛ " الهو "(كا بالفرنسية)؛ الأهواء يتعارض مع صوة العقل والفطرة السليمة. "الهو" يحكمه مبدأ اللذة بينما الأنا مؤتمن على مبدأ الواقع ، وأخيراً إن "الهو" لاشعوري.
إلى حد الآن حينما كنا نتحدث عن اللاشعور لم نكن نتعامل سوى مع "الهو"، إذ إليه تعود الغرائز المكبوتة . ومن ثم كان اللاشعور يبدو بمظهر الواقع الدوني ، المظلم غير الأخلاقي ، وكل ما هو سام أخلاقياً متعقل يناسب الشعور. بيد ان هذه نظرة خاطئة . إن "الهو" لا يمثل اللاشعور كله ، وحتى في مداره الأعلى ، فإن "الأنا" يضم بذاته منطقة من اللاشعور. إذ أنه لاشعوري بحق ذلك الكبت الذي يصنعه "الأنا" ، كما أن الرقابة التي تتم لصالح هذا "الأنا" ذاته هي بدورها لاشعورية . ونتيجة لذلك فإن قسطاً وفيراً من "الأنا" هو أيضاً لاشعوري ، وعلى هذا القسط يركز فرويد المرحلة الأخيرة اهتمامه ، إذ يرى أنه أكثر اتساعاً وعمقاً وأهمية مما بدا أول الأمر. فإذا كان ما نعرفه عن اللاشعور ، باعتباره نتاج للكبت قادنا على الإقرار بان الكائن العادي هو بحق عديم الأخلاق أكثر مما يتصور نفسه ، ينبغي الان إضافة أنه كذلك صاحب اخلاق أكثر مما كان يعلم عن نفسه . إن هذا القسط اللاشعوري الأسمى من "الأنا" هو ما يسميه فرويد ب"الأنا الأعلى" أو "المثالي". هو قبل كل شيء ذلك الرقيب الذي ينفذ الكبت أوامره . فهو يتجلى في سلسلة كاملة من الوقائع الرئيسية في حياتنا الشخصية والثقافية . هو الذي يظهر الإحساس اللامعقول بالذنب يرفض الشعور قبوله ويصارع الإحساس به. وهو المسؤول على نطاق واسع عن العديد من أشكال التعصب الديني المرتبطة بإماتة الجسد وكبح الشهوات(الزهد، الجلد، احراق النفس، الخ)، وهو ما نجده فيما يسمى "صحوة الضمير المباغتة" . الأنا الشعوري مرغماً على الخضوع لقوة ، وإن انبثقت من أعماق اللاشعور ، فهي مع ذلك أخلاقية ، وكثيراً ما تكون أخلاقية بإفراط. مثلما يقول فرويد.
وحسب فرويد يكون من بين عوامل تكوين هذا "الأنا المثالي" العامل الأهم الذي هو التماهي (التقمص) مع الأب في مرحلة عقدة اوديب ؛ أوامر الضمير الواجب . إن وقعه يستمر بصفته سلطة الواجب الداخلية ، أمر أعلى صادر من الشعور ، تمت صياغته خارج الأنا ، وإذا كان صوت الأب يتعزز لاحقاً بسلطة المدرسة والدين والتربية ، فتلك ليست سوى تأثيرات سطحية وشعورية ، أما صوت الأب فتم استبطانه لا شعورياً. ولختام هذا الفصل حول اللاشعور نذكر بان فرويد في كتابه (الأنا والهو) يعرّف اللاشعور باعتباره واقعاً غير لفظي ، والذي يتم تحوله إلى ما قبل الشعور (حيث يمكنه في كل لحظة الانتقال إلى الشعور) بفضل الترابطات مع التمثلات اللفظية المماثلة له. وهذا تعريف وإن اكتسب أهمية لم تعترف له بها أعمال فرويد السابقة ، يظل في حاجة إلى مزيد من الصياغة.
إننا نعرف الآن أصل اللاشعور الفرويدي ومحتواه، لكننا لانزال لانعرف الأساسي فيه ، أي ما هي الوقائع والمناهج ، بل والمنهج الفكري ، التي سمحت لفرويد بجمع كل هذه المعطيات حوله . وفي حالة الإجابة عن ذلك نستطيع الحكم على جديته وقيمته العلمية.






3-
المنهج التحليلي النفسي:
تشكيلات التسوية، منهج التداعي الحر،
تأويل الأحلام، العرض العصابي، علم نفس امراض الحياة اليومية.
بخصوص التصور الفرويدي الأول المتعلق باللاشعور أكدنا أنه لتعذر الوصول إليه مباشرة، فقد لجأ فرويد لمعرفته إلى شعور المريض على التحقيق. وقد أكد التقدم الذي أحرزه منهجه هذه الملاحظة، دليلنا في ذلك ما كتبه بنفسه في (الأنا والهو) : كل ما نعرفه يتصل على الدوام بالشعور حيث ينبغي للاشعور بعينه كي يتم التعرف عليه ، أن يتخذ شكل ما هو شعوري. هكذا يتلخص المنهج النفسي عند فرويد في تحليل تأويلي لبعض تشكيلات الشعور الخاصة التي تُختزل في جذورها اللاشعورية.
لكن أية تشكيلات هذه التي يلتفت إليه منهج التحليل؟
إذاً اللاشعور لا يستطيع التحول إلى الشعور ، وكذلك الغرائز المكبوتة التي حافظت على قوتها ، إلا بإجراء تسوية مع "يقظة" الرقابة التي تعمل لا شعورياً ، حيث يكتشفها المختص ويحللها.
يمكن تصنيف كل تشكيلات التسوية بين المحتويات اللاشعورية والرقابة إلى نوعين:
1-التشكيلات المرضية (أعراض الهستيريا الحسية الحركية، التصورات الهذيانية، الرُهابات، زلّات اللسان والقلم، نسيان الأسماء )
2-التشكيلات السليمة : الأحلام، الميثولوجيات- الدين، الابداعات الأدبية- الفنية ، الفلسفات الاجتماعية -السياسية أو كل إبداعنا الإيديولوجي.
مجموعتان الحد الذي بينهما غير أكيد ما دام من الصعب تحديد التخوم التي ينتهي عندها السليم ويبدا المرضي. إن دراسة فرويد الأشد تعمقاً هي التي تخص الأحلام التي قام بتأويل صورها بواسطة مناهج باتت كلاسيكية ونموذجية بالنسبة للتحليل النفسي بأكمله. يميز في الحلم بين محتواه الظاهر الذي هو عادي ويومي ، وأفكاره الباطنية الكامنة التي تتلطى خلف صور الحلم الظاهرة . وللوصول إلى الأفكار الكامنة يقترح فرويد منهج التداعي الحر الذي يعمل على الصور الظاهرة للحلم والذي يهدف إلى استرخاء "الأطراف" القهرية والنقدية في شعورنا . إنه يتمثل في استقبال كل ما يعبر ذهننا عفوياً بمناسبة الحلم الظاهر مهما كان سخيفاً تافهاً او غريباً. والأساسي هو كشف ما تنطوي عليه هذه التجليات من أمر لا إرادي (لا شعوري). هذا المشروع التأويلي يصطدم بمقاومة عنيدة من شعورنا، ويثير فينا اشكال احتجاج متنوعة . وهذه المقاومة العنيدة هي ما يتوجب هزمها للوصول إلى أفكار الحلم الكامنة. لأن هذه المقاومة هي القوة بصفتها رقابة (أنا أعلى) التي حولت المحتوى الكامن للحلم (المحتوى الحقيقي) إلى صور ظاهرة يمكن قبولها من قبل شعورنا، وهي الآن ما يكبح مجهوداتنا في التأويل ، وإليها ندين بنسيان الحلم أو جزء منه بتلك السهولة والسرعة. إن وجود مقاومة لهو دليل على وجود دافع محظور يسعى لأنه محظور لاقتحام شعورنا ودافعاً صور الحلم الكامنة إلى أن تمنحه بصفتها تشكيلات تسوية البديل الوحيد المقبول من طرف الرقابة . يعتقد فرويد دائماً أن محتوى الحلم الكامن هو تحقيق لرغبة إيروسية غالباً ما تكون طفولية . كما يصح القول إن صور الحلم الظاهر هي تمثيلات بديلة أو كنايات لمواضيع الرغبة أو لديها علاقة ما بالدافع المكبوت. إن إبداع هذه الرموز البديلة أو الكنايات يخضع لقوانين معقدة جديرة بدراسة علم البلاغة والبيان وقد تكون معجزة أحياناً. لأنها تستهدف على الحفاظ على العلاقة مع المحتوى المكبوت ولومن بعيد جداً. وأن تمنحاً شكلاً شرعياً، وهذا يتطلب صهر صور عديدة في صورة متشاكلة ، واللجوء إلى عدد من الصور الوسيطة. والاستنجاد بصور لها معنى على الطرف النقيض للرغبة ، ونقل الانفعالات والعواطف من مواضيعها الحقيقية (يحرفون العواطف والانفعالات عن مواضعها) إلى بعض تفاصيل الحلم الظاهرة القليلة الأهمية ، وتحويل العواطف إلى اضدادها . إن هذه الرموز والتسويات هي تفريغات جزئية للاشعور إذ تقي جهازنا النفسي من ضغط الطاقات المتراكمة في أعماقه. إن النشاط الرمزي تعويض جزئي عن الرفض الذي يجعلنا مبدأ الواقع نعارض به إشباع كل رغباتنا وغرائزنا العضوية ، تحريرنا جزئياً من الواقع والعودة إلى مبدأ "كل شيء مباح" . إن الأحلام تعيد إلى "مبدأ اللذة" شيء من سلطته.
أن يكون تأويل الأحلام هو ما أتاح له فرصة صياغة وبلورة وصقل منهجهن لا يمنع من كون أعراض العلل العصبية كانت أول مصدر أساسي لاستنتاجاته حول اللاشعور ومحتواه. ففي جلسة التحليل النفسي يتم التغلب على المقاومة التي يبديها المربض بعد ان يبوح المريض بما يجول في خاطره وفق مبدا التداعي الحر . حيث يتم الوصول إلى العقدة المكبوتة ، لأن منبع جميع العلل العصبية حسب فرويد هو الكبت المخفق لعقدة طفولية (عقدة أوديب عموماً) حيث يتم كبته العفوي المخفق إلى إدانة عقلية شعورية.
لقد طبق فرويد هذا المنهج التحليلي النفسي على مجموعة من الأحداث العادية في الحياة اليومية ، زلة اللسان أو القلم ، نسيان الكلمات او الأسماء والتي في تحليلها عثر فرويد على النوع نفسه من تشكيلات التسوية الموجودة في الأحلام ، أو في الأعراض المرضية والتي خصص لها كتاب "الأمراض النفسية في الحياة اليومية"
بالنسبة لفرويد تلك هي دوماً الدينامية النفسية ذاتها المعروفة جداً ، القائمة على الصراع وعلى التسوية بين الشعور واللاشعور ، التي تخترق الأحداث الأولية في الحياة اليومية.
علينا الآن الاطلاع على الحقل الآخر لتطبيق المنهج التحليلي النفسي الذي تمثله التشكيلات الإيديولوجية بالمعنى الدقيق للكلمة: الميثولوجيا – الدين، الفن والأفكار الفلسفية ، دون إغفال الظواهر الاجتماعية-السياسية.
محاور المقاربة: الثقافة واللاشعور، الميثولوجيا والدين، الفن، أشكال الحياة الاجتماعية ، صدمة الولادة.
في العقيدة الفرويدية يصدر كل إبداع إيديولوجي عن الجذور الحسية- النفسية ذاتها التي ينبثق منها الحلم أو العرض المرضي ، جذور تختزل وترجع إليه بنيته وشكله ومحتواه كلياً ، حيث أن كل عنصر من عناصر البناء الأيديولوجي يخضع على تحديد بيولوجي-نفسي بصفته نتاجاً لتسوية بين قوى عضوية داخلية وذلك مؤشر على أن صراعها قد حسم ، إما بتوازن أو بما يشبه هيمنة الواحدة على الأخرى . لكن إذا كان البناء الإيديولوجي ،شأن العرض العصابي او الفكرة الهذيانية، يستمد قوته من أعماق اللاشعور ، فهو يتميز رغم ذلك عن الظواهر المرضية من حيث ان التسوية المعقودة من طرفه بين الشعور واللاشعور هي أوثق وأطول أمداً ، كما أنها تسوية مفيدة للطرفين معاً ، بالتالي مريحة لجهازنا النفسي. لقد رصد يونغ الفرويدي بعض المصادفات المثيرة بين توهمات العته المبكر عند المراهق وميثولوجيات الشعوب البدائية.
فحسب العقيدة الفرويدية يكون إبداع الصور الميثولوجية مشابهاً تماماً لعمل الحلم . الميثولوجيا هي الحلم الجمعي عند شعب، وصوره هي الرموز البديلة للغرائز المكبوتة في اللاشعور. والموضوعات الرئيسية في الميثولوجيا هي تلك التي تعبر عن تجربة وكبت عقدة أوديب . في حالة المنظومات الدينية الأمور أبسط من ذلك ، حيث يضاف للعقد المكبوتة للغرائز الجنسية الدور المهم الذي يضطلع به "الأنا المثالي" اللاشعوري . دون أن تتوقف عقدة أوديب في تمثيل الأرضية التي تنمو عليها الأفكار والعبادات الدينية. إلى حد أن الفرويدية تميز بين دين أمومي (ديانات عشتاروت وبعل المشرقية) ، وبين دين أبوي مشرقي تعد اليهودية أخلص تعبير عنه بمحرماتها وأوامرها ، وبختانها (رمز المحرم الذي يلقيه الأب على غرائز ابنه السفاحية) . ونحن نرى أن فرويد يأخذ بالكناية ويجهل حقيقة الأمر وهو تحول البشرية من الدين الكوني الطبيعي إلى الدين التاريخي أو دين الأنبياء الذي تعتبر الزرادشتية واليهودية بداياته.
أما اعتقاد فرويد بالفن فقد اختزله بالمزحة والنكتة ، وهي من أبرز الظواهر الجمالية التي جرب فرويد عليها منهجه في تأويل الأحلام والأعراض العصابية. إن القوانين المنظمة لشكل النكات هي ذاتها التي تعطي لصور الحلم بنيتها الشكلية ، أي قوانين تشكيل التمثيلات البديلة، ونجد فيها الآلية ذاتها الهادفة إلى تحويل الطرف اللاقانوني عبر خليط من التمثيلات والكلمات ، وإلى وضع بدائل للصور وتفعيل لغة ملتبسة ، ومزج مستويات الدلالة ونقل الانفعالات من موضوعها الأصلي إلى موضوع هامشي محايد. والأصح أنّ المزحة والنكتة موجودتان لتحريف الواقع والسماح بالهروب من جدية الحياة وتحرير الغرائز الطفولية المكبوتة سواء كانت جنسية او عدوانية. هناك أدب فرويدي تحيل وفقه كل صورة فنية إلى اللاشعور حتماً ، لكن في شكل يجعل الشعور مغلوطاً مستكيناً ، وهي الخدعة المخلصة التي تسمح للعقد الشمولية ان تزول دون صراعات كبرى معها. بالطبع تلعب الأنا المثالية دوراً في الفن كما تلعبه الرموز الإيروسية لكن بوقع أخف، بينما دور هذه الأنا أكبر في الأنساق الفلسفية. (الأنف كرمز للقضيب عند غوغول، وعذاب الضمير عند دستيوفسكي وتولستوي كأمثلة من الأدب الروسي حسب الناقد الفرويدي ييرماكوف).
بالنسبة للعقيدة الفرويدية: كل ما يمس محتوى الفن يتعلل بأسباب السيكولوجية الفردية ، ويعكس لعبة القوى النفسية داخل الفرد دون أدنى إمكانية لترجمة الواقع الموضوعي للعالم الاجتماعي- الاقتصادي بقواه وصراعاته. حيث يمنحنا الفن صوراً مستعارة من مجال العلاقات الاجتماعية-الاقتصادية فإن هذه الصور لايمكنها إلا أن تكون ذات دلالة استبداليه. وعلى منوال كوفاليوف فهي تغطي بالضرورة عقدة إيروسية فردية.
أما عن قضايا الشكل والتقنية الفنيين ، فإما أن المحللين النفسانيين يتجاهلونها تماماً ، وإما يعللون الشكل على ضوء المبدأ القديم القائم على مبدأ "أقل قدر من إهدار الطاقة". ويجعلون الشكل الفني هو ذاك الذي يتطلب من المتفرج أقل قدر من إهدار الطاقة وتحصيل أكبر قدر من النتائج أوفياء في هذا لفرويد الذي –بكثير من الحذق- طبق مسبقاً مبدأ الاقتصاد ذاك على تقنية النكات والطرائف والمزحات. وكان يمكن للفرويديين الاستفادة على مستوى التقنية من تقنيات الحلم أو "آليات إعداده "في التكثيف والنقل (الانتقال) والتصوير والترميز و الانضاج الثانوي والتسوية على العموم بفعل الرقابة في دراسة تقنيات العمل الفني وأليات إعداده.
لنتوقف لحظة عند النظرية التحليلية النفسية لأصل الأشكال الاجتماعية ، نظرية ارسى فرويد قواعدها في واحد من كتبه الأخيرة بعنوان "سيكولوجية الجماهير وتحليل الأنا ". إن كل بناءها التحليلي النفسي ينتظم حول آلية التماهي بالأب المعروفة وحول الجانب اللاشعوري في "الأنا المثالي " . الأنا المثالي مجموع المتطلبات اللاشعورية ، وأوامر الواجب والشعور ينجم فينا عن التماهي بالأب وجميع الكيانات التي أحببناها ونحن أطفال دون القدرة على امتلاكها . إن المحب لموضوع يضفي عليه كل الصفات الحسنة وهذا ما يسمى بالصوغ المثالي لموضوع حبه، فهو مقتنع على الاطلاق أن موضوع حبه أو اعجابه يمتلك هذه الصفات. إننا اعتدنا أن نصوغ أستاذنا أو مديرنا أو كاتبنا مثالياً ، إلى حد الصوغ المثالي لمؤسسة أو فكرة أو نادي . أما آليته النفسية فهي تناقض تشكيل الأنا المثالي ، بما انه عوض أن تستوعب النفس الموضوع وتستخلص منه ثراء داخلي ، فعلى العكس تدمج في الموضوع جزءاً منها ، أي الأنا المثالي الذي لنا نسقطه على الموضوع. ونحن من نغني الموضوع بإفقارنا لذاتنا. زد على ذلك في حب شهواني عادي (جنسي فردي) لا يتحقق ذلك إلا جزئياً . لكن إن تخلينا كلياً عن أنانا المثالي لصالح المحبوب ، أي إذا استبدلنا بالمحبوب بأنانا المثالي فنحن نحرم أنفسنا من كل إمكانية لمقاومة إرادته وسلطته . إذن بأي شيء نقاومه طالما أخذ مكان سلطة الأنا المثالي، مكان حسّنا النقدي وشعورنا؟ ومن هنا تأتي سلطة وقوة الرئيس في العمل ، والكاهن والدولة والكنيسة. بعبارات أخرى وحسب النظرية التحليلية النفسية ، إن صوت الأب الذي تسرب إلينا من فترة عقدة أوديب ، والذي صار صوت شعورنا يشهد نوعاً من الانقلاب الذي بإلقائه خارجنا يجعله صوت لسلطة خارجية لا منازع لها ومهابة على نحو خرافي. وهذا تفسير يوسعه فرويد ليشمل ظواهر التنويم المغناطيسي حيث سيجد الأنا المثالي نفسه مبعداً من طرف آخر وحيث القائم بالتنويم ما أن يتحكم بالأنا المثالي لمريضه ويقوم مكانه سيكون له إذ ذاك متسع من الوقت للسيطرة على "أناه " الشعوري الضعيف. لكن من البديهي أن العلاقة الفردية لكل واحد مع ممتلك السلطة (رئيس أو كاهن ) ليست بعد هي كل التنظيم الاجتماعي . ثم إنها تقترن بانسجام اجتماعي بين كل أعضاء القبيلة ، الكنيسة أو الدولة ، والذي يجد هو ايضاً تفسيره في آلية التماهي ، لأنه ما أن ينقل أعضاء قبيلة ما أناهم المثالي إلى الشخص نفسه (رئيسهم) فلا يبقى لهم سوى التماهي مع بعضهم ، ويصيرون متساويين ، وتسوية اختلافاتهم وبذلك ينشؤن قبيلتهم . هذا ما يلخصه فرويد بنفسه في العبارة التالية بالقول: "إن حشداً بدائياً هو اجتماع أفراد أدى استبدال "أناهم المثالي" بالموضوع نفسه إلى تماهي "الأنا" الخاص بهم فيما بينهم ". وهذا يعني بالنسبة لفرويد أن التنظيم الاجتماعي يفسر كلياً بآليات نفسية ، بينما الصراع ضد السلطة الاجتماعية القائمة ؛ الثورة الاجتماعية والسياسية تترسخ عموماً في (الهو) الذي تسم تمرده ضد الأنا المثالي أو للدقة أكثر ، ضد بديله الخارجي . ومن ثم المكانة المخصصة في كل قطاعات الحياة الثقافية لـ (الأنا الشعوري) الذي يخصنا المدافع عن مصالح الواقعي الذي يوائم معه إغراءات الهو وضغط الأنا المثالي ومتطلباته الجازمة. ويحصر عمله في أن يلعب داخل الحياة الثقافية دور الشرطي تجاه الهو وأمام الأنا المثالي ، وهو دور شكلي ومنه تستمد الثقافة إلهامها وعمقها وقوتها.
4-
نقد الفرويدية:
لا فرويد ولا أتباعه حفلوا بأن يقولوا رأيهم بكل وضوح وتفصيل في علم النفس المتداول في عصرهم ، وفي مناهجه وهذا عيب خطير مرده أن المدرسة التحليلية النفسية التي كانت تتعرض في بدايتها لاضطهاد هائل من قبل الدوائر العلمية ، انطوت على نفسها واتبعت عادات عمل وتفكير لم يستحسن رجال العلم ضيق أفقها. عندما يقوم فرويد وأتباعه باستشهاد ما فإنهم يستشهدون بأنفسهم، وعندما يحيلون إلى مرجع فإنه يكون واحد منهم (يستثني تفسير الأحلام من ذلك) . وحتى عندما يضيفون بعض الاقتباسات المأخوذة عن شوبنهاور أو نيتشه فذلك لا يمنع من أن باقي العالم يكاد يكون منعدماً بالنسبة إليهم. كما أن فرويد لم يسع إلى التميز ، بحجج دقيقة ومفصلة ، عن باقي تيارات ومناهج علم النفس ، بالتالي يجعلنا لانعرف رأيه بالمنهج الاستبطاني ، ومنهج التجريب المخبري ومدرسة ورزبورغ (ميسر وآخرين) ، وعلم النفس الوظيفي (سطامبف وآخرين) وعلم النفس الفارقي (ستيرن الخ) ، وأخيراً في المحاولات الجديدة للمناهج الموضوعية التي باشرتها ما يطلق عليها السلوكية الأمريكية (علم النفس بصفته علم للسلوك) . كما أننا لانعرف موقفه من النقاش الشهير حول التوازي النفسي المادي والسببية النفسية – المادية الذي شغل علماء النفس وفلاسفة عصره. إن الشيء الوحيد الذي يؤاخذها (السيكولوجيات الأخرى) عليه هو وتلامذته، هو مطابقتها للجهاز النفسي بالشعور، وهذا الأخير بالنسبة للتحليل النفسي ليس سوى نسق من أنساق الجهاز النفسي. وفعلاً هل هذا الاختلاف بين التحليل النفسي وباقي علوم النفس يتخذ كل تلك الأهمية ويحفر بينهما هوة سحيقة تمنع من وجود شيء مشترك بينهما؟ إن فرويد وأتباعه مقتنعون بذلك جلياً. لكن هل الأمر كذلك بالفعل؟
في الحقيقة قامت الفرويدية بنقل كل عيوب علم النفس الذاتوي المتزامن معها إلى منظومتها . بداية لم تكتف الفرويدية بجعل تصنيف عتيق للظواهر الذهنية الموروثة عن "تيتين" بمثابة عقيدة ، تلك التي فرضها كانط ، هذا التصنيف الذي يميز بين الإرادة (من رغبات وميول) ، والمشاعر (من انفعالات وعواطف) ، والمعرفة (من أحاسيس وتمثلات وأفكار)، بل هي تتشبث بما يخص هذه الملكات بالتعريفات، والمقولات التي كانت متداولة في سيكولوجيا زمانها . إذ يكفي فحص تصور فرويد لبنية الجهاز النفسي الأولية لنجد أنه يتألف من أحاسيس وتمثلات ورغبات ومشاعر، أي من عناصر مضبوطة كانت تشكل "الحياة الذهنية" في علم النفس العتيق . ودون أي حس نقدي نقل فرويد كل هذه العناصر النفسية، في تصورها الأشد تداولاً واستعمالاً، إلى حضن اللاشعور. بيد أن عناصر الجهاز النفسي لا توجد إلا من أجل الشعور ، نظراً لأنه في العصر الذي كان فيه علم النفس القديم يفكك الجهاز النفسي إلى عناصر أولى ، فقد كان يقوم بذلك بالمنهج الاستبطاني المتداول الذي يعتبره فرويد عاجزاً لكونه شعوري فحسب. والواقع ان الاستبطان هو عملية شعورية تماماً ، بل حتى علماء النفس الذاتويين قد صرحوا قبل فرويد بكثير عبر كبار ممثليهم أن الاستبطان كان يتسم بعيب مزدوج كونه انحيازي (لا يقوى على التحرر من أحكام القيمة ) ويبسط الحياة النفسية على نحو مبالغ فيه ، مما كان يفرض مراجعة جدية لشهاداته. مهما يكن فالاستبطان يستدعي تبني وجهة نظر الشعور ، ولأن علم النفس القديم لم يكن يعرف غيره ، فقد كان يطابق الجهاز النفسي بالشعوري .
إن تقسيم النفسي إلى عناصر المشاعر والإرادة والمعرفة قد أملاه الشعور. فوجهة نظر علم النفس القديم هذه ولا غيرها كانت محددة في الوقت الذي تم فيه إرساء علم النفس الذاتوي بذلك النحو. أما عن وضع لاشعور مبني على نموذج الشعور واعتباره يتشكل بالدقة من نفس العناصر ، فلا شيء يسمح لنا بذلك ، وبالتالي فإنه من العبث التام ، منذ اللحظة التي نطرده فيها ، الحفاظ على المشاعر والرغبات والتمثلات.
إن الفرد الذي يعرض أفعاله الخاصة بواسطة شعوره الذاتي ، لا يسعه القيام بذلك طبعاً دون الرجوع إلى رغباته ومشاعره وتمثلاته، لكن ما أن نشرع في تحليل هذه الأفعال موضوعياً ، مع هاجس أن نظل أوفياء على طول الخط لوجهة النظر الخارجية، فإن بنية السلوك لن تمنحنا في أي موضع عناصر من هذا النوع، إذ على التجربة الموضوعية أن تعتمد عناصر أولى للسلوك مغايرة تماماً ، أي عناصر مادية تختلف تماماً عن الرغبات والمشاعر والتمثلات التي هي وظائف نفسية .
إن تمثّلنا لحياتنا النفسية بصفتها كصراع بين الرغبات والمشاعر والتمثلات فإننا تابعون كلياً لوعينا الذاتي الذي لا يستطيع ان يخبر بشيء عن القوى الموضعية الفعلية التي كانت سبباً في هذا الصراع، وأننا بوصفنا لرغباتنا و مشاعرنا ، الواحدة بوصفها "شعورية" والأخرى "قبل شعورنا" أو شعورية ، إننا بذلك نقوم بالتناقض مع أنفسنا ، دون الإفلات رغم ذلك، من وعينا الذاتي ، ولا من رؤيته الخاصة لحياتنا النفسية. إن رفض وجهة نظر الرأي الشخصي تعني أننا لا نرفض فحسب تلك الصورة الاجمالية، وإنما أيضاً مكوناتها ، كما يعني أيضاً رفضنا لإسناد تأويلها للنفسية إلى أسس مغايرة تماماً. بيد أن هذا ما يقوم به علم النفس الموضوعي ، وما لا يفعله فرويد، الذي يدعي أنه سيشيد باللبنات القديمة الذاتوية من جهازنا النفسي بناء شبه موضوعي جديد كلياً. كما لو ان "رغبة لاشعورية" ليست واحدة من تلك اللبنات القديمة الموضوعة بالمقلوب فحسب!
لكن هناك أمر آخر أفدح مما أقدمت عليه الفرويدية حينما نقلت عناصر الشعور إلى داخل اللاشعور، وهو عندما تذهب داخل هذا اللاشعور إلى حد الحفاظ لهذه العناصر بتنوع موضوعاتها ، ووضوحها المنطقي، وبفضل ذلك فإن اللاشعور الفرويدي يبدو كأنه عالم مليء بالتضاريس والتنوع ، بتمثلاته وصوره التي تتفق دائماً وبدقة بموضوعات مضبوطة ورغباته التي تكون وجهتها مضبوطة دوماً، ومشاعره الغنية دائماً بالفوارق الدقيقة والسُّبل اللطيفة.
لنأخذ على سبيل المثال عمل تلك الرقابة التي يعتبرها فرويد "آلية" تعمل على نحو لا شعوري كلياً، بل للرهافة التي بها تتسرب تلك الآلية إلى داخل جميع الفوارق المعنوية المنطقية لأفكارنا، وكل الفوراق المعنوية الأخلاقية لمشاعرنا ، بحيث بالنظر إلى المعلومة المدهشة، البراعة الإيديولوجية المدهشة اللتين تظهرهما هذه الرقابة ، والفرز المنطقي الخالص، الأخلاقي والجمالي الذي تنجزه في معيشنا، فإننا نصل إلى حد التساؤل هل كل ذلك يتسق مع بنيتها اللاشعورية الميكانيكية!
وهذا الطابع "الشعوري" البارز والأيديولوجي نجده في باقي الاليات النفسية عند فرويد (ولنتذكر آلية النقل) التي قد تكون أي شيء إلا أن تكون "آلية "، كما لا تنبثق عن خلفية فطرية ولا من طبيعة ، بل تصدر عن أيديولوجيا.
كانت الأيديولوجية الفرويدية تسعى دائماً لعزل اللاشعور عن العالم المادي والحياة الواقعية، أي الحياة الاجتماعية الاقتصادية والأيديولوجية. إن التحليل النفسي بتبنيه للنزعة الذاتية قد منع نفسه من الوصول المباشر والفوري إلى الواقع المادي ، والذي لا حاجة له به ، والذي عليه إما ان يتركه جانباً أو يذيبه في الجهاز النفسي. لأن فرويد وتلامذته لا ينظرون أبداً على نحو مباشر إلى مكونات الكائن العضوي ولا إلى وظائفه المادية ، ما يبحثون عنه فحسب ، هو أصداء الحركي في النفسي، والكل ليس في آخر المطاف سوى طريقة لإخضاع مجموع المجال العضوي بمناهج الاستبطان ونَفْسنته.
أما عن مكانة ووظائف هذه المناطق الشهوية او تلك (الأعضاء التناسلية مثلاً) في مجموع كياننا العضوي (الافراز الداخلي للغدد الجنسية) وتأثيرها في عمل وشكل باقي أعضائنا ، وعلاقتها مع تكويننا البدني . فهذه ظواهر تنتمي للعالم الخارجي المادي ، والتي لا يتم تعريفها في أي وقت من طرف فرويد ولا يأخذها بالحسبان. أما عن العلاقة بين دور منطقة شهوية في البنية المادية لجهازنا العضوي والدور الذي تلعبه في ذاتيتنا المأخوذة بمعزل، لا يخبرنا فرويد بشيء عن ذلك ، بحيث يقودنا هذا الوضع إلى نوع من الانشطار بين هاتين المنطقتين التي يصير قدرها بصفتها عناصر من نفسيتنا ، كياناً مستقلاً على الاطلاق عن القدر الفيزيو- كيميائي والبيولوجي الذي لهما في جهازنا العضوي المادي. وسمات التحليل النفسي لا تبعد التهمة عنها حينما يبادر فرويد إلى إنشاء نظرية للطباع الإنسانية مبنية على نظريته للمناطق الشهوية ، نظرية لن نعتبر سوى مظهر واحد فيها، حيث النزعة الذاتية تصل على ذروتها بالضبط. ولا تنبس هذه النظرية بحرف عما قد يوجد في طبعنا من أسس مادية ملازمة لتكويننا الجسدي ، ولا عن تأثيرات الوسط المحيط في عالمنا الفيزيقي وحياتنا الاجتماعية الاقتصادية الموضوعية. إن فرويد لا يعير اهتماماً كبيرا لبنية جهازنا العضوي المادية، إذ بالنظر إلى انتفاء إمكانية وضع صلة مباشرة بين الحياة الداخلية المنظور إليها عبر الاستبطان ومعطيات التجربة الموضوعية الخارجية ، إذ يقوم فرويد في نهاية المطاف يميل إلى الوفاء لمنظور الذاتية الداخلية ، التي تختزل في نهاية التحليل الواقع الخارجي كله إلى " مبدأ نفسي للواقع" ثم وضعه على قدم المساواة مع "مبدأ اللذة".
يزعم بعض أتباع فرويد (رانك ، بفستر، جرودويك) أن التحليل النفسي اكتشف في الكائن البشري مجالاً مغايراً تماماً هذا الذي وإن يكن لا ينتمي إلى الفيزيقي فهو لا يصدر عن النفسي. فإذا كنا نعلم أن تعقيد تنظيم الحياة العضوي عبر تطوره الطويل أدى لظهور وظائف نفسية لهذه العضوية (النفس الناطقة) ، وإذا كنا نعلم أن الوجود العضوي للوليد ومروره بمرحلة من اندغاما لآنا والآخر ؛ أي مروره بمرحلة لا يضع مسافة نفسية بينه وبين الآخر الذي هو جسد أمه، فإن ذلك لا يفترض وجود كائن ميتافيزيقي خارج النفسي والفيزيقي. إن الخروج من صهارة الأنا والآخر إلى ظهور مسافة نفسية ادراكية ، هو في الحقيقة انتقال وقفزة من الفوضى إلى النظام (تخلّق داخل الصهارة النفسية؛ من الرتق إلى الفتق) ومن تحديد الآخر إلى تحديد الأنا.
بعض أتباع فرويد يتعللون ايضاً بـ "نظرية الغرائز" عنده للقول بان التحليل النفسي ينبني موضوعياً على البيولوجيا. لا يقوم هذا الراي على سند حقيقي، وسوف يكون من الصائب القول بأن فرويد قام بصياغة نفسية وذاتية للبيولوجيا ، ما دامت الفرويدية تذيب في النفسي وفي الذاتي كل ما يضمه الكائن العضوي من أشكال وظواهر بيولوجية موضوعياً. خاصة وأن الألفاظ البيولوجية التي تتخلل كتب ومقالات التحليل النفسي تفقد صرامتها الموضوعية ، لأنها منصهرة تماماً في سياق السيكولوجية الذاتوية ، كما يشهد بذلك بما فيه الكفاية التصنيف الفرويدي للغرائز. فكل الغرائز الجنسية قد جمعت فيه تحت اسم غرائز "الأنا" وهذه السمة كافية وحدها للبرهنة على المبدأ الذاتيوي لتصنيف غير مقبول من منظور بيولوجي صرف. أما عن التصنيف الثاني للغرائز (الذي ينتمي للمرحلة الأخيرة للفرويدية ) فإنه لا يخفي طابعه الميتافيزيقي البتة وإيروسه الذي يفتقد أي مصدر حركي مضبوط ، يشمل كل تجليات الحياة العضوية إطلاقاً، وليس بأفضل من "الاندفاع الحيوي" البرغسوني، أو "الإرادة الشوبنهاورية".
هكذا يظل التحليل النفسي وفياً بالكامل لمنظور التجربة الذاتية الداخلية ، ومن وجهة نظر منهاجية حصراً ، لا شيء جوهري يميزه عن سيكولوجيا الوعي ، الذي يشكل بنظرها على أكبر تقدير، شكلاً آخر للسيكولوجيا الذاتية. لأنه بدوره يعتمد على معطيات الاستبطان في نهاية المطاف . فإن يكون تأويله مختلف ، وأن يستهدف الظفر منه بصورة مختلفة لجهازنا النفسي، فذلك لا يغير شيئاً في كون أنه ليس بفعل التأويل ولا الحديث عن معطيات ذاتية وعدم الابتعاد عن أرضية التجربة الداخلية نستطيع أن نستخرج من ذلك شيئاً موضوعياً يذكر. وللوصول إلى تلك الموضوعية ، فالمنظور هو ما ينبغي تغييره، وهذا بالضبط مالم يفعله فرويد.
5-
دينامية نفسية حيث تتواجد: بدل قوى الطبيعة قوى إيديولوجية
لا تسعنا المقاربة بين الفرويدية والسيكولوجيا الذاتية (الفرويدية أحد تجلياتها) دون أن يثيرنا ما هو جديد وفريد فيها، بل ومفارق. وانطباع الجدة الذي ظهر عند عرض التحليل النفسي يتطلب إيضاحات.
لكن، حين نقارب مذهب فرويد ،بذاك الأمر المضمن في نسقه والذي يترك أقوى انطباع في نهاية المطاف، فما هو إن لم يكن تلك الحرب وتلك الفوضى ، وذلك البؤس الذي نكشفه باستمرار في حياتنا النفسية ، والتي يصفها بالدينامية النفسية. وهذا ما يميز الفرويدية عن كل تيارات السيكولوجيا الأخرى، ما دام من الصحيح أن حياتنا الداخلية بالنسبة للسيكولوجيا القديمة ليست سوى (هدوء، سلام وسعادة) نعم عالماً مرتباً ومنظماً ، عالماً بلا كوارث ولا أزمات من ولادتنا إلى مماتنا وفق المجرى المتساوي والساكن لتطور هادئ ومعقول ، فيه نضج داخلي كان يجعلنا ننتقل شيئاً فشيئاً من البراءة الطفولية إلى الممارسة الواعية لعقلنا بصفتنا شخصاً بالغاً. تفاؤل سيكولوجي يميز ، بسذاجة، مجموع السيكولوجيا ما قبل الفرويدية ، حيث البعض يعلنون ذلك بصراحة ، بينما غيرهم يحجبونه اكثر.
هذا التفاؤل السيكولوجي صادر بدوره عن التفاؤل البيولوجي الذي كان مسيطراً على العلم وصولاً إلى داروين. أي إلى ان تخلى الاعتقاد السائد في الغاية القدرية للنظام العضوي الحي عن مكانه للمذهب الدارويني القائل بالصراع من أجل الحياة، القائل باختفاء غير المتكيفين، وبأن الأقلية المتكيفة على وجه أحسن هي وحدها التي تبقى وتتكاثر. بعد ذلك فرض مفهوم الضرورة الطبيعية الصارم نفسه في كل مجالات البيولوجيا ما بعد الداروينية، وظلت السيكولوجيا التي تنظمها أنوار الوعي الملجأ الوحيد والأخير للمفاهيم التي تم طردها في كل الأمكنة الأخرى ، مثل مفهومي الغاية والانسجام مما أتاح مجابهة عالم الطبيعة والعناصر بعالم السيكولوجية (النفسية) الذي قدم على أنه مملكة الانسجام والنظام. إن هذه الرؤية القديمة لنفسيتنا هي ما قامت الفرويدية بتجديدها.
أما عن معرفة ما إذا كان فرويد قد لامس الطبيعة بحق داخل نفسنا ، وما إذا كان صراع "الأنا" و "الهو" و "الأنا الأعلى" و"غريزة الموت" و "الإيروس" هي بحق صراع بين عناصر ، أو ما إذا كان الأمر بالأحرى صراع تعليلات داخل وعينا الفردي . هذا السؤال لا يمكن الإجابة عليه إلا إذا استنجدنا هنا عبر مسلك مختلف نوعاً ما، بالحجج التي شرعنا في بسطها في الفصول السابقة.
كل البناء السيكولوجي لفرويد يعتمد على جمل لفظية فردية التي لا يشكل فيها سوى تأويل خاص وهي بطبيعة الحال تأتي كلها من المدار الشعوري للجهاز النفسي. وما أن يختزل مجال البناء الفرويدي إلى ما يسعنا قوله شخصياً عن أنفسنا وعن سلوكنا بالاعتماد على تجربتنا الداخلية الخاصة ، فما الجدوى من هذه التوجهات الجديدة التي أطلقها فرويد على الاستبطان وطبقات الجهاز النفسي الجديدة التي يجعله يستكشفها. ما دام على جميع المحتويات المرور بالشعور الشخصي للفرد حتى يمكن التعرف عليها ، وحيث لا تمتلك الذكرى المكبوتة او اللاشعورية كرامة الوصول إلى الواقعة النفسية. بيد أن كل منتجات اللاشعور تكتسي بالنسبة للاستبطان إما شكل رغبة أو اندفاع ، وتترجم كلها في كلمات ، وبهذه الصفة باعتبارها تعليلات يدركها وعينا. إضافة إلى ذلك أن العلاقات التي وضعها المذهب الفرويدي بين الشعور واللاشعور لا تمت بصلة إلى العلاقات التي يتم قياسها بين قوتين ماديتين، باعتبار انهما تدخلان في حرب ضارية ، وبدل ان تقبل الواحدة منهما الأخرى والتفاهم على نحو متبادل ، فإنهما لا تسعيان إلا إلى خداع بعضهما –وهي العلاقات التي نتخيلها بين فكرتين ، تيارين من الأفكار أو عدويين ، لكن بالتأكيد ليس بين قوتين ماديتين طبيعيتين ، ما عدا لو قبلنا بأن ظاهرتين فيزيقيتين مثلاً أن تخدعا بعضيهما أو ترفضا قبول الواحدة الأخرى.
كل المجهودات التي بذلها فرويد ليصف لنا الصراع النفسي ورصد كل آلياته الفعالة لم تؤد إلا إلى جعلنا نسمع الصوت المنحاز لشعور ذاتي يؤول سلوكاً فردياً ، شعور ليس اللاشعور بالنسبة إليه سوى تعليلاً من بقية التعليلات ، وسيلة من بين أخرى لمنح هذا السلوك تأويلاً إيديولوجياً. ما هو بالفعل شعور فرد معين إن لم يكن إيديولوجيا لسلوكه المشابهة تماماً للإيديولوجيا المفهومة بالمعنى الحرفي للكلمة ، كتعبير عن وعي طبقي . وسواء كانت أيديولوجيا فرد أو طبقة ، لا ينبغي ابداً أخذ أي أيديولوجيا على أنها أمر مسلم به ولا الوثوق فيما تقول . لأن كل أيديولوجيا هي كاذبة، ما دمنا لم نتعرف فيها على اللعبة الخفية للقوى المادية الموضوعية . وهكذا فإن مذهباً دينياً مثلاً لا يغرر إلا بالمؤمن الذي يعتقد عن سذاجة أنّه ما يدعيه ، بينما المؤرخ الماركسي قد يعتبره وثيقة مهمة وثمينة قادرة على أن تضيء له بأمانة بعض التناقضات الاجتماعية ومصالح هذه المجموعات المحددة أو تلك لكونه سيرقى إلى مصاف الوقائع الاجتماعية- الاقتصادية التي جعلت من ظهور المذهب الديني أمراً لا مفر منه. وهذا موقف عالم النفس الموضوعي ، الذي بدل تزكية الملفوظات أو التعليلات والتفسيرات التي سنعطيه بأنفسنا عن سلوكنا بالاعتماد على تجربتنا الداخلية الخاصة ، سوف يسعى بالارتقاء إلى الواقع الموضوعي الذي يتجذر فيه سلوكنا العام و ملفوظاتنا، بحيث لا تستطيع خداعه فهي تخبره بأمانة عن الشروط الموضوعية الفيزيولوجية والاجتماعية- الاقتصادية للسلوك المعتبر وتسمح له بان يرقى إلى الجدلية المادية للتاريخ والطبيعة فيما وراء "الدينامية النفسية" وصراع التعليلات.
يكتب ماركس: "فليس وعي الناس هو الذي يعين وجودهم ، بل إن وجودهم الاجتماعي ، على العكس من ذلك، هو الذي يعين وعيهم . وتتناقض قوى المجتمع الإنتاجية المادية في مرحلة معينة من نموها مع علاقات الإنتاج القائمة او مع علاقات الملكية التي ترعرعت (القوى الانتاجية) في صميمها حتى ذلك الحين ، وهذه العلاقات الأخيرة(علاقات الملكية) ليست سوى التعبير الحقوقي عن علاقات الإنتاج. وتتحول هذه العلاقات من أشكال لنمو القوى الإنتاجية إلى عوائق في وجه هذه القوى. وعند ذلك ينفتح عهد من الثورات الاجتماعية ويزعزع التغير في القاعدة الاقتصادية البنية الفوقية الضخمة زعزعة متفاوتة السرعة. وعندما ننظر في مثل هذه الانقلابات ، فيجب ان نميز بين الانقلاب المادي لشروط الإنتاج الاقتصادية –وهو ما يمكن ان نرصده بصورة علمية صارمة – وبين الأشكال الحقوقية والسياسية والدينية والفنية والفلسفية أي باختصار الأشكال الأيديولوجية التي يعي ضمنها الناس هذا الصراع ويخوضونه حتى النهاية . وكما أننا لا نستطيع أن نحكم على فرد من خلال الفكرة التي يكونها حول نفسه ، كذلك لا نستطيع ان نحكم على مثل هذه الفترة من الانقلابات من خلال وعيها لذاتها."
لكن من أين يأتي فرويد بذلك "الأنا" و "الهو" و "الأنا الأعلى" التي يملأ بها جهازنا النفسي؟ إن صراع التعليلات هو ما يحضنا على الاعتراف بوجودها. لأنه ظاهرة واقعية تشهد عليها التجربة الموضوعية ، لكون هذا الصراع يترجم بملفوظات (تلفُّظات) ، بينما القوى النفسية الفرويدية ليست سوى بناء اعتباطي بواسطته يسعى فرويد إلى تفسير هذا الصراع ، والذي مثله مثل أغلبية أبنية السيكولوجيا الذاتوية ، يُسقط على النفس بعض علاقات العالم الخارجي الموضوعية، التي تعبر قبل أي شيء عن التعقيد الأقصى الذي يشوب العلاقات الاجتماعية الموجودة بين الطبيب ومريضه.
وإذا أخذنا بالاعتبار المناخ الاجتماعي المعقد وغير المعتاد الذي تتشكل فيه تلك الملفوظات (الصادرة عن مريض يحكي وطبيب ينصت ويجيب) التي يؤسس عليها فرويد نظريته ، هل يسعنا قبول انها تعكس النفسية الفردية لهذا المريض! لأنه ليس هناك ملفوظ واحد في أي ظرف كان ، يمكن نسبته إلى مؤلفه لوحده : إنه نتاج تفاعل بين متكلمين ، وعلى نحو موسع ، نتاج الظروف الاجتماعية كلها ، المعقدة التي نشأ فيها. إن انتقاء كلمات معينة ، ونبرة معينة للملفوظ ، ليس إلا انعكاساً للعلاقة التي تجمع المتكلم بالظرفية الاجتماعية المعقدة برمتها التي يجري فيها الحوار.
أما "ردود الفعل الحميمة" لدى المتكلم ، التي نسعى إلى اكتشافها خلف هذا الملفوظ، لا تعدو كونها تأويلاً من جانب واحد ، اختزالاً علمياً- زائفاً لظاهرة اجتماعية بالغة التعقيد .. فالكلمة تلعب إلى حد ما دور "سيناريو" التواصل الفوري الذي أدى على ولادتها ، وهذا التواصل يندمج بدوره في إطار أشمل للتواصل الذي تمارسه جماعة المتكلم الاجتماعية . ومن ثمة ، لأجل فهم هذا السيناريو ، يتوجب إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية المنعكسة إيديولوجياً في الملفوظ المعني بكل تعقيدها. وما ينطبق على اللغة الخارجية ينطبق على اللغة الداخلية التي تستلزم بدورها مستمعاً افتراضياً وفقه تنبني ، مما يجعل منها نتاجاً وشكلاً للتواصل الاجتماعي بالضبط مثل اللغة الخارجية.
ومنذ ذلك الحين ، فإن كل هذا الكلام اللفظي (أو ردود الفعل اللفظية) عند المريض، التي يشيد عليها فرويد بناءه السيكولوجي ، ليست إلا سيناريوهات تترجم أساساً الحدث الاجتماعي الفوري البسيط الذي أنشأها ، أي الجلسة التحليلية النفسية ، والتي لكونها تعكس الصراع المعقد الذي سبق لنا الإشارة إليه بين الطبيب ومريضه. فإنها لا تمنحنا دينامية نفس فردية ، وإنما الدينامية الاجتماعية لعلاقات الطبيب- المريض. ومن ثمة ذلك التوتر الدرامي الذي يطبع البناء الفرويدي . وذلك ما يفسر تشخيص القوى النفسية التي رصدنا والتي تتمثل في أنهما بحق فردان يتواجهان وليسا قوتين طبيعيتين. ودينامية العلاقات بين كائنين بشريين هي ما يسقطه البناء السيكولوجي عند فرويد على نفس فردية. إن الدينامية الفرويدية للحياة الداخلية وآلياتها ليست سوى اسقاط لعلاقات اجتماعية في نفس فردية ، تشخيص درامي به يدعي فرويد تأويل مختلف مظاهر سلوكنا عبر مكون واحد من مكوناته : ردود أفعالنا اللفظية. مسألة أخرى تجب الإشارة إليها في البناء الفرويدي: أن يربط فرويد محتوى اللاشعور ؛ أي العقد المكبوتة المختلفة وخاصة عقدة أوديب، بماضينا ، بطفولتنا الأولى ، بينما نظرية المراحل الأولى ما قبل الشعورية لتاريخنا تعتمد على شهادات بالغين . وهكذا يمكن القول إن منظومة العقد الطفولية تصدر عن مصدر استرجاعي تأويلي، بصفته يتأسس على تأويل لذكريات اشخاص بالغين وتشكيلات تسوية تسمح خصيصاً بالوصول إليها . أما عن القيمة التي نوليها لمنهج استرجاعي من هذا النوع يدعي استعادة معيش الطفولة الأولى فلا نعتقد انها تسمح بالوصول إلى أدنى واقع موضوعي. نظراً لأنه (المنهج ) يمثل خاصية كثيرة الانتشار : خاصية تأويل الماضي وفق الحاضر. بيد أنه ليس في الوارد على التخصيص أن نحتفظ بذكرى موضوعية عما أحسسنا به من ذي قبل. فمن ماضينا لا نحتفظ إلا بما يفيد الوقت الحاضر الذي نتذكره فيه. وأول شيء نحمله من حاضرنا إلى الماضي ما قبل الشعوري لطفولتنا، هو صبغة الأفكار والقيم الخاصة بهذا الحاضر وحده، بحيث ان جميع الأحكام ووجهات النظر أو الترابطات المتصلة في المرحلة الشعورية من حياتنا بمقولات من قبيل "الحب" و"الغريزة الجنسية" أو "الأم" تكون قد صبغت مسبقاً هذه المقولات ومنحتها سلفاً معنى لأجلنا ، وحينما نقوم بعد ذلك باستعمالها لتأويل وقائع من حياتنا في الطفولة ، وسوف تكون منظمة في أحداث منسجمة وذات معنى على قدم المساواة مع أحداث حياتنا كبالغين. ومنئذ تختزل عقد الطفولة وحياتها الجنسية إلى عدد معين من الملاحظات الموضوعية الموزعة التي قد نقدمها عن سلوك الطفل : قابلية التهيج المبكرة في الأعضاء التناسلية (الانتصاب الطفولي) ولباقي المناطق الشهوية ، الصعوبة في جعل الطفل يكف عن التعود على الحضور الدائم لجسد الأم ، وعلى الأخص حضنها. لكن من هذه الوقائع إلى البناء الضخم وغير المتوقع الذي هو عقدة أوديب هناك هوة سحيقة.
ويرد الفرويديون على مناهضيهم مراراً أنه من أجل دحض النظرية التحليلية النفسية ، يجب البدء بدحض الوقائع التي تنبني عليها. وهذه عبارة خاطئة جذرياً ، لكونها تحرف الوضع الواقعي. لأن الفرويدية لا تمت بصلة إلى سلسلة من الوقائع ولا إلى ذلك الحد الأدنى من فرضيات العمل التي يفرضها تجمعها أو تصنيفها المسبق . إنه بناء ضخم يعتمد تأويلاً جريئاً جداً وفريداً من نوعه لهذه الوقائع ، بناء يمتلك طابعه غير المنتظر و المتناقض، ما يدهش ذاك الذي يقبل كل تلك الوقائع الخارجية المتوسل به لدعمها. عندما يتعلق الأمر بإدماج الحياة الجنسية الطفولية في بناء عقدة أوديب ، لا يتم سوى استبدال واقعة الحياة الجنسية الفيزيولوجية بتشخيصها الأيديولوجي، مثلما نرى ذلك في بناء عقدة أوديب ، وهو تشخيص إيديولوجي على نحو خالص تم إسقاطه على النفس الطفولية ، والذي لا يمت بصلة إلى الترجمة الخالصة والبسيطة للوقائع الفيزيولوجية الموضوعية. والملاحظة ذاتها حين يتعلق الأمر بباقي عناصر محتوى اللاشعور ، التي لا تقوم سوى إسقاط في الماضي تأويلات إيديولوجية من سلوكاتناالخاصة بحاضرنا فحسب ، بحيث إن فرويد لا يخرج أبداً من إطار البناء الذاتوي.
بالتالي لم يتبق من "الدينامية النفسية" للفرويدية سوى صراعات باطنية في سلوكنا اللفظي . نزاع لا يجابه بقوى مادية ، وإنما بتعليلات التصرف ، والتي خلفها مثل خلف كل نزاع إيديولوجي له امتداد معين ، تختفي سيرورات مادية موضوعية لا تدفعها الفرويدية للظهور، ذلك انه لتسليط الضوء عليها يجب عليها ان تخرج من إطار السيكولوجيا الذاتية ، والخروج من إطار كل ما يسعنا قوله عن انفسنا حول عقيدة خبرتنا الباطنية الخاصة بمعناها الواسع. إن المنهج الفزيولوجي بكل تنويعاته والذي يظل هو نفسه في الأساس (السلوكية والاجرائية) لا يكفي لتفسير سلوكنا ، وعلى الأخص من المحال فهم ادنى شيء عن صراعات السلوك اللفظي الذي يقدمه فرويد ، إن لم ننطلق من إحصاء دقيق وشامل لعواملها الاجتماعية الاقتصادية وانعكاساتها الأيديولوجية فائقة التنوع. إن ما يطلق عليه " نفسيتنا" و "شعورنا" يعكس بالفعل جدلية التاريخ أكثر مما يعكس جدلية الطبيعة ، لأن الطبيعة تصل إليه وقد انعكست مسبقاً عبر الاجتماعي- الاقتصادي. وبما أنه ليس من الوارد بداهة أن نقدم في كتاب نقدي نظرية إيجابية لمنابع وصراعات السلوك اللفظي ، سوف نكتفي بالإشارة إلى الاتجاه الذي نستطيع فيه الوصول على فهم ودراسة موضوعيين لهذه الظواهر، ألا وهو محتوى الشعور بوصفه إيديولوجيّاً.
6-
الطبيعة الاجتماعية لردود الأفعال اللفظية:
الشعور هو الشرح الذي يصاحب به كل شخص بالغ كل واحد من أفعاله، شرح لا يعادل زيفه في نظر فرويد ، إلا زيف السيكولوجيا التي تدعي الاعتماد عليها. وبقدر ما ينتقد فرويد سيكولوجيا الشعور ، فلا يسعنا سوى اتباعه دون تحفظ، إذ يصح ان التعليلات الشعورية التي نظهر بها أفعالنا لا يمكن بأي حال اخذها على أنها تفسيرات لسلوكنا . لكن بذهابنا إلى أبعد من ذلك ، نقول إن تعليلات اللاشعور لا تفسره أحسن من ذلك ، نظراً لأن اللاشعور الفرويدي لا يختلف بالأساس عن الشعور ، إذ هو شكل آخر له وتعبير عنه متميز إيديولوجياً. إن تعليلات اللاشعور المنكشفة في جلسات التحليل النفسي بفضل منهج "التداعي الحر" هي في الحقيقة ردود أفعال لفظية من المريض مثل كل التعليلات الأخرى التي يقدمها الشعور عادة ، وإن كانت تتميز عنها فليس باختلاف في الطبيعة(كلاهما تعليلات ايديولوجية) ولكن باختلاف بسيط في المحتوى . بعبارة أخرى بصفة إيديولوجية ، حيث أنه لتمييز اللاشعور الفرويدي عن الشعور العادي "الرسمي" أو المعتمد ، يمكننا تسميته "بالشعور غير الرسمي" أو غير المعتمد. وكلاهما يعبر عن نفسه من الناحية الموضوعية بواسطة لغتنا الداخلية والخارجية. ولا تشكل سبباً لسلوكنا ولكن إحدى مكوناته . فكلاهما تعليلات (تبريرات ايديولوجية) لسلوكنا وليست أسباباً. فهي ردود أفعال لفظية ترافق ردود أفعالنا السلوكية الحركية. وبما ان هذين المكونين (الحركي واللفظي) لسلوكنا العام هما في وقت معاً ماديان وموضوعيان فإن تفسيرهما يرجع لعوامل موضوعية ومادية بدورها، متصلة إما بنظامنا العضوي بحد ذاته وإما بمحيطنا الاجتماعي و الطبيعي. إن وسطنا الاجتماعي لا يتوقف عن تحديد ومراقبة ردود أفعالنا اللفظية والسلوكية طوال حياتنا. وهكذا فإن الجانب اللفظي من سلوكنا (اللغة الداخلية والخارجية) لا يسعها باي حال أن تدخل في مضمار الذات الفردية المأخوذة بمعزل عن الطائفة و الفئة، والطبقة الاجتماعية.
تحدثنا من قبل أن كل ملفوظ ملموس يعكس دوماً الحدث الفوري الاجتماعي البسيط (محادثة بين أفراد) الذي ينبثق منه مباشرة ، ولم تكن "دينامية" فرويد سوى انعكاس لجلسة التحليل النفسي ، أي للحدث الاجتماعي الذي أنشأ ملفوظات المريض بمعية نزاعه الثنائي ووقائعه. ولنترك هنا سياق الملفوظ الفوري ذاك ونهتم حالياً بروابط اجتماعية أخرى أكثر اتساعاً وديمومة وصلابة، والتي تمنحنا ديناميتها كل ما يكوّن شكل ومحتوى لغتنا سواء الداخلية أو الخارجية ، كل هذه الذخيرة من أحكام القيمة ووجهات النظر والخطوات الذهنية ، الخ التي بواسطتها نؤول أفعالنا ورغباتنا ومشاعرنا وأحاسيسنا لذاتنا وللآخرين. بيد أن محتوى شعورنا ومجموع نفسيتنا وكذا الملفوظات الخاصة التي بواسطتها يتجلى هذا المحتوى للخارج هي محددة كلياً بعوامل اجتماعية- اقتصادية ، بالتالي ليس بانغلاقنا في حدود كائن عضوي فردي يسعنا الوصول إلى الجذور الحقيقية العميقة لملفوظ فردي معين ، ولو كان مرتبط بما هو شخصي فينا جداً وحميمي على نحو ظاهر . إن تبرير الفعل والشعور بالذات (لأن الشعور بالذات لفظي دوماً ويؤول دوماً إلى إنشاء مركّب لفظي مضبوط) هو الخضوع لمعيار اجتماعي ، إلى حكم قيمة اجتماعي . إن الشعور بالذات يعني من طريق ما السعي إلى ان يرى المرء نفسه بعيني آخر ، ممثل آخر لجماعته الاجتماعية ؛ لطبقته بحيث أن الشعور بالذات يؤدي دوماً في نهاية المطاف إلى وعي طبقي ، الذي لا تشكل فيه الذات الفردية بكل ما فيها من عمق وجوهر ، سوى انعكاس وتخصيص. إن فشل الشعور بالذات لأن يتحول إلى مركب لفظي مضبوط يعني السقوط في الفوضى الذاتية و الجنون.
هنا توجد الجذور الموضوعية لردود أفعالنا اللفظية ، ولو كانت شخصية وحميمية. ونحن لن نصل إلى هذه الجذور مالم نلجأ إلى المنهج الاجتماعي- التاريخي الذي اعتمدته الماركسية لتحليل مختلف الصروح الإيديولوجية المتنوعة المتمثلة بالحقوق والأخلاق والفلسفة والدين والفن.
باعتبار أننا لا يمكن تفسير النتاج الثقافي للفرد بناء على الظروف الفردية ولا على بعض الحالات النفسية كما تدعي العقيدة الفرويدية، وباعتبار أن نفسية فردية لا تختلف في واقع الأمر أساساً عن الشكل الذي تكتسيه الأيديولوجيا ، فإن الحالة الشعورية للفرد تغدو محملة بالأيديولوجيا ولا يمكن بالتالي اعتبارها ، من منظور علمي ، على أنها معطى بدائي غير قابل للتفكيك. إنها تعني مسبقاً معالجة إيديولوجية للكائن ، بحيث أن محتوى الشعور الملتبس جداً عند شخص بدائي والنتاج الثقافي الأشد اكتمالاً ليسا سوى الحلقات القصوى في سلسلة متواصلة من الابداع الإيديولوجي ، تتوسطها مجموعة من الدرجات والانتقالات التراتبية إلى ما لانهاية. وكلما ازداد تفكيري وضوحاً اقترب من الشكال التي تتخذها النتائج العلمية. وأكثر من ذلك لا يسع تفكيري أن يكون واضحاً بصفة نهائية قبل ان أجد له صياغة لفظية دقيقة وأن أجابهه بالقضايا العلمية التي تمس الموضوع عينه. بعبارة أخرى ، قبل أن أحوله إلى عمل علمي يلزمني . ومثلما أنه لا يسع الإحساس ان ينضج أو التحقق نهائياً مالم ينجح في أن يعبر عن نفسه في الخارج وذلك بأن يمنح الحياة لكلمات وإيقاعات وألوان ، إن لم يثمر عن عمل فني. هذا الطريق من محتوى نفسية إلى محتوى ثقافة ما هو طريق طويل وشاق ، وفي كل مرحلة من مراحله يخضع للقوانين الاجتماعية- الاقتصادية نفسها. وفي كل واحدة من المراحل المذكور لطريق الابداع الثقافي والفني يقوم شعورنا باستخدام الكلمة أيضاً ، ولأنه فيها يكون انعكاس القوانين الاجتماعية الاقتصادية أشد دقة وغموض معاً (لأن الكلمة تحجب وتشف في الوقت ذاته) يتمخض عن ذلك أن ردود الأفعال اللفظية ، مثلما نجدها في المستوى الأشد بدائية من الحياة اليومية تخضع للمناهج عينها التي تسلحت بها الماركسية من أجل دراسة البناءات الأيديولوجية المركبة ، وقوانين انعكاس الضرورة الموضوعية داخل الكلمة هي نفسها في الحالين معاً. كل واحد من ملفوظاتنا هو في الواقع بناء إيديولوجي صغير. يعتبر تعليل الفعل ، في نطاق ضيق طريقاً لإصدار الأحكام التشريعية والأخلاقية. أن يصرخ المرء فرحاً أو ألماً ، فذلك يعتبر في مستوى بدائي، عملاً غنائياً. إن اعتبار الأسباب ونتائج الأحداث ، في الحياة اليومية هو إرهاص للمعرفة العلمية والفلسفية، الخ . وحينما قامت وتشكلت منظومات إيديولوجية في العلوم والفنون والقانون ، الخ ، فذلك تم بالنمو والتبلور انطلاقاً من تلك الحمم (الصهارات) الأيديولوجية المتحركة التي تصب على كل فعل من أفعالنا وكل مدركاتنا الأمواج الهائلة للغة الداخلية والخارجية ، ولو أدى ذلك بطبيعة الحال بالإيديولوجيا المتشكلة على ذلك النحو إلى أن يكون لها في المقابل تأثير قوي على جميع ردود أفعالنا اللفظية.
إن هذه اللغة الداخلية التي تتسرب إلى سلوكنا كله ، سوف نسميها ب "إيديولوجيا اليومي". وهي من بعض النواحي إيديولوجيا أكثر إحساساً واستقبالاً وتوتراً وحركية من الأيديولوجيا المتشكلة " الرسمية" . وهي أيضاً تتراكم في أعماقها تناقضات ، ما إن يتم تخطي عتبة معينة ، حتى ينتهي بها المطاف إلى تفجير منظومة الإيديولوجيا الرسمية . لكن بالمجمل نستطيع القول إن لإيديولوجيا اليومي العلاقات نفسها مع القاعدة الاجتماعية- الاقتصادية وتخضع لقوانين النمو نفسها مثلها مثل البنى الفوقية الإيديولوجية المنظور إليها بالمعنى الحرفي للكلمة، بحيث أنّها تخضع للمعاناة نفسها مع تمييزات حسب خصائص كل منها.
الآن إذا رجعنا إلى "الصراعات الداخلية" التي يعتمدها التحليل النفسي ويسعى إلى تفسيرها بالنزاع بين الشعور واللاشعور ، وبالنظر إليها من زاوية موضوعية ، فإن هذه الصراعات جميعها تتم داخل هذه الحمم لإيديولوجيا اليومي ، المتمثلة باللغة الداخلية والخارجية. وبما أنها صراعات غير "داخلية" إنما إيديولوجية فلا يمكن تأويلها في الحدود الضيقة لجهاز عضوي فردي وجهاز نفسي فردي. إنها لا تتجاوز كما يظن فرويد إطار الشعور ، بل تتجاوز إطار الفرد لتغدو أمراً عبر- فردي.
الحلم ، الميثولوجيا ، المزحة والنكتة ، وأيضاً كل المكونات اللفظية التي تشكلت في التشكيلات المرضية، تعكس صراعاً بين مختلف النزعات والتيارات الإيديولوجية التي تكونت في حضن إيديولوجيا اليومي.
وتلك المنتمية لمجالاتها التي توافق الشعور الرسمي ، الخاضع للرقابة عند فرويد ، تترجم مظاهر الوعي الطبقي الأشد استقراراً ومظاهره السائدة وتقترب من الأيديولوجيا المتولدة من هذه الطبقة، ومن قوانينها وأخلاقها وتصورها للعالم. يتعلق الأمر هنا بطبقات إيديولوجيا اليومي المنضدة التي عبرها تمر اللغة الداخلية ، المطواع بسهولة ، دون عناء أو خوف أو وجل إلى اللغة الخارجية . أما باقي الطبقات المنضدة التي توافق اللاشعور الفرويدي ، فهي بعيدة جداً عن منظومة الأيديولوجية المهيمنة .
حيث تهدد وحدة وانسجام هذه المنظومة وتعرض للخطر المحفزات الأيديولوجية المتداولة بصفتها محفزات غير أكيدة. ومع أن مراكمة هذه الأسباب الداخلية التي تميل إلى تفجير وحدة إيديولوجيا اليومي تستطيع بالتأكيد أن تتخذ طابعاً غير متوقع وتشهد فقط عن تقهقر اجتماعي لبعض الأفراد ، فإنها مع ذلك تعتبر ، بصفة عامة، علامة على بداية تفكك ، إن لم يكن تفكك طبقة ، فهو تفكك لبعض من مجموعاتها.
في مجموعة اجتماعية متماسكة ، مثلما في فرد سليم اجتماعياً، تكون إيديولوجيا اليومي ، القائمة على قاعدة اجتماعية اقتصادية ، منسجمة وصلبة ، دون أي اختلاف بين الشعور الرسمي والشعور غير الرسمي. لكن محتوى وبنية إيديولوجيا الطبقات غير الرسمية في إيديولوجيا اليومي (ما يسميه فرويد محتوى وبنية اللاشعور) ترتبط بمرحلة وبطبقة مثلما ترتبط بطبقاتها الخاضعة للرقابة وبمنظومات الأيديولوجيا القائمة. كل الصراعات التي يهتم بها التحليل النفسي هي ممثلة للبورجوازية الأوربية الصغيرة لبداية القرن العشرين ، ولهذا فإن "الرقابة الفرويدية " التي تعكس على نحو صحيح إيديولوجيا اليومي الخاصة ببورجوازي صغير ، يكون لها أثر هزلي ، حين ينقلها الفرويديون إلى نفسية يوناني من العصر القديم، أو مزارع من العصر الوسيط . بينما الأهمية المبالغ فيها على نحو فظيع التي يمنحونها للجنسية تصير معبرة على نحو بعيد إن وضعت لها كخلفية التفكك الحالي(بداية القرن العشرين) للأسرة البورجوازية .
إضافة إلى ذلك كلما اتسعت الهوة وتعمقت بين الشعور الرسمي والشعور غير الرسمي ، شق على أسباب اللغة الداخلية أن تعبر إلى اللغة الخارجية (الشفوية، المكتوبة، المطبوعة ، وسواء كانت الدائرة الاجتماعية ضيقة أو واسعة) كي تتخذ فيها شكلاً ووضوحاً وصلابة ، بحيث أنها تتعرض للزوال ، وتفقد ظاهرها اللفظي ، وتتحول بالفعل شيئاً فشيئاً إلى "جسم غريب" مقيم في النفسية ، وهكذا قد ينتهي المطاف بمجموعات كاملة من التمظهرات العضوية إلى الاقصاء من سلوكنا المصاغ لفظياً ، وتصير لا اجتماعية، مما يضخم فينا الجانب "الحيواني" واللااجتماعي. إن انقطاع كل مجالات سلوكنا عن ترجمتها اللفظية إلى أيديولوجيا تعني السقوط في الجنون . أما الأسباب التي دخلت في صراع مع الأيديولوجيا الرسمية لا تضمحل إلى لغة داخلية ثم لا تموت، بل عليها البدء بالنمو في وسط اجتماعي مقيّد واللجوء إلى السرية التي لن تكون هي السرية النفسية للعقدة المكبوتة ، وإنما سرية سياسية سليمة ، بما انه على هذا النحو أيضاً تقوم في كل مجالات الثقافة الأيديولوجية الثورية.
بيد أنه في سلوكنا هناك مجال بالغ الأهمية حيث العلاقات اللفظية تعاني كثيراً لكي تترسخ وهو معرض على الأخص للإفلات من السياق الاجتماعي ، ولأن يفقد طابعه بصفته إيديولوجيا قائمة وينحل إلى حيوانية بدائية . إنه مجال الجنسي. وبما أنه المجال الأول الذي يكون لتفكك الإيديولوجيا الرسمية فيه وقع على سلوكنا ، إذ فيه تتركز القوى اللااجتماعية والمناهضة لما هو اجتماعي . وهكذا من السهل أن نجعل منه في حياتنا الخاصة ، نقطة انطلاق لاعتزال خارج المجتمع، ومن السهل عزل "الجنسي" بصفته حد اجتماعي أدنى ، وجعله عالماً مصغراً لا ينتظر شيئاً من أي كان.
كل فترات الانحطاط والتفكك الاجتماعي تتميز ، في إيديولوجيتها مثلما في حياتها، بالأهمية المبالغ فيها التي تمنحها للجنس ، وبالفكرة الضيقة التي تكونها دائماً عنه وذلك بتفضيلها فيه للمظهر اللااجتماعي في شكل مجرد ، بحيث ان الجنسي ينحو إلى أن يصير بديلاً للاجتماعي ، إذ لا يتم فيه تقدير العلاقات الاجتماعية إلا بالقدر الذي تمكن فيه صياغتها جنسياً، وكل ما تبقى يجد نفسه فاقد للمعنى والأهمية.
تفكك المنظومة الإيديولوجية الاجتماعية والذي يشهد عليه النجاح للفرويدية بداية القرن العشرين في قارة أوربية حيث تتعرض "إيديولوجيا اليومي" للتيه وللانقسام وتفقد شكلها، حيث ليس هناك مظهر من مظاهر الحياة أو حدث أو حدث أو موضوع لا ينقصه سياق من أحكام القيمة قائم الذات ومقبول شمولياً، يتم رفعها باسم طبقة أو باسم مجتمع ، حيث كل شيء يعرض لا من زاويته الاجتماعية، وإنما من الزاوية الجنسية ، حيث كل كلمة من الأدبي أو الفلسفي يتجلى الآن رمز جنسي فج ؛ حيث كل ما تبقى بداية من أحكام القيمة التي تحملها كل كلمة ضمنياً عن تاريخ المجتمع، لم يعد قابلاً للإدراك من طرف بورجوازيي أوروبا بداية القرن 20 ، ولم يعد صالحاً إلا بوصفه تناغمات للصوت الأساسي في الجنسي.
من هنا قيمة الشهادة والاهتمام الخاص الجدير بان يعطى في الفرويدية لصياغتها الجنسية الكاملة المنصبة على الأسرة وكل العلاقات الأسرية ، كيفما كانت (عقدة أوديب) وكأن هذه الأسرة – قاعدة وقلعة الرأسمالية- لم تعد مفهومة بصفتها واقعاً اجتماعياً اقتصادياً ، بما أنه في الإمكان ، من خلال إخضاعها للصوغ الجنسي الكامل، منحها دلالة جديدة نوعاً ما (أو مثلما يقول الشكلانيون الروس: "تغريبها") وبالفعل فإن عقدة اوديب تمثل بحق تغريباً رائعاً للخلية الأسرية ، حيث بدل اب يحل رئيس مقاولة، وابن وريث، صار لدينا الآن أب لم يعد سوى زوج للأم وابن منافس.
لكن إذا كانت الفرويدية تستأثر بالجماهير العريضة فذلك بالتحديد لأنها تمنح "دلالة جديدة" وساطعة لكل ما اصبح عبثياً في الحياة. وبقدر ما كانت الغرائز الجنسية بديهية ولا تنازع حولها ، فالبقدر نفسه كانت احكام القيمة الأخرى والايديولوجيا الاجتماعية مثيرة للشك ومحل نزاع. وذلك برفع الجنسية إلى مرتبة المقياس الأعلى للواقع للجوهري ، وكلما تم الحط من درجة الفرد ، شعر بحدة أنه ليس سوى طبيعة، "عالم بدائي" . وتصير الفرويدية –وهي سيكولوجيا المتقهقرين طبقياً- التيار الأيديولوجي المعترف به من طرف شرائح واسعة من البورجوازية الأوربية . وهذه حقيقة تمنح أعمق المؤشرات والعلامات لمن يريد فهم أوربا الحالية.
وفي العمق ليس للفلسفة البورجوازية سوى فكرة واحدة تكمن في إنشاء عالم يتجاوز الاجتماعي والتاريخي . وهذا ما تعمل عليه ، كل بطريقتها ، التيارات الثلاث التي اقتسمت مجموع العالم البورجوازي ، سواء تعلق الأمر بكونية الفلسفة الأنسية (الانتروبولوجية) عند ستيينر، وبالنزعة البيولوجية عند بروغسون ، أخيراً "بالسيكوبيولوجية" و "الجنسية " عند فرويد ، التي فرغنا من تحليلها للتو.
ثلاث تيارات قاسمها المشترك هو مزج أكبر تجريد بفن الصورة التي تكاد تكون أدبية-بل هي كذلك بكل صراحة- وهو ما منح لبورجوازي زماننا صورة "المثقف الإنساني" المتشيع لستيينر وبرغسون وفرويد، وكذا المعابد الثلاث التي يعتنقها و يقدسها : أي السحر، والغريزة، والجنسية. بقدر ما يصح ان هناك حيث لا يقدم التاريخ أي منظور، فقد تم الاكتفاء بالطرق المسدودة حيث تعاش الحياة الفاقدة لكل معنى في عزلة.
الفرويدية التي تعتبر الإيديولوجيا ومعها التنظيم الاقتصادي للمجتمع بنية فوقية للبنية النفسية المستبطنة ، وأن الصراع بين الطبقات بالنسبة لها هو صراع بين الشعور واللاشعور، واعتبار الرأسمالية تسامياً لإيروسية شرجية ! تكون العقيدة الفرويدية ليست اكثر من محاكاة ساخرة ومقلوبة للماركسية. أما عن آلية تشكيل الأيديولوجيات في حد ذاتها ، فإن التحليل النفسي يحصرها في الحدود الضيقة للذاتية الفردية ، بينما ترى فيها الماركسية آلية اجتماعية موضوعية ، تفترض تفاعلاً بين الافراد داخل جماعة منظمة اقتصادياً. وطبيعي أن تعجز السيكولوجيا ومعها الفيزيولوجيا عن تفسير ذلك ومعها السيكولوجيا الذاتوية، خاصة وان أبسط ملفوظ من تلفظاتنا وردود أفعالنا اللفظية يرتبط بالبنية الاجتماعية الاقتصادية ويتجاوز بالتالي إطار جهازنا العضوي الفردي.
إن الماركسية لا تحمل الذاتية مسؤولية تشويه الوعي، إن عوامل تشويه الوعي هي عوامل اجتماعية- اقتصادية وعوامل طبقية ، إضافة إلى ربطها الإيديولوجيا بكل ما هو ذاتي. العقيدة الفرويدية تعادي بشدة الماركسية من خلال ذلك الحرص البورجوازي الصغير الصرف والسوقي الذي يجعل الفرويدية تحط من "العظيم" و "المثالي" واختزالهما في "الخِسّة" و"الحيوانية" التي تتفرد في تمثيلهما بصفة المبدأ بواسطة عالم اللاشعور القاهر، الذي يقع خارج التاريخ والزمن ، مما يتلخص في تأويلهما بمعنى روحاني محض. وفضلاً عن ذلك، ليس هذا حال العقيدة الفرويدية لوحدها، العدمية الروحانية ، (أو الكلبية الروحانية) هي خاصية مميزة لبورجوازية عصرنا. والشاهد على ذلك روحانية برغسون الذي لا يعدم بدوره نصيباً من العدمية ، حينما يستحضر "الاندفاع" البيولوجي في أعماله المعادية للعقل وللأشكال التي تتخذها الثقافة. أو حينما يمجّد الغريزة . وروح الحط العدمية ، المقرونة بالروحانية ، التي صنعت نجاح الفرويدية في الأوساط البورجوازية الصغيرة. بالتالي هناك بون شاسع بين التأويل الماركسي لصيغة "الكائن يحدد الوعي" وهذه العدمية الروحانية .
إن الآلية الفرويدية الخاصة بتشكيل الإيديولوجيات (التي نعلم أنها تفيد ايضاً في تشكيل الأحلام والأعراض العصابية ) آلية ذاتوية ، فردانية وروحانية . وبما أنها تؤدي إلى سحب حياة ذاتية مفردة ومنكمشة على نفسها وراءها ليس إلا ، فإنها لا تمت بصلة إلى الآلية الموضوعية ، الاجتماعية- الاقتصادية لصراع الطبقات ، الذي يحدد حسب المذهب الماركسي، الانقسام الأيديولوجي للفرد عبر الوعي.
أما عن المحاولات لربط الفرويدية بالمنعكس الشرطي أو نظرية الارتكاس ، وبعد إخضاع الآليات الفرويدية الأساسية لنظرية الارتكاس ، فإن المقولة المركزية في التحليل النفسي-أي اللاشعور- تصير بطبيعة الحال بلا جدوى تماماً . وأخيراً ، بعد إخضاع الفرويدية وصياغتها ارتكاسياً ، يلجأ أصحاب النظرية الارتكاسية إلى الاجراء الحسابي المتمثل في البرهان بالخلف ويصوغ النظرية الانعكاسية فرويدياً (بتطبيقها على الكلب ، فإن الآلية الفرويدية تتخذ مظهراً طريفاً للغاية ؛ حيث الكلب المربوط يعاني من كبت جنسي!). إن الارتكاسية ليست سوى فرع من علوم الفيزيولوجية وتطويرها يحتاج لجهود بهذا الاتجاه. إن الصراعات النفسية التي يتحدث عنها فرويد هي أحداث اجتماعية موضوعياً منعكسة إيديولوجياً . إن المظهر الذاتي لنفسيتنا كله ، أي الذي يتعامل معه فرويد بالتحديد، يشكل انعكاساً ايديولوجياً لهذا الكيان الاجتماعي . إن الصوغ الانعكاسي للفرويدية هو فرويدية محرومة من مقولة اللاشعور ، ومن الجنسانية ، ومن نظرية الغرائز ، بالتالي من محتوى اللاشعور، تفقد عقدة أوديب وعقدة الخصاء ، وعلم أحلام بلا أنا ولا هو ، باختصار فرويدية بلا فرويدية. إن تأويل العامل النفسي بصفته "انعكاس بيولوجي" أي تأويل العامل نفسه بصفته مجموعة من الارتكاسات الشرطية، في حياة الكائن العضوي ، نعتبرها خطأ جذري ، فالشعور أو النفسية عموماً يجب فهمهما في خصوصيتهما الكيفية ولا ينبغي اختزالهما إلى ارتكاسات شرطية. لأن آلية الارتكاس الشرطي تنمو في حضن كائن عضوي فردي ، مفهوم بالمعنى البيولوجي الخالص ، وفي وسط فيزيقي خالص . وجراء ذلك وبعد تطبيقها على الانسان ، فهذا معناه تجريد نفسية الانسان من شرطها الاجتماعي الاقتصادي المعقد ، ومن الإيديولوجيا الخاصة الناجمة عن ذلك ، والتي هي مادة بناء الكلمة ، والحركة الدالة.
الخلاصة: التحليل النفسي مذهب شاسع يمتلك نوعاً من العمق ، لديه وحدته العضوية ، وهو لا ينفصل عن المقدمات التي ينبني عليها الوعي الطبقي للبورجوازية الأوربية مطلع القرن العشرين ، إنه دم الإيديولوجية البورجوازية المتفسخة والمنحطة ، وهو يندمج مع التيار الرئيسي للفكر الأوربي البورجوازي للفترة نفسها.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول