محطات تلفزيونية أم دكاكين خردة؟ مقال في تعذّر صناعة دراما جزائرية

ياسين سليماني
2020 / 5 / 10

في كل موسم رمضاني تطل علينا حماسة الفايسبوكيين الذين يتحولون فجأة إلى نقاد يضطلعون بمهمة تحليل الأعمال الدرامية وجدارة الممثلين بلقاء السيد جمهور من عدمها، علينا أولا أن نعترف بأن الجمهور يمتلك ذائقة لها أهميتها، فالمحطات ومنصات البث التي تزداد انتشارا أتاحت له تجربة طويلة في استهلاك الأعمال الفنية والقدرة على الحكم على جودتها وقيمتها ولو بشكل انطباعي ينقصه الضبط. غير أن هذا الجمهور نفسه هو الذي يحاكم في كل عام أعمالا ومحطات تلفزيونية بعينها والمشاهد الجزائري الذي لا يعرف رقم المحطات الجزائرية في شاشة بيته يتحول إلى متابع شرس لما تقدمه هذه الأقنية في رمضان. وهو لا يكتفي بالمشاهدة ولكن يضع في يده آلة تحكم وبيد أخرى هاتفه ليبدأ بالتعليق على المشاهد التي رآها.
آلاف الساعات الدرامية التي تمتلئ بها الأقنية المختلفة. في قمر صناعي واحد مثل النيلسات عدة مئات من المحطات التلفزيونية يبث الكثير منها على مدار اليوم أعمالا درامية، سلاسل وأفلاما، وعلى اليوتيوب عشرات الآلاف وأكثر من المواد المتنوعة، وعلى المنصات الإلكترونية المختلفة ما يزيد عن هذا عددا ونوعية بمختلف اللغات والأجناس ومع ذلك فإنّ المشاهد يقبل أن يشاهد على مضض أعمالا رديئة ليؤكد لنفسه وأصحابه في كل مرة أنه كان على حق عندما يقول أنّ الأعمال المحلية رديئة كالعادة. التلفزيون الجزائري والقنوات الخاصة في البلاد ليست ضمن مقررات التعليم إن لم تشاهدها تسقط في الامتحان وليس ضمن الوصفة الطبية، فقد تقبل أن تشرب دواء مرا لأنه يعيد إليك صحتك أو يحافظ عليها، لكن واقعيا فالكثير من الأعمال التي يقدمها الإعلام الجزائري يشبه الطبخة البائتة أو كالطعام المسموم، لذلك فالأفضل للذائقة والنفس أن تظل هذه القنوات بعيدة عن الاستهلاك الآدمي، إنها مضرة بالصحة العقلية والنفسية. لا يعقل أنّ الإعلام الجزائري لا يزال مبتدئا، ولا يعقل أن يبقى كالتلميذ الفاشل المتهوّر لا يريد أن يتعلم من الدروس ويسقط في أبسط الامتحانات، امتحان الثقة فضلا أن يحلم الجزائريون أن يأتي يوم تتدخل فيه أعمال جزائرية المنافسة على جذب المشاهد وتنجح أمام أعمال من جنسيات أخرى.
تعاني الأعمال الفنية الجزائرية من مشكلة جذرية، هي مشكلة بنيوية في الأساس ويجب على صناعها أن يفهموا جيدا أنّ الدراما صناعة حقيقية لها شروطها "الصارمة"، وليست ممارسة تلقائية استعجالية. إنّ العمل الفني محكوم بالتخطيط المسبق قبل شهور وأحياناً سنوات من قبل فريق من الحرفيين الذين يمتلكون خبرة كافية: إنتاج وكتابة وإخراج وتصوير ومونتاج وهندسة صوت وفنني إضاءة وموسيقى، وليس الممثل الذي يظهر في الواجهة في العادة إلاّ جزءا من هذه التوليفة كلها ونجاحه موكول بتضامن كل العناصر ونجاحها في خلق صورة فنية جمالية.
عندما يدرك الجزائري مفهوم "الوفرة" الذي ينادي به بعض النفسانيين، سيعرف أنّ الساعة الزمنية الواحدة أهم وأثمن من أن يقضيها بحثا عن عمل لا يمكن أن يكون في الغالب ولو متوسطا بينما يعج العالم بالأعمال الجيدة. أليس الأفضل أن نذهب إلى المحترفين من أن نذهب إلى دكاكين الخردة المسماة زورا بمحطات أعلامية؟ !
لا ينطبق مفهوم الوفرة على النقاد ولا الصحافيين الذين يكتبون في المجال الفني. في النقد نحن ننجز "عملا"، نحن نشاهد مادة درامية للكتابة النقدية عنها بالمعايير والشروط التي يحتكم عليها المشتغلون بهذا المجال، بقطع النظر إن كان العمل يستهوينا كمشاهدين كل مفرداته أو بعضها أم تزعجنا كلها أو بعضها. وقد يكون الناقد محكوما هنا بظرف خاص كأن يكون عضوا في لجنة تحكيم مسابقة، فهو ملزم بمشاهدة كل العروض المقترحة وتقييمها بغض النظر عن التفضيلات الجمالية التي تقوم عليه اختياراته الفرجوية التي عموما ما تكون ثابتة وطويلة الأمد لأنماط معينة من الأفلام والممثلين والمخرجين، كما قد يكون الصحافي موفدا إلى مهرجان أو موكلا له كتابة تقرير عن شبكة برامجية رمضانية فيلتزم بالمشاهدة مع أنه قد يجد فيما يشاهده الكثير مما لا يفضله تماما مثل تغطية برنامج حزب يميني من قبل صحافي يساري وتماما كما يفعل الصحافي الرياضي مع كل الفرق سواء كان يناصر هذا الفريق أم لا يناصره والأمثلة أكثر من العد.
يسقط التلفزيون الجزائري والمحطات المسماة خاصة -ومنذ سنوات- في أية تجربة تنافسية. وعدا بعض الأعمال لأسماء قليلة مرت على التلفزيون مثل جمال فزاز وجعفر قاسم لم تستطع الدراما المقدمة للجزائريين أن تضمن وفاءهم لها إلى النهاية. في السابق كانت المقارنة تتم مع الدراما المصرية، ثم صارت المقارنة مع المصرية والسورية وقبل سنوات قليلة دخلت الأعمال التونسية في البرنامج الرمضاني لدى قطاع واسع من المشاهدين، هكذا رأينا نجاحا كبيرا لسلسلة نسيبتي العزيزة (إخراج صلاح الدين الصيد) ثم دار الوزير( إخراج الصيد أيضا) وصولا إلى "أولاد مفيدة" (إخراج سامي الفهري) علينا ألا ننسى ملاحظة مهمة، الدراما التونسية استطاعت أن تصدّر للعالم العربي مخرجين مهمين مثل الراحل شوقي الماجري (مسلسل نابوليون والمحروسة –رمضان 2012-واحد من العلامات المضيئة في الدراما المصرية) ومجدي السميري (أخرج في رمضان الحالي المسلسلَ السوري "النحات") وأغلب هذه الأعمال أصيلة مبدعة ومخلصة لثقافتها المحلية. لم تحتج الدراما التونسية إلى استيراد نماذج عربية أو غربية ولكنها بلا شك أفادت من حرفية صنّاعها وقراءة جيدة للممارسات الفنية في محيطها الخارجي وحولتهما إلى قوة ذاتية برزت بشكل جدّي وجذاب.
في رمضان الماضي (2019) أبدى الجمهور حماسا تجاه مسلسل :"أولاد الحلال" الذي استطاع أن يقدم دراما مقبولة على الرغم من مجموعة الهنات البنيوية على مستوى السيناريو نفسه وفنيا على مستوى التمثيل والمونتاج، وعادت الأعمال الجزائرية إلى ضعفها مع رمضان الحالي وهو الموسم الذي شهد حضور دراما ليبية لأول مرة بعنوان "الزعيمان" نالت استحسانا كبيرا. بمعنى أن الجزائريين فشلوا حتى في تقديم عمل يحفظون به وجوههم أمام جيرانهم الذين لم يكن لديهم إلى وقت قريب دراما تستحق المشاهدة بهذه الكثافة وخارج حدود بلادها ! في مقابل ذلك وجد الجمهور نفسه أمام أعمال "غبية" باهتة يصل بعضها إلى توريط نفسه في سجالات مجتمعية كان التحلي ببعض المنطق والذكاء وعدم التسرع يعفيها من السقوط في الابتذال والجلد. لم يعد مطلوبا من الجزائريين أن يجعلوا من الدراما المصرية والسورية مثالا لهم بل عليهم الاحتذاء بالتجربة التونسية الواعدة التي تبشر في السنوات القليلة القادمة بمزيد من اللمعان.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول