الدفاع الاجتماعي بين التعليم والقضاء

سالم روضان الموسوي
2020 / 5 / 13

إن مفهوم الدفاع الاجتماعي هو مُصطلح تناوله علم الاجتماع وأشار إليه المختصون، هو العمل المدني الذي يقوم به المجتمع لمواجهة اعتداء يهدد كيانه سواء كان التهديد من أفراد في حالة الجريمة أو في شكل جماعات منظمة مثل المافيات وحتى أنظمة الحكم الاستبدادية او الديكتاتورية، ويعتبر مفهوم الدفاع الاجتماعي من المفاهيم المتشعبة والتي ترتبط بأكثر من مجال علمي ونشاط اجتماعي، إلا إن الغالب عليه ارتباطه بالسياسة الجنائية وبعلم الاجتماع الجنائي الذي هو من فروع علم الاجتماع، ولست بصدد مناقشة ذلك واترك الأمر لمن يريد المزيد بالرجوع إلى كتب الاختصاص، لكن ما لفت الانتباه إن الدفاع الاجتماعي الذي شاع استخدامه باعتباره من وسائل الحماية للمجتمع قد اثبت انه الوسيلة الوحيدة والفعالة لتحقيق الأمن الاجتماعي، ولم يقتصر دوره على عزل المجرم ومعاقبته، وإنما اخذ أشكال وصور متعددة منها تقديم الخدمة الاجتماعية الطوعية والقسرية، والشاهد على ذلك، الأزمة الخانقة الحالية التي تمر بها الإنسانية من جائحة كورونا، وكيف نهضت المجتمعات من تلقاء نفسها للدفاع عن وجودها عبر إدامة زخم الحياة في التكافل الاجتماعي والعمل التطوعي الجماعي والمبادرات الفردية والجماعية لمواجهة نقص الغذاء ونقص الموارد الصحية وتوفير الأمن وغيرها، وفي العراق كان لتلك المبادرات اثر في تخفيف العبء على المواطنين المصنفين في خط الفقر أو أصحاب الأجور اليومية من الكسبة والعمال وغيرهم بعدما فشلت الدولة بذلك، مثلما كان لها اثر واضح في حماية المجتمع بعد سقوط الدولة والنظام عام 2003 حيث برزت وحدات الحماية الاجتماعية الذاتية وسيرت الأمور إلى حين وصول النظام الحالي إلى سدة الحكم، لذلك يعتبر الدفاع الاجتماعي من أفضل السبل لمواجهة الإخطار التي تحيق بأي مجتمع، والمفروض أن تهتم به الانظمة وتعزز من أسباب قوته ، وان توفر له الإمكانيات اللازمة، سواء بوجود بيئة تشريعية مناسبة عبر إصدار قوانين ذات صلة توفر الدعم لمبادرات الدفاع الاجتماعي، أو إيجاد موارد بشرية ومالية، وكذلك بيئة قضائية تدرك معنى الدفاع الاجتماعي عبر توفير الكوادر المدربة على كيفية التعامل مع تلك الوسيلة سواء في الأزمات أو في الظروف العادية، وان يكون الاهتمام متواصل ولا يقف عند الأزمات وينتهي بانتهائها ، لان الدفاع الاجتماعي بمثابة الحماية الذاتية التي يتوفر عليها جسم الإنسان فانه يتعرض إلى الخطر عندما تضعف تلك الحماية ويصبح واهن ومعتل، وهذا يقودنا إلى ملاحظة اي كلفة يتحملها المجتمع عند توفير تلك الوسيلة الحمائية وهل تشكل عبء على الدولة ، أم إنها تكون اقل بكثير من معالجة أثار الأخطار التي تظهر من جراء ضعف الحماية بالدفاع الاجتماعي أو انعدامها، فإذا كان مجرد توفير وسائل الحماية عبر العقوبة على الجاني فإننا لم نحمي المجتمع من وقوع الجريمة وإنما زدنا الكلفة عليه بوقوع الجناية والضرر الذي ترتب عنها، وكلفة إعادة تأهيل المجنى عليه وتعويضه ، وفي العراق لاحظنا حجم الأموال التي صرفت وأنفقت على ضحايا الإرهاب سواء من الدولة وأنظمتها منذ 8/شباط/1963 وكذلك منذ عام 1969 وعلى وفق ما جاء في المادة (5) من قانون مؤسسة السجناء السياسيين ومن ثم تعويض ضحايا الارهاب بعد عام 2003 ، او من جراء الأعمال الإرهابية، وهذه الأموال قد أثرت على تنفيذ الخطط التنموية للنهوض بالبلاد، كذلك حجم الأموال التي سرقت عبر بوابة الفساد المالي والإداري والحال الذي وصل إلى عدم إمكانية تامين الرواتب التقاعدية لشريحة كبيرة من المصنفين بالفقراء، فهذه كلف كبيرة جداً وباهظة، حتى لو ان القضاء تعامل معها على إنها جرائم وعاقب مرتكبيها بأشد العقوبات، فان هذا الإجراء هو بحد ذاته كلفة إضافية، سواء من حيث قيمة الأموال المخصصة للمؤسسات القضائية التي تتولى تطبيق القانون او من جهات الرقابة الأمنية والإدارية او قوات إنفاذ القانون، أو الأموال المخصصة لدوائر الإصلاح التي هي دوائر عقاب فقط ولا إصلاح فيها وهي السجون وإنما أصبحت مفاقس لأجيال من المجرمين، لذلك فان اعتبار محاربة تلك الجريمة في مجال القضاء فقط، هو غير فعال لأنه يعاقب ولا يصلح ولا يقي المجتمع من وقوع الجرائم عليه، مع كلفته العالية والباهظة، لكن لا مناص من وجود الدفاع الاجتماعي وهو آلية تظهر في المجتمع تلقائيا لمواجهة أي خطر يهدده سواء كانت الدولة متواجدة وقائمة او غائبة، فهذه الوسيلة من الممكن أن نوفرها للمجتمع وبكلفة اقل كثيراً من كلفتها العقابية، وان نهتم بحماية الأفراد من الجنوح إلى الجريمة قبل وقوعها عبر البرامج التربوية والتعليمية الصحيحة لان وجود مجتمع متعلم كفيل بتقليل فرص نجاح المجرم في تنفيذ في فعله الإجرامي ، سواء كانت الجريمة فردية او جماعية تقوم بها الأنظمة الدكتاتورية وبكل مسمياتها الحزبية والمجتمعية والدينية وغيرها من أساليب التمويه والاحتيال، ويقول المفكر الايرلندي ادموند بيرك (التعليم هو الدفاع الرخيص للأمم) بمعنى إن كلفة التعليم اهو أفضل وسيلة لانها بكلفة اقل سوف تعطي لنا مجتمع متعلم غير جاهل يستطيع حماية نفسه من أعضائه الذين يصيبهم داء الجنوح نحو سرقة المال العام والخاص أو الذين يصيبهم حب التسلط والتفرد والتكبر على أقرانهم من طائفة وظائفهم، لان الجاهل هو أفضل وسيلة للأجرام والمجتمع الجاهل هو البيئة الأفضل التي تنبت فيها العبودية لأنها تنبت في أي تربة تتوفر لها وكما يقول بيرك (العبودية نبتة ضارة تنمو على كل تربة)، لكن كيف لنا ان ننهض بالتعليم، ونحن نرى إن أعداد الصحاب الشهادات في تزايد ونمو مضطرد وان مفاصل الدولة فيها عشرات الآلاف من الأشخاص أصحاب الشهادات والتحصيل العالي ، ومع ذلك فان الفساد قائم ومستشري وعلني وعلى رؤوس الأشهاد، وفي هذا الصدد أرى إن التعليم هو ليس الحصول على شهادة فقط ، وإنما التعليم هو وجود قطاع تربوي حقيقي يتولاه من آمن بالتعليم باعتباره رسالة الأنبياء، وتكليفهم الرباني، وفي القرآن نجد إن الله بدأ خطابه إلى النبي الأكرم ( أقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (، وقد يقول المعترض ومن أين لنا بهؤلاء المعلمين المؤمنين برسالة التعليم ، وأقول ان المقصود ليس فقط بالمدارس وإنما في كل القطاعات لابد من وجود من يؤمن بالتعليم، ولا تخلو طائفة وظيفية أو صنف من صنوف العمل في الدولة من الحاجة إلى التعليم المستمر والمتواصل والبحث العلمي، وفيها طاقات كبيرة ونافعة ومؤمنة برسالتها وإيمانها بالله وبخدمة الناس، لكن نحتاج قبل ذلك أن نمكن أهل الاختصاص وان نقدمهم على أهل المحسوبية في تقلد الوظائف، لان بقاء الحال في التعيين وتقلد المناصب على أساس التملق والتزلف وتحقيق الرغبات الشخصية لفلان المتنفذ والمتحكم، سوف لن يؤدي إلى وجود مجتمع سليم ونقي من الظواهر الفاسدة، ويقول بيرك (كل ما يلزم لقوى الشر كي تنتصر في العالم هو عدم قيام الجيدين بما يكفي لأي شيء)، وفي هذا القول إشارة إلى أن نقف بوجه الانحدار الوظيفي حتى نحمي مجتمعنا من السقوط نحو الهاوية، لان من أسباب سقوط الدول والمجتمعات ما رواها أمام المتقين وقائد المصلحين الإمام علي بن ابي طالب (ع) بقوله (يستدل على إدبار الدول بأربع: تضييع الأصول، والتمسك بالفروع، وتقديم الأراذل، وتأخير الأفاضل) ، وفي وقوله (ع) إشارة واضحة إلى أن عدم الاهتمام بالطاقات والكفاءات والاعتماد على أراذل القوم وهم المداحون والطبالون والانتهازيون في تقلد الوظائف، تعتبر من أهم أسباب الفشل، وهذا فعلاً ما يحصل الآن في العراق مع الآسف، لذلك نأمل أن يلتفت الشعب إلى إن يوفر لنفسه الحماية والدفاع الاجتماعي عبر اختيار الصالح عند حصول الانتخابات المقبلة وان يتم الضغط السلمي لتغيير آليات الانتخاب حتى نضمن وصول الجيد وطرد الخبيث، كذلك على الشعب حماية التعليم وجعله من أهم ما تهتم به الفعاليات الاجتماعية، لأنه أمضى حتى من القضاء في معالجة الأخطار التي تحيق بالمجتمع، لان التعليم دوره وقائي ويكون قبل وقوع الجريمة والضرر، بينما القضاء يأتي لاحقاً عليها ومهمته معاقبة ومساءلة الجاني في ضوء القانون النافذ، وعادة ما يكون القانون وسيلة الأنظمة الشمولية والديكتاتورية، وما حصل في العراق خير شاهد حيث شرعت قوانين لحماية مصالح فئوية وفي النظام السابق وجدت القوانين لحماية السلطة والتضييق على الشعب وكانت أحكام الإعدام تصدر باسم القانون، وكذلك حماية بعض الفاسدين من خلال شمولهم بقوانين العفو العام والخاص وغيرها من الوسائل التشريعية.
القاضي
سالم روضان الموسوي.
4