عالم امريكى يُكذّب الرئيس الأمريكى

طلعت رضوان
2020 / 5 / 9

عالم أمريكى يـُـكذّب الرئيس الأمريكى
درس الفرق بين الديمقراطية والدكتاتورية
تداولتْ وسائل الإعلام المختلفة الجدل الدائربين إدارة الرئيس الأمريكى ترامب والصين، حول إدّعاء ترامب بأنّ وباء الكورونا مصدره الصين..وفى الوقت الذى يــُـصر فيه ترامب على مزاعمه فى توجيه التهمة إلى الصين، إذا بالعالم الأمريكى أنتونى فاوتشى (مديرالمعهد الوطنى الأمريكى للحساسية والأمراض المعدية) يــُـدلى بتصريح غاية فى الأهمية، حيث عارض كل تصريحات رئيس (دولته الأمريكية- ترامب) بشأن أصل ومصدرفيروس كورونا..وقال: أنه لايوجد دليل على أنّ الفيروس جاء من مختبرصينى..كما فنــّـد وأسقط إدّعاء ترامب بأنّ الفيروس ((سيختفى)) وأكــّـد هذا العالم المحترم (فاوتشى) خلال مقابلة مع ناشيونال جيوجرافيك، أنّ كل الدلائل تشيرإلى أنّ الفيروس ((لم يــُـصنع فى مختبر صينى..ولم يخرج من مدينة ووهان الصينية..وأضاف أنّ الفيروس تطوّرفى الخفافيش..وهذا هوالتفسيرالعلمى..والدلائل تشيربقوة نحوخطورة الخفافيش..وأنه لم يكن بالإمكان التلاعب بالفيروس بشكل مصطنع أومتعمد..وأضاف ((عارعلينا نحن الأمريكيين أنْ تكون لدينا مشكلة فى نقص معدات المختبرات..وحذّرمن أنه فى حالة التقاعس والتراخى فى مواجهة الفيروس، فمع مرورالوقت (قد) تحدث الموجة الثانية للوباء فى الخريف والشتاء القادميْن..ورفض إدّعاء ترامب ((عن الأمل فى تلاشى الفيروس بأعجوبة (سماوية) وقال: أنا لا أعتقد بتلاشى هذا الفيروس..وأنه سيظل خطرًا قائمـًـا، عكس كل ما قاله ترامب..وما تــُـروّج له إدارته)) (عربية – سكاى نيوز- 5مايو2020)
تصريح العالم الأمريكى الذى امتلك شجاعة الاختلاف مع رئيس دولته، يؤكــّـد على أهمية الديمقراطية فى حياة الشعوب..وذلك بغض النظرعن الموضوع المطروح (كارثة وباء كورونا) أنا أفضــّـل استخدام كلمة (كارثة) بدل كلمة (جائحة) بعد أنْ سألنى أقاربى (من المتعلمين والأميين) عن معنى كلمة (جائحة) ولما قلتُ لهم: المقصود (كارثة) قالوا لى: طيب ما يقولو كدا..ولاّ هوّ لازم يكلمونا باللاوندى؟؟!!
أود التأكيد على أننى لم أهتم بحديث العالم الأمريكى الشجاع (فاوتشى) الذى لم يتردّد فى الاختلاف مع (رئيس دولته) حول مصدروباء كورونا..وإنما ذكرتُ حديثه لأدلــّـل على أهمية آلية الديمقراطية، فى مسيرة أنظمة الحكم..وكان السؤال الأول الذى تبادرإلى ذهنى هو: هل ما أدلى به العالم الأمريكى ضد (رئيس دولته) كان من الممكن أنْ يحدث مثله فى دولة نظامها فاشستى قامع لكل أصحاب العقول الحرة، والضمائرالحية؟
كما أنّ موقف العالم الأمريكى وشجاعته ذكــّـرنى بموقف نانسى بيلوسى (مواليد 1940– رئيسة مجلس النواب عن الحزب الديمقراطى) التى قـدّمتْ قرار اتهام ترامب إلى مجلس الشيوخ تمهيدًا لمحاكمته.
هذا القرار- بدوره- ذكــّـرنى بما كنتُ أقرأه وأسمعه فى الميديا الثقافية المصرية (والعربية) عن أنّ ما يقال عن الديمقراطية الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية، هى ((ديمقراطية زائفة))
فكيف تكون زائفة وأنّ أعضاء البرلمان يمتكون شجاعة (طرح) محاكمة رئيس الدولة؟ وكيف تكون (زائفة) بالرغم من تأييد معظم الصحف والمجلات والقنوات التليفزيونية لهذه المحاكمة؟ وكيف تكون (زائفة) وأنّ قرارالمحاكمة لم يضع فى اعتباره أية تحفظات أوأية نتائج على تأثيرذلك على (سمعة رئيس أكبردولة فى العالم)؟
ولو مشينا وراء الثقافة المصرية (والعربية) السائدة وصـدّقنا حكاية (الديمقراطية الزائفة) فهل يوجد نظام عربى أومصرى به برلمان، مثل البرلمان الأمريكى؟ أو أعضاء لم يستشعروا الخوف من اضطهادهم أواعتقالهم، مثل نواب البرلمان الأمريكى؟ ولو طبــّـقنا ما حدث فى أمريكا، فهل من الممكن تطبيقه فى مصرأوفى أية دولة عربية (جمهورية أوملكية– ولوبعد مليون سنة)؟ وأعلم أنّ قرارالاتهمام (ربما) لن يؤدى إلى عزل ترامب، نظرًا لسيطرة الجمهوريين (الموالين لرئيس الدولة) على مجلس الشيوخ، ولكن العبرة بالمحاولة، وأنّ رئيس الدولة مثله مثل أى مواطن.
ونظرًا لأنّ الوقائع والأمثلة (فى أرشيفى الخاص) كثيرة جدًا، فإننى سأستبعد الأنظمة العربية وأكتفى بمثال واحد من مصر، عن عدم تقديم المسئول الأول (عبدالناصر) عن هزيمة بؤونة/ يونيو1967، وسأعتمد على ما كتبه أحد ضباط يوليو1952وزميل عبدالناصرالضابط أمين هويدى (1921- 2009) الذى اشترك فى تنظيم يوليو1952، وشغل أكثرمن منصب فى حكومات عبدالناصرالمُـتعاقبة مثل: وزارة الإرشاد القومى، وزيرالدولة لشئون الأزهر، سفيرفى أكثرمن دولة، وزيرالحربية، رئيس المخابرات العامة..وفى مذكراته المعنونة (50عامـًـا من العواصف- مركزالأهرام للترجمة والنشر- عام 2002) يعترف بأنه ((ناصرى وعروبى الهوى))
وبالرغم من هذا الاعتراف فإنه عندما كتب مذكراته، سألتزم بأقصى قدرمن الموضوعية..ومن تسجيل ما رآه بأمانة، بالإضافة إلى تعقيباته التى انتقد فيها منظومة الحكم الناصرى (وهى التعقيبات التى لم يتعرّض لها كثيرون من ضباط يوليوالذين كتبوا مذكراتهم) باستثناء (وحيد) هوأنّ هويدى امتنع فى بعض المناطق (الحساسة) بسبب ميوله الأيديولوجية عن إبداء رأيه..ولكن ذلك ذلك لايــُـقلــّـل من شأن كتابه، الذى أتمنى لوقرأه كل مصرى حر..وكل (ناصرى وعروبى) لديه القدرة على (مراجعة الذات)
ومن بين المعلومات التى يتجاهلها كثيرون، أنّ المشير كان يوم5يونيو1967، يـُـحلــّـق فى الجو بطائرته الخاصة..وبالتالى يمتنع على قواتنا المسلحة التعرض للطيران الإسرائيلى، الذى بدأ تدمير مطاراتنا (ص74)
وعن هزيمة يونيو67ذكرأنّ جذورها تعود إلى حرب1956حيث بسببها سيطرتْ إسرائيل على خليج العقبة..وفرض قوات الأمم المتحدة التى انتشرتْ فى سيناء، فلما أخذ عبد الناصرقرارإغلاق خليج العقبة..وما ترتــّـب عليه من منع السفن الإسرائيلية من المرور..وسحب قوات الأمم المتحدة من سيناء، فإنّ إسرائيل اعتبرتْ هذا القرارهو((الطلقة الأولى للحرب)) وبالرغم من اعتراف هويدى بفداحة خسائرمصرفى حرب56، فإنه تناقض مع نفسه عندما ذكرأنّ ((قوات العدوان لم تــُـحقق أغراضها)) ولكنه كان موضوعيـًـا عندما ذكرأنّ القيادة السياسية (وعلى رأسها عبدالناصر) لم تكن تــُـراقب أعمال القوات المسلحة..كما كانت التعيينات فى الجيش تتم على (قاعدة الولاء..وليس على الخبرة والكفاءة) ولم يكن غريبـًـا أنْ يـُـصرّح- بعد الهزيمة- أحد القادة الكبارأنه كان (طرطورُا) وكان تعقيب هويدى ((ولستُ أدرى كيف يمكن قيادة هذه الآلة العسكرية بمجموعة من الطراطير)) وشرح فى (عدة صفحات) عن نقص الوقود (بالأرقام وبالتفاصيل) وعن عدم وجود (دشم للطائرات) وما لم يقله أنّ كل ذلك كان يحدث بينما عبدالناصر يـُـبـدّد موارد مصرعلى (وهم) اسمه العروبة.
وذكر هويدى أنه اكتشف أنّ فترة إعادة تجهيزالطائرات للقيام بطلعة أخرى تستغرق45 دقيقية، بينما تبلغ خمس دقائق (فقط) لدى إسرائيل..ومعنى ذلك أنّ الطائرات الإسرائيلية بمقدورها القيام بمهام (تسع طائرات مصرية) وأضاف: ولمستُ أنه لم يكن هناك ترتيبات هندسية لإصلاح الممرات التى دمّرتها إسرائيل..ولم تتوفر الدشم لحماية الطائرات، مع العلم أنّ تكاليف الدشمة لاتتعدى خمسة آلاف جنيه ((وهذا مبلغ زهيد مقارنة بقيمتها الدفاعية..والتى لا تقدر بثمن))
وذكركيف ذهب جنود قوات الاحتياط إلى سيناء بالجلابيب..وخجل من طرح سؤال: فى أى جيش (قديم أوحديث) ذهب الجنود إلى ميدان القتال بالجلابيب؟ وكيف نــُـطالب الأمم المتحدة بسحب قواتها..ونــُـغلق الملاحة فى وجه إسرائيل، بينما فى اليمن ست لواءات مشاة مصرية (بخلاف الأسلحة الأخرى من طيران ومركبات ومهندسين إلخ) وكانت الحجة مساندة ما سُـميت (ثورة) ضد (تدخل السعودية بقوات مرتزقة)
وطرح هويدى سؤالا مهمًـا وشجاعـًـا فكتب أنّ كثيرين اعتبروا هزيمة جيشنا فى حرب56، 67يعود إلى القيادة العسكرية، فكتب هويدى: ولكن لماذا ترك عبدالناصر الرأس المريض دون استئصال؟ وترك المرض يتفشى ويستشرى وهولا يقدرعلى استئصاله..وكلنا يذكرما قاله عبدالحكيم عامرفى اجتماع اللجنة التنفيذية العليا حينما سأله عبدالناصرعن حالة القوات فقال ((برقبتى يا ريس)) وعقب جلسة2يونيو67 قال عبدالناصرأنه يتوقع أنْ يبدأ العدوان بضربة جوية كبيرة، فقال المشيرإنه لايتمنى أنْ يكون فى ((وضع موشيه ديان، الذى لابد أنْ يكون الآن (حائرًا) فيما يمكن أنْ يفعله إزاء الاستعداد المصرى)) أما وزيرالحربية (شمس بدران) الذى عيــّـنه عبدالناصرفقال: نحن مستعدون لإسرائيل ولمن هم وراء إسرائيل..ولما سـُـئل عن احتمال تدخل الأساطيل الأمريكية المنتشرة فى المنطقة قال: إذا تدخل الأسطول الأمريكى فجيشنا كفيل به..وأنّ قواتنا أقوى قوة فى الشرق الأوسط..قواتنا الضارية لاتــُـقهر..فكان من المهم ما نقله هويدى عن موشى ديان الذى قال: لايرجع الفضل فى تعيينى وزيرًا للدفاع إلى أشكول..ولكن إلى ((الخمسين ألف جندى مصرى المحتشدين فى سيناء))
وذكرهويدى أنّ المشير وأتباعه كانوا يعتقدون أنّ إسرائيل لن تبدأ الضربة الأولى..والدليل على ذلك تصرفاته فى تلك الأيام..وآخرها رحلته إلى سيناء صباح يوم5يونيو67..ومعه قائد القوات الجوية والدفاع الجوى (صدقى محمود) ورئيس هيئة العمليات..وبالرغم من أنّ عبدالناصر((تنبــّـأ بقيام الحرب، بعد يوميْن أوثلاثة فى مؤمر2يونيو..وكانت حجة عبدالناصرأنّ الظروف الدولية ((تحول دون قيامنا بالضربة الأولى)) وأنّ عبدالناصرقال أيضـًـا ((يعنى لابد من تلقينا الضربة الأولى من العدو)) ثـمّ سأل صدقى: وأنت يا صدقى إيه رأيك؟ فقال الفريق صدقى محمود: ((كنتُ أفضل قيامنا بالضربة الأولى حتى لاتتعرّض قواتنا للشلل)) وبالرغم من أمانة نقل ما حدث، فإنّ هويدى لم يـُـعقب بكلمة واحدة..ولم يطرح السؤال الذى طرحه العقل الحر: لماذا اختارعبدالناصرأنْ تتلقى مصرالضربة الأولى؟ وهل كانت قواتنا قادرة على امتصاصها..والرد عليها بضربة تــُـعيد التوازن؟ كما فعلتْ إسرائيل فى حرب73؟
ولكن هويدى اكتفى بذكرما شاهده (بأمانة) فكتب ((كانت طائراتنا فى مواقعها الأمامية دون دشم..وراقدة كالبط)) والأكثرفداحة أنه جاءتْ تقاريرالمخابرات الحربية..ومديرها اللواء صدقى محمود بأنه لاينتظرقيام العدوبالهجوم ((نظرًا لصلابة الجبهة العربية، الأمرالذى سيــُـجبرإسرائيل على إعادة حساباتها))
وهنا أيضــًـا صمت هويدى ولم يعلــّـق على أكذوبة (صلابة الجبهة العربية) ولكنه كان موضوعيـًـا عندما قارن مصر..وهزيمة الجيش فى يونيو67بما حدث فى إسرائيل بعد حرب73، حيت تـمّ (تشيكل لجنة أجرانات..وإعفاء مديرالمخابرات الإسرائيلية (زعيرا) أما مديرالمخابرات الحربية (صدقى محمود) فلم يـُـحاكم ولم يسأله أحد..والأكثرغرابة أنّ عبدالناصركرّمه بترقيته..وتولى منصب رئاسة الأركان فى عهد عبدالناصر، ثـمّ أصبح وزيرًا للدفاع وقائدًا عامًـا للقوات المسلحة فى عهد السادات..وأنّ الفريق محمد فوزى..كان أحد المُـتسببين الكبارفى هزيمة يونيو67لأنه كان رئيسًـا للأركان وقتها..وأضاف هويدى: إنّ القوات المسلحة ((درع الأمة..ولايجوزفيها مثل هذه التصرفات التى تــُعتبرتفريطــًـا فى الوطن..وتهديدًا لأمنه)) وللتدليل على التفريط فى حق الوطن، أنّ القيادة السياسية صـدّقت تقاريرالمخابرات الحربية التى أفادتْ بأنّ ((مدى طائرات العدولا يصل إلى قناة السويس)) وأضاف هويدى: علاوة على أنه لم يكن فى مقدورقواتنا التمييزبين ((طائرات الميج والميراج أثناء هجوم طائرات العدوعلى قواعدنا..كما تبيــّـن نقص معلومات مخابراتنا عن قواعد العدو.
وكيف يكون شمس بدران (وزيرالحربية) الذى عيــّـنه عبدالناصرمع ملاحظة أنّ عبدالناصر(نفسه) سبق أنْ قال عنه إنه لايعرف أنْ يقول ((كلمتين على بعض)) ويقصد فى الاستراتيجية العسكرية..وأضاف هويدى..وهذا ((ينطبق على باقى القادة العسكريين، الذين بلا مؤهلات ولاكفاءات عسكرية)) وأضاف هويدى أنّ القادة الكباركرّروا كلامهم كثيرًا عن أنّ القيادة السياسية هى المسئولة عن الهزيمة، فكان تعقيب هويدى: هل اعترضتم..ولماذا قبلتم المهمة..ولماذا بقيتم فى الخدمة والاشتراك فى تدميرقواتكم؟ وأضاف أنه بعد تعيينه وزيرًا للحربية بعد الهزيمة قـدّمتُ استقالتى فى أوائل عام1968((حينما وجدتُ أنّ الأمورلا تسيرفى طريقها الصحيح)) وإنّ اصطناع العنترية ((بعد حدوث الكوارث)) ليس من الفروسية أو الأمانة..وأنّ ما ((حدث يوم 5يونيو67 الأسود لايكفى تذكره..وإنما المهم هومعرفة سبب الهزيمة..وهذا أجدى من تبادل التهم..وإغراق الحقيقة فى قاع المجهول)) وكأنّ هويدى يريد أنْ يقول مثلما يحدث فى القضايا الجنائية المدنية (تــُـقيد القضية ضد مجهول) إذا كان الجانى له (ظهريحميه ويتسترعليه)
وذكرهويدى أنه قبل 6شهورمن 5يونيو67 اقترح الفريق عبدالمنعم رياض أنْ يــُـرسل الأردن محطة رادار(جبل عجلون) المكلفة برصد تحركات الطائرات الإسرائيلية، التى تطيربارتفاعات منخفضة، لترسل إلى مركزالعمليات بمصر..وفى يوم5يونيوتـمّ تغييرالإشارة المتفق عليها)) وهنا- كعاداته- لم يعلق عن سرتغيير الشفرة..ومن المُـتسبب: هل هوالجانب الأردنى أم الجانب المصرى؟ ولكنه ذكرأنّ إشارة عجلون لم تكن هى الفرصة الضائعة الوحيدة صباح اليوم الأسود، لأنّ الفريق عبدالمحسن مرتجى- الذى كان مشغولابمتابعة مباريات كرة القدم- هوالمسئول الأول عن تدميرقواته..وكان أول من نفذ أوامرالانسحاب..وعبرقناة السويس غربـًـا الساعة الرابعة بعد ظهرذلك اليوم الأغبر..وترك قواته تلقى مصيرها (ونجا بنفسه) ونسى أنه (قائد) وأنّ القائد كربان السفينة، عليه أنْ ينجوبها..ولكنه لم يهتم بتأمين انسحاب قواته أوتأمين الحماية لها، لتنسحب انسحابًا منظمًا..وأضاف هويدى أنه بعد هجوم العدوحاولتْ قواته الاتصال به فى قيادته ((ولم يكن هناك من يـُـجيب)) فكان تعقيب هويدى الصريح والشجاع أنّ الخجل ((يمنعه من ذكرسبب غيابه)) فلماذا امتنع هويدى عن ذكر سبب غياب الفريق مرتجى؟ هل كان على موعد غرامى؟ أم كان فى سهرة (فرفشة) أم متابعة مباراة كروية؟ ولكن هويدى أضاف معلومة تصلح لعمل درامى عبثى/ كابوسى/ فانتازى هوأنّ مرتجى لما عاد لموقعه أخذ ((يبحث عن قيادته..وبعض ضباط قيادته يبحث عنه..وأتصوّرأنّ هذه أول مرة فى التاريخ يضيع قائد من قيادته أثناء احتدام المعركة))
وفى الساعة الثامنة وخس وأربعين دقيقة صباح اليوم الأسود، قام العدوبضربته الجوية على مطاراتنا (فى وقت واحد) وكانت الأوامرقد صدرتْ لقوات الدفاع الجوى بالصمت..وعدم التعرض لأى تحركات جوية فى أجوائنا، لأنّ القائد العام وقائد القوات الجوية..والدفاع الجوى..ورئيس هيئة العمليات..وآخرين كانوا فى طريقهم إلى سيناء ((فى عملية تفتيشية)) ويلاحظ أنّ المشيروقادته اختاروا يوم5 يونيو(بالذات) للتفتيش..وهونفس اليوم الذى كان عبدالناصرقد توقعه لبدء هجوم العدو.
فماذا يقول العقل الحرعن 1- تغييرالشفرة 2- الأوامربعدم التعرض لطائرة المشير؟ 3- هل هى مصادفة أم مقصودة؟ هل كانت إسرائيل ستحتاج لعملاء أخلص من المشيروبطانته؟ أسئلة مسكوت عنها..وستظل هكذا وفقــًـا لقاعدة: فرق بين أنْ يكتب التاريخ الشعوب التى انكوتْ بنيران الحكم..وبين أنْ يكتبه التابعون لنفس مؤسسة الحكم.
ولكن لأنّ هويدى- من وجهة نظرى- استثناء من القاعدة السابقة- والتزامه بأمانة نقل (معظم) ما حدث، فإنه أضاف (بعد هروب مرتجى) أنّ الجزء الآخرمن القادة وبينهم رئيس أركان الحرب الفريق (فوزى) كانوا فى نفس الوقت قد انتهوا من توديع المشيرفى مطارألماظة..وعادوا إلى بيوتهم لتناول الطعام ((كما يحدث فى الأيام العادية..وكأنّ قواتنا لم تكن أمام العدو)) والشىء الأغرب أنّ كل قيادات الجبهة كانت مجتمعة فى مطارالمليزلاستفبال المشيرحينما يصل بطائرته..وتساءل هويدى: لماذا التوديع فى القاهرة؟ ولماذا الاستقبال فى المليز؟ وأجاب: لستُ أدرى. خاصة أنه فى الوقت الذى ضرب فيه العدوضربته، أصدرالمشيرأوامره بالعودة إلى مطارالقاهرة..وزاد الطين بلة أنّ الأوامرالمتضاربة أخذتْ تصدرللقوات، لتزيد من الارتباك والتخبط..ووسط هذه الاضطرابات لم يكن قد مرّعلى بدء القتال24ساعة صدربعدها قرارالانسحاب..وبالرغم من أخطاء الفريق مرتجى القاتلة، عيــّـنه عبدالناصرقائدًا عامة للجبهة يوم15يونية67(أى بعد عشرة أيام من الهزيمة)
نفى هويدى ما قاله كثيرون من أنّ هجوم إسرائيل على جيشنا فى5يونيو 1967كان (مفاجأة) وقال: لقد كان تفريطــًـا فى الأمانة..واستهانة بمقدرات الشعب. وتساءل: أية مفاجأة تلك التى دمّـرفيها العدومئات الطائرات..وهى على الأرض؟ وأية مفاجأة تلك التى ينهارفيها جيش لديه مئات من الدبابات..ومئات من المدرّعات وكأنه ((نمرمن ورق)) أية مفاجأة لجيش يعلم قادته أنّ مصرستتلقى الضربة الأولى كما قال ناصر..وبالرغم من ذلك ترك القادة الكبارمواقعهم؟!
فى هذا اليوم الأسود دمّـرالعدوقواتنا الجوية..وخلال4ساعات دمّـركل قاذفاتنا الثقيلة والخفيفة، علاوة على 85%من مقاتلاتنا القاذفة والمقاتلة ((دون أى رد فعل من قيادتنا..وحتى الدفاع الجوى ظلّ على صمته، لأنه كان (مقيدًا) بسبب طائرة المشيرعلمًـا بأنّ الأوامرالمستديمة تقضى بفتح النارعند حدوث أى عدوان مباشر حتى لوكان هناك أمربتقييدها لأى سبب كان..وذكرأنّ الاستراتيجية المصرية فى صلبها (دفاعية) تهدف إلى رصد أى هجوم لقوات العدولتدميرها..وتنفيذًا لهذه الاستراتيجية وُضعتْ خطة ((قاهر)) (على اسم الصاروخ الفشنك) التى اشتركتْ فيها القوات البرية والجوية والدفاع الجوى..وأضاف: هناك فرق كبيربين خطة (قاهر) التى وُضعتْ (على الورق) وبين قدرتها على التصدى للعدوفى الواقع، لأنّ المهم هوإرادة التنفيذ..والإصرارعلى النجاح (كما فعل قادة إسرائيل) وهذا كله تغافل عنه كل الذين كتبوا عن الهزيمة..ووفقــًـا لصياغته ((كما لمستُ ورأيتُ وأنا وزيرالحربية)) وذكرمعلومة غاية فى الأهمية..وهى وجود عدد من الخطط التى وُضعتْ (قبل الهزيمة) من بينها ضرب مطارات إسرائيل ((ولكنها ألغيتْ بتدخل من القيادة السياسية)) وأعتقد أنّ تلك المعلومة التى لايمكن التشكيك فى مصداقيتها، لأنها على لسان هويدى (وهوجزء من النظام الناصرى) ومعنى ذلك أنّ عبدالناصرهو المسئول الأول عن هزيمة يونيو67والثانى هوالمشيرعامر..ويحق القول- دون أية مبالغة- أنهما المهندسان اللذان (نجحا) فى تدميرالجيش المصرى.
وكرّرهويدى قوله ((خطط على ورق..والأوامرتصدربالتنفيذ..وقيادة الجيش تقول (حاضريا أفندم) دون مناقشة ودون حوارعلمًـا بأنّ توازن القوى (عند تصعيد الموقف) كان فى جانب إسرائيل: 18لواء مصريـًـا مقابل 24لواء لإسرائيل، 5 ألوية دبابات مصرية تضم917دبابة..ولإسرائيل 7 ألوية تضم1270دبابة..ولدى مصر43مقابل56لإسرائيل.
وكان من نتائج ذلك اليوم الأسود (بعد طلب مصرسحب قوات الأمم المتحدة وإغلاق الملاحة للسفن الإسرائيلية) صدرفى اليوم التالى (6يونيو67) قراردولى بمنع سحب الودائع المصرية من البنوك البريطانية والأمريكية..وأضاف إنّ الهزيمة ((تــُـشعرنى بالخجل فى مواجهة عائلتى وكل معارفى)) وفى يوم12يونيواتصل هويدى بعبدالناصرليطمئن عليه فقال له ((أنا أدّها وأدود)) وذكرأنّ إسرائيل كما دمّـرتْ السلاح الجوى المصرى، دمّـرتْ السلاح الجوى الأردنى ظهريوم5يونيو..وكان أمام الملك حسين: إما أنْ يبقى غرب نهرالأردن، فيــُـباد جيشه ويفقد عرشه، أوأنْ ينسحب إلى الضفة الشرقية للنهر..ويفقد الضفة الغربية..واختارالبديل الثانى (مجبرًا) وهكذا كان من تبعات العنترية الناصرية، أنْ فقد الأردن الضفة الغربية.
وتعليقــًـا على قرارانسحاب جيشنا الأهوج..والغيرمدروس قال هويدى: الرأس المعطوب (إشارة إلى المشير) تعطل عن العمل، بينما طائرات العدوتنهال على قواتنا بالقنابل والصواريخ (من ص187- 218)
000
وذكرهويدى أنّ أول قرارأصدره ناصر(بعد عدوله عن التنحى) هوتعيين محمد فوزى قائدًا عامًـا يوم11يونيو67بنفس اختصاصات المشير..
وعن التخبط فى صدورالقرارات المتعلقة بالقوات المسلحة، نقل هويدى ما كتبه موشى ديان فى كتابه (قصة حياتى- ص112) حيث قال: فى دولة ديمقراطية مثل إسرائيل، تخضع القوات المسلحة للسيطرة الكاملة للحكومة المدنية، من خلال وزير الدفاع..ولكن سلطة الوزيرلاتتعدى القرارات الخاصة بالسياسة إلى العمليات..وعلى سبيل المثال فإنّ الحكومة تعطى أوامرباختراق الحدود اللبنانية..ويمكننى بصفتى وزيرًا للدفاع إعطاء الأوامربضرب القواعد بالقرب من دمشق..ولكن ليس فى استطاعتى أنْ أجبرالجيش على طريقة ((تنفيذ ذلك)) وكل ما أملكه هوإبداء ((وجهة نظرى)) إلخ (هويدى- من ص221- 246) وعن تداعيات هزيمية يونيوكتب المستشارمحمدعبدالسلام كتيبـًـا بعنوان (ذكريات نائب عام) وصمّـم الغلاف بنفسه حيث ((رسم خنجرًا مصوّبـًـا إلى كتاب ضخم يرمزإلى الدستور..والدماء تسيل منه بغزارة)) (من ص249- 275)
وعن ذهاب الجيش المصرى إلى اليمن ذكرهويدى ((كان من رأيى عدم التورط باستخدام القوات المسلحة المصرية فى الأحداث، لأنّ اليمن بئربلا قاع، سواء من الناحية الجغرافية أوالديموجرافية)) وأنّ السادات كان من أكثر المُـتسببين فى توريط مصر فى حرب اليمن بجانب عبدالناصر.
وذكرهويدى أنّ أنظمة عربية كثيرة ظلتْ تهاجم مصر..وتنتقد وجود الجيش المصرى باليمن..وأنّ النظام المصرى لم يتعظ مما حدث لجيشه عام1956وفرض قوات الأمم المتحدة على الحدود المصرية..وفى منطقة خليج العقبة.
وعن مظاهرات الطلبة عام1968 احتجاجــًـا على الأحكام الهزيلة التى صدرتْ ضد بعض الضباط الكبارالمتسببين فى الهزيمة، قال السادات: شويه العيال دول عايزين إيه؟ وعن الفرق بين أسرائيل ومصرفى الاستعداد للحرب ذكرهويدى ((ظهرعجزشديد فى عدد الطيارين المصريين، فكانوا150طيارًا على154طائرة قاذفة ومقاتلة، أى وجود عجزأربعة طيارين، بينما إسرائيل كان لديها ألف (1000طيار) للعمل على 376طائرة (أى وجود624طيارإحتياطى) فكان لابد أنْ تفوزإسرائيل فى المعركة (من ص279- 288)
وعن تصميم إسرائيل (خط بارليف) ذكرهويدى معلومة مهمة..وهى أنّ هذا الساترالترابى أنشىء على فترات (دون أى تحرك من الجانب المصرى) والأكثر دهشة وأهمية أنّ إسرائيل (كى يتم تحصين خط بارليف) نزعتْ قضبان سكة حديد القنطرة- العريش، ثـمّ كان تعقيبه الصائب والموضوعى فكتب ((ولا أدرى لمَ سمحتْ قواتنا بإنشاء هذا الخط..وبإقامة الحاجزالترابى دون تدخل من جانب قواتنا لإيقاف العمل فيه)) وذكرأنه كان يرسل بعض صورللمواقع وبعض التقاريرإلى سامى شرف (سكرتيرالرئيس للمعلومات) ليرسلها للرئيس..وتبين فيما بعد أنه احتفظ بها فى مكتبه..ولم يــٌـسلمها لرئيس الدولة..وذكرأنه فى الحرب المُـسماة (حرب الاستنزاف) فإنّ الغارات الإسرائيلية داخل العمق المصرى بإرتفاعات منخفضة..ومُـتسللة من ثغرات شبكات الرادارالمصرية..و((قصفت التل الكبير، حلوان، المعادى، دهشور، أبى زعبل، الخانكة..وشرق القاهرة)) وهذه الغارات تسببت فى خسائرجسيمة فى الأرواح والمبانى..ودون رد فعل من جانب قواتنا المسلحة (وهذا يعنى أنّ الأمانة العلمية تتطلب أنْ يكون الاستنزاف هواستنزاف قواتنا وقدراتنا، باعتراف ناصرالذى ردّ على هجوم الأنظمة العربية على مصربأنّ قدرات جيشنا بعد يونيو67لاتتكافأ مع قدرات إسرائيل) ولذلك قرّرناصرالسفرإلى موسكو..ومكث هناك من22يناير1970- 25يناير) للحصول على قوات سوفيتية بمعداتها وأسلحتها..والتهديد بترك الحكم لزكريا محيى الدين، الذى يمكنه التفاهم مع الأمريكان، فأرسل القادة السوفيت إلى مصر32كتيبة صواريخ سام3كاملة بأطقمها وأجهزتها ومعداتها..و85طائرة ميج مُـعـدّلة (بطياريها) و50طائرة سوخوى9و10 طائرات ميج21تدريب وأربعة أجهزة رادارللعمل ضد طيران العدوالمنخفض (من ص298- 317) وبالرغم من أهمية تلك المعلومات، فإنّ هويدى لم يذكرعدد الطيارين السوفيت الذين ماتوا وهم يصدون طائرات إسرائيل، فى اختراق بعض المحافظات والمدن المصرية (مثل الفيوم والمعادى على سبيل المثال)
ولكن هويدى كان موضوعيًـا عندما ذكر(للتاريخ) أنّ طائرات العدوأغارتْ على محطة كهرباء (نجع حمادى) و(قناطرنجع حمادى) و(كوبرى قنا) ليلة31/10/68 وكان هذا الاختراق للعمق المصرى ((بمثابة إنذارلنا بأننا نعيش بلا غطاء، ليس من الناحية العسكرية التى كشفتْ الغارة عن (عوراتنا) فحسب..ولكن أيضـًـا من ناحية حجم المعلومات التى تــُـتيحها الوسائل العلنية..والصحافة للعدو..خاصة وقد ثبت أنّ الغارة الإسرائيلية كانت ((ناجحة تمامًـا))..وتـمّ تنفيذها دون أية مقاومة أودفاع من جانبنا..علاوة على أنّ العدواستفاد استفادة كبرى من المعلومات التى المنشورة فى الصحافة..حيث دأبتْ شركات القطاع العام المنفذة لهذه المشروعات (كنوع من الدعاية لأعمالها) على الإعلان عنها..ومعززة بالإحصائيات والصوروالرسومات التوضيحية..وبها كل التفاصيل الكبيرة والصغيرة..وأصبحتْ مصر(كلها) جبهة قتال لأنّ كل مواقعنا فى متناول الأذرع الطويلة للعدوالذى ((جعلنا نرقص على طبوله))
وذكرهويدى أنه عندما تمكــّـن جيشنا من إنشاء مطارات جديدة، فإنّ المخابرات الإسرائيلية حاولتْ معرفة (سُـمك خرسانة الأسقف التى صـُـنعتْ منها الممرات) ونجحتْ فى (تجنيد) أحد المصريين المقيمين بألمانيا..واسمه بهجت (وهوابن شقيقة عثمان أحمد عثمان رئيس شركة المقاولين العرب) وتمكن بهجت من الحصول على خرائط الدشم التى فى حوزة الشركة..والمفروض الاحتفاظ بها فى سرية تامة..وقد ضــُـبط المذكورمتلبسًـا..والمفاجأة أنّ بهجت اتهم خاله بأنه هوالذى سلــّـمه الخرائط..وبذلك تـمّ القبض على عثمان أحمد عثمان..وبقى تحت التحفظ فى سجن المخابرات العامة، حتى ثبت للنيابة براءته (كما جاء فى تقريرها) وحكم على المتهم (ابن أخت عثمان) بالإعدام..وأنّ بهجت تـمّ الإفراج عنه بقرارمن السادات (وفق رواية عثمان) بينما هويدى من رأيه أنّ كلام عثمان جانبه الصواب ((تزلفــًـا للسادات)) وأنّ هويدى ردّ عليه بمقال فى جريدة الشعب ولم يذكرفحوى المقال (من ص301- 324)
وذكرهويدى ما حدث فى صيف1970بين الملك حسين والمنظمات الفلسطينية، والصدام الدموى بين الطرفيْن..والسبب بعد أنْ أدرك الملك حسين أنّ المنظمات الفلسطينية أصبحتْ هى المسيطرة على الأردن..وفى يوم12سبتمبر70 أعلن الملك الأحكام العرفية..وعزل الحكومة المدنية..وشكل حكومة عسكرية..وعزم على ((سحق المنظمات الفلسطينية المتغلغلة فى مقدرات الشعب الأردنى)) والنتيجة أنْ تفجرالموقف بين الطرفيْن اللذيْن خاضا معارك طاحنة..وبدأتْ سوريا فى حشد قواتها على الحدود الأردنية..واتصل الرئيس الأمريكى (نيكسون) بالملك حسين ليطمئن عليه..ولايقلق من التهديد السورى..ويوم18سبتمبر70تقـدّمتْ القوات المدرعة السورية فى اتجاه إربد (شمال غرب الأردن) وزادتْ كثافة الدبابات السورية التى عبرتْ الحدود الأردنية..وأرسل حسين رسالة إلى برطانيا وأميركا يستنجد فيها..ويطلب الحماية من السوريين بعد أنْ سقطت إربد فى قبضة الجيش السورى..وكان تعليق هويدى أنّ العرب ((يتقاتلون)) ويطلبون الحماية من بريطانيا وأميركا..وطالب الرئيس الليبى القذافى إرسال قوات عراقية وسورية للتصدى للملك حسين..والقبض عليه ((وإيداعه بمستشفى المجانين)) ولم يعلق هويدى لأنّ من يستحق دخول مصحة للعلاج العقلى والنفسى هوالقذافى..وشنّ حسين هجومًـا شاملا ضد القوات السورية..وأحدث بها خسائرفادحة..وقامت قاذفة من طراز(هوكترهنتر) بقذف المدرعات السورية..وهى منسحبة إلى الشمال..ولما تأكــّـد حسين من سيطرته التامة على الموقف، قبل الدعوة فى27سبتمبر70 لحضورمؤتمرالقمة فى القاهرة..ووقع اتفاقــًـا مع ياسرعرفات، لوقف فورى لإطلاق الناربين الأردن (العربى) وبين الفلسطينيين (العرب) وانسحابهم من الأردن.
000
ونقل هويدى ما كتبه هيكل فى كتابه (الطريق إلى رمضان) حول ما حدث بشأن رغبة مصرتجديد قراروقف إطلاق النارالذى سينتهى فى9نوفمبر70..وأنّ الفريق محمد فوزى قال إنّ شبكة الصواريخ لم تــُـستكمل فى جنوب مصر، فسأله هيكل: هل أنت مستعد من الناحية العسكرية؟ قال: أنا جندى..وإذا صدرلى أمرمكتوب أنفذ. واستمرّالحواربين فوزى وهيكل، الأخيريسأل- كأنه رئيس الدولة..وليس (مجرّد صحفى) وكان تعليق هويدى: لنا وقفة أمام ما كتبه هيكل..وما تركه يسقط بين السطورلإعطاء إيحاء معين لايعلمه أحد غيرهيكل..وعن الزج باسمه (أى هويدى) ضمن مجموعة المتآمرين ضد السادات ذكرهويدى: أود أنْ أقرّرأنه لايمكن تصنيفى على حساب مجموعة أوشخص، فأنا (ناصرى) أدين بمبادىء ناصر..ولكننى لستُ واحدًا من مجموعة15مايو..ومع ذلك اعتقلنى السادات معهم..وتنقلتُ فى سجون عديدة..وعندما اجتمعنا لمناقشة الخطوات الدستورية لنقل السطة إلى السادات..كان هيكل هوالشخص الوحيد الذى سيطرعلى الاجتماع..وهوالوحيد الذى تكلم..والوحيد الذى وجــّـه المؤتمروجهة خاصة..وهوالذى أنهاه..وهوالذى استجوب وزيرالحربية. وهوالذى قـدّم التوصية..وهوالذى حسم المناقشة..ولم يكن هناك ما يستدعى (دهشة) هيكل عندما قال الفريق فوزى: أنا جندى..وإذا صدرلى أمرمكتوب أنفذ..وكان تعليق هويدى: فهذا أمرطبيعى..وهو بمثابة (أمربالقتال) والدهشة التى أبداها هيكل تلقى ظلالاوشكوكــًـا على مؤتمركان يبحث مسألة قومية..والمدهش أنّ أحدًا لم يعترض على (قرارهيكل) بإنهاء المناقشة..وبطريقة مفاجة..ولم يكن من حقه أنْ يـُـنهى أعمال المؤتمرأويــُـوجــّـهه كيفما يشاء..خاصة فى حضورالعدد الكبيرمن الوزراء. أما ما ذكره الفريق فوزى عن أنّ جنوب مصركان عاريـًـا من الدفاع الجوى، فإنّ هذا الكلام (ضد) كل الكلام الذى قيل قبل هزيمة يونيوعن أنّ جيشنا مستعد لمجابهة إسرائيل..و((نحن فى الانتظارلتحطيم أسطورتها)) والتعقيب الذى لم يكتبه هويدى هو أنّ هيكل (فى هذا المثال) اعتبر نفسه أنه (مكان رئيس الدولة الذى يسأل وزير الحربية) وذلك بحكم النفوذ الذى اكتسبه طوال عمله مع عبدالناصر.
وعن الأحداث السابقة على15مايو71فإنّ هويدى كذب كل ما ذكره هيكل..ومنها أنّ سامى شرف (كان يبكى) لأنه رفض تصديق أنّ (ناصرمات) وذكرهويدى أنّ شعراوى جمعة..وسامى شرف كانا يستشيران هيكل ((فى كل أمريخص منصبهما)) وكان شعرواى جمعة يقول لى (= هويدى): أنا لا أخرج من منزلى فى الصباح إلاّبعد أنْ (أصبــّـح على هيكل وسامى شرف) وكان يــُـطلعهما على كل خطواته قبل أنْ يقدم عليها..وذكرأنّ السادات لم يكن يحلم بالرئاسة، لولاتعيين ناصرله بشغل منصب (نائب رئيس الدولة) وأنّ الشيخ الباقورى بكى عندما علم أنّ السادات سيكون خلفــًـا لعبدالناصروقال ((هذا غيرمعقول..ولايعقل أنْ يحكم مصرمثل هذا الشخص)) وذكرهويدى ((وكلنا يعرف ما قاله الشيخ الباقورى بعد أنْ صارالسادات هوالرئيس)) (من ص335- 354)
000
وهويدى فى كتابه تبيـّـن أنه قارىء جيد لكتب التراث، حيث استشهد بما كتبه ابن خلدون فى (مُـقـدّمته) عن علاقة المثقف بالسلطة فقال: اعلم أنّ السيف والقلم كلاهما (آلة) فى يد صاحب السلطة، يستعين بهما على أمره..وفى بداية حكمه يستعين بالسيف..وأنّ القلم (مجرّد خادم) لأوامرالسلطان..والسيف شريك فى التعاون..وأنّ أرباب القلم- بسبب فربهم من السلطان- يكونون أوسع جاهـًـا..وأعلى رتبة..وأعظم نعمة وثروة..وكان تعقيب هويدى: وهذا يحدث فى (عالمنا العربى) لأنّ نقل السلطة لايتم إلاّعن طريق (عزرائيل) بفعل القدرأوبفعل البشر..والصراع على السلطة ينتهى ببحورمن دماء بين الإخوة (والرفاق) والحاكم المُـستبد يــُـفضل العمل (برجال من صنعه) وربما يعمل- لفترة- برجال من (مطبخ الحاكم السابق) حتى (يتمكن) ويقبض على السلطة بيد من حديد..وهولايحب من له (فضل عليه) كحالنا مع السادات..ويحب من يغرقه بالمديح مثل هيكل (فى بداية حكم السادات) أما من اعتبرهم السادات (من أولياء ناصرالصالحين) فقد (كنسهم السادات بالمقشة) على حد تعبيرهيكل الذى كتب (( يتشفى فيهم فى مقالاته..وهم فى السجن))
وذكرهويدى أنّ شعراوى جمعة وبعض الوزراء (من بقايا عهد ناصر) ذهبوا لحضورجلسات (تحضيرالأرواح) بمنزل د.عزت خيرى (شقيق وزيرالشباب طلعت خيرى) ودارتْ الأسئلة حول مصيرهم فى عهد السادات..وذكرهويدى أنّ المشرف على دارالمعارف للنشر(سيد أبوالنجا) تعاقد معه على طبع كتاب (كنتُ سفيرًا فى العراق) ووقع معه العقد بتاريخ31مارس71مع تعديل عنوانه إلى (فكرعبدالناصر وأحداث العراق) وبعد مراجعة البروفات..وبعد تعديل العنوان للمرة الثانية ليكون (مؤامرات وأسرارفى العراق) صدرأمربوقف طبع الكتاب..وذلك فى نفس يوم اعتقالى16مايو71..وأنّ من أصدرالأمرهود.عبدالقادرحاتم نائب رئيس الوزراء.
واعترف هويدى بأنه كان على صلة برجل الأعمال الشهير(حسين سالم) الذى رأس (شركة ميدورالمصرية/ الإسرائيلية) وانتقل للعمل مع هويدى فى المخابرات العامة، بعد أنْ كان فى شركة مصرللتجارة الخارجية (من ص371-385) ولكن هويدى لم يعلق على علاقة حسين سالم بإسرائيل، خاصة بعد أنْ انكشف دوره بتصديرالغازالمصرى إلى إسرائيل (بأقل من السعراالعالمى) فى عهد مبارك..ومن مميزات كتاب هويدى أنه مُـزوّد بملاحق بها وثائق غاية فى الأهمية، عن محاضراجتماعات عبدالناصرمع الوزراء ومع رؤساء بعض الدول- من ص401- 499)
فهل جريمة يونيو1967 وقبلها جريمة تأميم قناة السويس (بدون دراسة عن رد فعل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) وهوما تجاهله عبدالناصر، فتسبــّـب فى حرب1956 وتدميرمن القناة والهزيمة التى لاتقل عن هزيمة67فى بشاعتها، وجريمة توريط جيشنا فى اليمن..إلى آخرجرائم عبدالناصر، وأخطرها (شطب اسم مصر) ليكون الاسم الجديد الذى فرضته أمريكا الحروف الثلاثة الشهيرة (ج. ع. م) فهل كان من الممكن تقديم عبدالناصرللمحاكمة تحت سياط نظام (حكمه الشمولى الاستبدادى)؟ وبالرغم من أهمية كتاب أمين هويدى، فإنّ السؤال الطبيعى: هل كان فى استطاعة أى إنسان أنْ يكتب ما كتبه هويدى فى عهد عبدالناصر؟ وأليس هذا هوالفرق بين الديمقراطية..وأنظمة القمع المؤدية للهزائم؟
***