تاريخ قانون اجتثاث البعث 2003-2020

ابراهيم خليل العلاف
2020 / 5 / 9

استاذ التاريخ الحديث المتمرس –جامعة الموصل
ثمة مقولة سمعتها بعد الاحتلال الاميركي للعراق ودخول الاميركان بغداد يوم 9 نيسان سنة 2003 وإسقاطهم نظام الحكم القائم آنذاك ، وهي " أن ميشيل عفلق أسس حزب البعث العربي الاشتراكي وصدام حسين سخره لصالحه ، وقانون اجتثاث البعث أعاده الى الواجهة " ...سمعت هذا مع أنني – كمؤرخ مهتم بتاريخ العراق والوطن العربي المعاصر – أعرف تاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي ودوره في تاريخ العراق السياسي الحديث وخاصة من اواسط الخمسينات من القرن الماضي حتى الاحتلال الاميركي للعراق .
ما يهمني في هذا المقال أن أتحدث عن تاريخ ما سمي ب ( قانون اجتثاث البعث ) وكيف تم تطبيقه وعلى من ؟ ولماذا لم يتحول ليكون قرارا قضائيا ، وانما استخدم كسلاح بيد من تسلم السلطة بعد الاحتلال وتحول فيما بعد الى ماسمي ب (قانون المساءلة والعدالة ) .
وأكتب هذا لأقول ، أنني ليس مشمولا بالقانون ، والقانون لايزال نافذ المفعول مع وجود اعتراضات من بعض القوى السياسية ومن بعض الشخصيات في الخارطة السياسية والحزبية العراقية المعاصرة تدعو الى تحويله الى القضاء أو الغاءه بعد مضي قرابة (17) سنة على انتها حكم حزب البعث في العراق .
ولااريد - في هذا المقال – أن ادخل في تاريخ حزب البعث في العراق فلهذا مكان آخر ، لكني وبقصد وضع الموضوع في إطاره التاريخي أقول ان حزب البعث تأسس في السابع من نيسان سنة 1947 في دمشق كحزب له أهدافه القومية في الوحدة والحرية والاشتراكية ، وانه وجد له طريقا في معظم البلدان العربية ومنها العراق ، واصبحت له خلايا في الخمسينات من القرن الماضي أبرزها خلية في كربلاء أسسها الدكتور سعدون حمادي ، وخلية في الناصرية أسسها الاستاذ فؤاد الركابي مع ملاحظة ان الموصل عندما أُسست الخليتان كانت ذات توجه قومي عربي - اسلامي .
وكان لحزب البعث بعد ان اتسعت خلاياه وفروعه ، حزبا قوميا انتشرت افكاره في كثير من المدن العراقية او لنقل معظمها وصار له وجود في الجيش وكان ركنا أساسيا في (جبهة الاتحاد الوطني ) التي تأسست سنة 1957 وضمت احزابا ليبرالية مثل حزب الاستقلال والحزب الوطني الديموقراطي فضلا عن الحزب الشيوعي .
وكما هو معروف فإن جبهة الاتحاد الوطني تعاونت مع تنظيم الضباط الاحرار ، وكانت ثمرة التعاون ثورة 14 تموز 1958 . وفي 1963 قام حزب البعث بإنقلاب عسكري يوم 14 رمضان الموافق لليوم الثامن من شباط – فبراير سنة 1963 .
وبعد فترة انقلب رئيس الجمهورية المشير الركن عبد السلام محمد عارف على حزب البعث ، فأزاحه عن السلطة يوم 18 تشرين الاول 1963 وتسلم السلطة الى ان قتل في حادث سقوط طائرته في البصرة سنة 1966 وتولى الحكم بعده شقيقه الفريق عبد الرحمن محمد عارف والذي ازيح من قبل حزب البعث عن السلطة في إنقلاب عسكري يوم 17 من تموز 1968 واستمر حزب البعث في الحكم حتى الاحتلال الاميركي للعراق 2003 .
بعد الاحتلال الاميركي عين السفير بول بريمر L.Paul Bremer بمنصب رئيس (سلطة الائتلاف المؤقتة) Administror Coalition Provisional Authority (CPA) .
وقد صدر نظام سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (1) يوم 23 من ايار – مايس – مايو 2003واقر بأن " تمارس السلطة الائتلافية سلطات الحكومة مؤقتا من أجل إدارة شؤون العراق بفعالية خلال فترة الادارة الانتقالية بغية إستعادة أوضاع الامن وايجاد الظروف التي تمكن شعب العراق من تحديد مستقبله السياسي بحرية . كما تقوم بتحسين وتعزيز الجهود المبذولة لإعادة بناء وتأسيس المؤسسات الوطنية والمحلية الرامية لتمثيل فئات الشعب ، وتسهيل الجهود المبذولة لإنعاش النظام الاقتصادي ، وإعادة البناء وتحقيق التنمية القابلة للاستمرار " .
كان اول قرار اتخذته سلطة الائتلاف المؤقتة هو القرار رقم (1) الصادر يوم 16 من ايار 2003 بعنوان ( تطهير المجتمع العراقي من حزب البعث ) . وكان القرار ينص على قيام السلطة الائتلافية المؤقتة في العراق " بحل حزب البعث العراقي يوم 16 نيسان –ابريل 2003 وينفذ هذا الامر عن طريق إلغاء هياكل الحزب واطاراته وإقصاء قياداته عن مراكز السلطة والمسؤولية في المجتمع العراقي ..." .
وقد تم بموجب هذا الامر " إقصاء كبار أعضاء حزب البعث العراقي عن مراكزهم " وكان يقصد بعبارة ( كبار اعضاء حزب البعث العراقي" اعضاء القيادة القطرية واعضاء الفروع والشعب والفرق ) وتم " منعهم في المستقبل من العمل في أي وظيفة في القطاع العام ،وانهم سيتعرضون للتحريات ولتقييم مدى ما ارتكبوه من ممارسات اجرامية او ما يشكلونه من خطر على أمن الائتلاف ..." .
وأعطى الامر لمدير سلطة الائتلاف السفير بول بريمر أو من يخوله نيابة عنه "منح الاستثناءات مما ورد في هذا الأمر على اساس دراسة كل حالة على حدة " .
وبالفعل فقد أُستثني أعضاء الفرق من الحظر .كما استثنيت حالات منها حالات لبعض اعضاء الشعب في بعض المناطق كما هو الحال في بعض المحافظات وخاصة من اساتذة الجامعة .
وصدر أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (4) الخاص بإدارة ممتلكات واموال حزب البعث العراقي في 25 من ايار –مايس - مايو 2003 . وفي اليوم نفسه صدر أمر سلطة الائتلاف رقم (5) الخاص ( بتأسيس المجلس العراقي لتطعير المجتمع العراقي من حزب البعث ) . وأقر الأمر تكوين المجلس من " مواطنين عراقيين يختارهم مدير سلطة الائتلاف المؤقتة" أي السفير بول بريمر ، ويحدد عدد اعضاء المجلس على الا يتجاوز عددهم (20) عضوا وتولى الامر الدكتور احمد الجلبي وهو احد معارضي النظام السابق الذين جاؤوا مع قوات الاحتلال الاميركي .
كان الأمر الذي أصدره السفير بريمر يقضي بأن يتم الاجتثاث (قضائيا) وتتم المحاسبة قضائيا إلا ان الأمر لم يكن كذلك اذ اصبح الامر سيفا مسلطا على الرقاب ، فمن أرادوا اعفاءه من البعثيين أُعفي ومن لم يريدوا ظل بعيدا وحرم من كل حقوقه ثم صدرت تعليمات بمنحهم الحق في ان يقدموا الطلبات لتكون لهم رواتب تقاعدية وقسم منهم اغتيل وقتل ، وقسم قدم طلبه فمنح رواتب تقاعدية أعتقد انها قليلة ولا تتلاءم مع شهاداتهم أو خدمتهم في الدولة .
القصة تحتاج الى سرد مطول ، والى تفاصيل لكن ما دعاني الى كتابة هذا المقال ذو الطابع التاريخي العلمي ، هو ما قرأته قبل ايام من تصريحات ل( رئيس هيئة المساءلة والعدالة) ، وهو الاسم الذي اصبحت تعرف به (هيئة اجتثاث البعث) السابقة الاستاذ باسم البدري في جريدة (الصباح ) البغدادية (العدد 4807) الصادر في يوم الثلاثاء 28 من نيسان – ابريل 2020 . وسبب التصريحات وظرفها هو قيام الهيئة بتدقيق قوائم تتضمن أسماء مرشحين ومرشحات للتشكيلة الوزارية التي ارسلها رئيس الوزراء المكلف الاستاذ مصطفى الكاظمي (قبل تسلمه رئاسة الوزارة واداءه اليوم الدستورية مساء يوم الاربعاء 6 من مايس – ايار 2020 ) ، وكشفه عن وجود " اكثر من مليون قيد يتعلق بالبعثيين ".
وأوضح ان آلية تدقيق الاسماء المرسلة من قبل المكلف تتضمن الاسم الرباعي والتولد ومحل السكن وتتم مطابقتها بقاعدة البيانات المتوفرة عن الهيئة لجميع الكادر الحزبي قبل 2003 ، وجميع منتسبي الاجهزة الامنية .
كما اشار الى أن إجراءات (هيئة المسائلة والعدالة ) قانونية ، منظمة بقانون ، وجزء من مهام عملها تدقيق اسماء المرشحين للمناصب العليا موضحا ان المسؤول الذي تنطبق عليه اجراءات المساءلة والعدالة يُمنع من الترشيح .
ولفت رئيس هيئة المساءلة والعدالة الى ان عملية الاستثناءات من اجراءات المساءلة والعدالة ، مسألة قانونية بعيدة عن الاجتهاد ،مبينا ان المادة ال ( 12) من قانون المساءلة والعدالة وهو القانون الذي حل محل قانون اجتثاث البعث الذي أصدره السفير بول بريمر سنة 2003 والذي اشرنا اليه آنفا ، تسمح للوزير المختص بتقديم طلب للتنسيق مع مجلس الوزراء استثناء الاسماء المرفقة يوضح الحاجة الضرورية لخدماتها لتتم الموافقة عليها وفق آليات محددة .
واتذكر ان رئيس هيئة اجتثاث البعث السابق الدكتور احمد الجلبي كانت لديه ايضا حرية في الاستثناء من الاجتثاث . وقد استفاد منها البعض ممن كان يعمل عضو شعبة في حزب البعث . وقد استطاع بعض المسؤولين من الاستفادة من هذه الاستثناءات في حينها بينما عجز مسؤولون اخرين عن تقديم طلبات الاستثناء لمن كانوا بدرجة اعضاء شعبة او فرع او مكتب . ومعنى هذا ان المساواة بين من شملهم الاجتثاث لم تكن متحققة .
ويبدو ان ( قانون المساءلة والعدالة ) الجديد رقم (10 ) لسنة 2008 وهو الذي حل محل ( أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (1) لسنة 2003 لتطهير المجتمع العراقي من حزب البعث ) ، والذي حَلَ بموجبه السفير بول بريمر ما اسماه ب(حزب البعث العراقي ) ، نظم آلية التعاون بشكل تفصيلي عن قانون اجتثاث البعث الذي عمل بآليات غير واضحة ، وحدد حقوق الفئات المشمولة من بينها حق العودة للوظيفة بمستويات من حيث الاعادة والاحالة على التقاعد على ان يستثنى منه من كانوا يسمون (فدائيو صدام ) في زمن الحكم السابق للاحتلال .
ووضح رئيس هيئة المساءلة والعدالة مسألة مهمة وهي ان " قانون المساءلة والعدالة منع مشاركة البعثيين في إدارة الدولة ، لكنه ضمن الحقوق والواجبات من حيث الاعادة والاحالة على التقاعد " ...ورسم القانون الجديد الاجراءات ووضع آليات الطعن والذهاب الى القضاء وما يصدر منه أي من القضاء يصبح مُلزما " .
ولكن هل ان القانون يستخدم في بعض المناطق اداة َ للضغط ؟ نفى رئيس هيئة المساءلة والعدالة الحالي كذلك وقال انه توجد مناطق في العراق تتعاطف مع البعثيين في حين توجد مناطق أُخرى لاتتعاطف معهم . وقال ان الحكومات السابقة لم تضغط على الهيئة من اجل اصدار استثناءات لبعثثين مشمولين بالاجراءات .لكنه استدرك ليقول ان هيئة المساءلة والعدالة استثنت فقط منذ سنة 2014 ولغاية سنة 2000 بحدود ( 200) شخص وهذا فرق مابين الاستثناء والإعادة الى الوظيفة .
حقائق اخرى ذكرها رئيس هيئة المساءلة والعدالة تفيد المؤرخ مستقبلا ، وهي ان (هيئة المساءلة والعدالة ) لديها اكثر من (مليون ) قيد يتعلق بالبعثثين من درجات حزبية مختلفة ، وتشكيلات أمنية عديدة وما كان يعرف بفدائيي صدام وان هيئة المساءلة والعدالة أحالت اكثر من (115) الفا منهم على التقاعد لغاية سنة 2018 علاوة على ما اسماه استمرار (قوائم المصالحة)
وقال ان هيئة المساءلة والعدالة اصدرت ( 53 ) قرارا باعادة بعثيين الى الوظيفة ، وكل قرار كان يشمل مابين ( 1000- 1500 ) شخص . كما تم اصدار (36) قرارا بالاحالة على التقاعد .
نقطة اخرى اشار اليها رئيس هيئة المساءلة والعدالة الحالي ، وتفيد المؤرخ في قابل الايام عندما يكتب تاريخ العراق المعاصر منذ سنة 2003 وهي " ان قانون المسالة والعدالة لايعمل في اقليم كردستان العراق ولاتوجد أي آلية للتعامل بشأن البعثيين متهما الاقليم بإيواء البعثيين " .
لكن مما يجب أن اذكره للتاريخ ان السيد مسعود البارزاني رئيس اقليم كردستان العراق عندما كان في منصبه أصدر عفوا على الكورد الذين انتموا الى حزب البعث العراقي أو عملوا معه وبذلك حقق الاقليم قدرا كبيرا من الاستقرار السياسي والامني والاجتماعي مع ملاحظة ترك الامر للقضاء في حالة وجود اعتداء او جريمة او ماشاكل ذلك .وهذا الاسلوب كما هو معروف سبق أن إتبعه الرئيس الراحل نيلسون مانديلا في جنوب افريقيا وثبت نجاحه وجاء بكثير من الثمار المفيدة للمجتمع .