نقض مأساة إبليس لدى صادق جلال العظم

هيبت بافي حلبجة
2020 / 5 / 9

بعدما إنتقدنا المفكر السوري محمد شحرور في مفهومه للشيطان ، وفي إطروحاته الجوهرية حول عصيانه لأمر إلهي ، عدم السجود لآدم ، نحبذ أن ننتقد المفكر السوري صادق جلال العظم في قضية ذات إشكالية عظمى ، ذات إشكاليات عديدة ، وهي ماتسمى تاريخياٌ بمأساة إبليس ، تلك المأساة التي أحدثت إشكاليات أربعة :
الإشكالية الأولى : إشكالية التوحيد ، لاريب إن ( قل هو الله أحد ) و ( لا إله إلا الله ) يشكل الأس الوجودي لله وللمعتقد ، فإذا إستقام ، إستقام به الله والمعتقد ، وإذا إنهار ، إنهار معه الله والمعتقد ، ومن المحال أن يستقيم التوحيد إلا إذا ، وفقط إلا إذا ، كان السجود لله ، للخالق الباري الفاطر ، وهذا الشرط يتجاوز كلياٌ محتوى الإيمان ومضمون المعتقد لذلك من يهشم هذا الأس التوحيدي ، يحطم به الكينونة والكائنية الإلهيتين معاٌ . وفي هذا الحدوث ، وحسب النص الإلهي القرآني ، لدينا العناصر الحقيقية التالية ، أولاٌ مفهوم التوحيد أو فكرة الإله أو إله الكون الفعلي ، ثانياٌ الله أو إله المعتقد ، ثالثاٌ إبليس ، رابعاٌ الملائكة ، خامساٌ آدم وذريته . وإذا ماجردنا النص الإلهي من الإضافات خارج مبدأ الإفهوم ، وإكتفينا بأنطولوجية النص ، يمكننا أن نصوغ القضية على النحو التالي ، يأمر الله عزوجل الملائكة أن يسجدوا لآدم ، فسجدوا إلا أبليس . وفي الصميم هذه إشكالية إلهية فهو الذي خالف بداءة الأس التوحيدي وأمر الملائكة بالسجود لإحدى مخلوقاته ، ولو كان إلهاٌ حقيقياٌ لما أتت هذه الفكرة أصلاٌ إلى مداركه ، لإنها واقعة ليست لها أي مغزى ، ومن هنا ندرك أرضانية هذه الواقعة وبعدها عن السماء . ثم تنتقل الإشكالية إلى الملائكة الذين توجب عليهم الرفض المطلق ، وإنبغى عليهم القول ، معاذ أن نسجد لغيرك وإلا لأحتسبنا من الظالمين ، إذ كيف تغيب هذه الفكرة الأولية والبسيطة عن مداركهم جميعهم إلا أبليس !! أليست هذه واقعة غريبة من هذه الزاوية تحديداٌ !!. ثم تنتقل الإشكالية إلى آدم الذي كان من المفروض أن يخر هو راكعاٌ وساجداٌ لله مباشرة بعد هذا الأمر ، وفي الحقيقة الأصيلة لو وجدت إشكالية في هذا الأمر فهي إشكالية ومأساة آدم قبل أي كائن آخر ، فلقد خان التوحيد وخان الله خالقه أي فشل في إدراك حقيقة إنطولوجية الوجود . وإما أبليس فلقد كان منسجماٌ مع حقيقته الأصيلة ذاتها قبل أي شيء آخر ، ثم كان منسجماٌ مع روح التوحيد ، وصادقاٌ مع الله خالقه ، وبقية القصة تؤكد على كل ذلك ، إلهي أقعدني إلى يوم القيامة ، لقد خلقتني ، لقد خلقته .
الإشكالية الثانية وهي تتعلق بمحتوى تأصيل مأساة إبليس نفسه من زاوية كيفية تبرير عدم سجوده لآدم ، فالنص القرآني يؤكد على إنه أبى وأستكبر ، وقال لقد خلقتني من النار وخلقته من التراب ، فلو كان هذا هو التأصيل الفعلي لما كان ثمة إبتلاء ومحنة ولا مأساة ، ولكان قد إنحصرت المشكلة ، وليست الإشكالية ، في مدى صحة ومصداقية حجج إبليس التبريرية . أضف إلى ذلك ، لو كان هو ذاك التأصيل الفعلي ، أي إذا أبعدنا إشكالية التوحيد ، لكان إبليس أذكى من أن يورط نفسه في مسألة هي ، في الحقيقة ، مسألة مقارنة ( لقد خلقتني من النار وخلقته من التراب ) لاترتقي إلى مستوى حدوث عدم السجود ، ومن ثم اللعن والطرد ، ومن ثم الرمز والغواية .
الإشكالية الثالثة وهي إشكالية الموقف الإلهي ، إشكالية مستحيلة الإدراك ، إشكالية مثل غيرها تخلق حالة من ملايين الأسئلة الضائعة ، كإشكالية ونفخت فيه من روحي ، وكإننا ندرك ماهي روح إله الكون ، أو كأن الكون بحاجة إلى مفهوم الخلق ، ثم أليس كان من المنطقي أن يكون إله الكون بمفرده ، هو الأحد الصمد ( مفردة كوردية ) ، هل كان وجودنا ضرورة أم عبث ، وفي الحاليتن وجودنا ووجود الكون يناقض وجود إله الكون ، وفي الحالتين نعاني ، نحن ، من كارثة فكرية ، لننتقل من كارثة إلى أخرى ثم إلى أخرى . وكذلك إشكالية وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ، وكإننا ندرك معنى العبادة ، وكإن إله الكون بحاجة إلى تلك العبادة ، أو هو لايحتاج إليها ، وفي الحالتين الإشكالية تناقض الوجود الإلهي ، ثم لتفرض جدلاٌ ، إن الجن والإنس ( وهي مفردات كوردية ) يعبدون هذا الإله من الأزل إلى الأبد فماذا بعد !! . ثم تأتي إشكالية أمره للملائكة بالسجود لآدم ، فهل هذا يشكل حالة ضرورة !! أم يشكل حالة عبث !! أم ماذا !! ثم لنفرض إن الملائكة قد سجدوا أجمعهم لآدم ، وهذا كان الموقف الأكثر ترجيحاٌ للحدوث من موقف الرفض ، فمايكون ، عندها ، موقف إله الكون !! وهل كانت القصة ستنتهي عندها !! أم إن إله الكون كان مضطراٌ لخلق قصة أخرى !! لنصيغ الإشكاليات من جديد ، إله الكون بمفرده ، فيخلق الملائكة ليعبدوه فقط ، ثم ينفخ روحه في التراب لنكون ، نحن ، خليفته( إشكالية رابعة ) على الأرض ( إشكالية خامسة ) ولنعبده ، ثم يأمر الملائكة بالسجود لآدم ، لماذا ، فقط لماذا ؟ ومهما كان الجواب ، على هذه لماذا ، لناقض الوجود الإلهي .
الإشكالية الرابعة وهي إشكالية المعرفة الإلهية ، المعرفة الغيبية ، العلم الغيبي اللدني ، وهي إشكالية خطيرة ، فهل كان الإله يعلم ، وهو يعلم بالضرورة حسب التعريف الإلهي ، إنه سيخلق الملائكة ، ثم آدم ، ثم يأمر الملائكة بالسجود له ، ثم يأبى إبليس ، ثم يلعنه بالطرد ، لكي يغدو عدواٌ مفترضاٌ للبشر المفترضين ولله ، ويصبح رمزاٌ وهمياٌ للمعصية وللشر ، أليست هذه كارثة حقيقية على صعيد الإنطولوجيا !!! أليست هذه كارثة وجودية فيما قبل وجود الإبليس وفيما بعده !! . وبما إن إبليس لايمكن أن يكون خالداٌ ( إنظرني إلى يوم يبعثون ) ، لإنه عندها سيكون إلهاٌ مستقلاٌ ، فلاتوجد معصية ولايوجد شر لاقبل إبليس ولابعده ، وبما إن المعصية والشر أبتدآ من لحظة وجودية هذه القصة ، فإله الكون هو الذي خلق المعصية والشر ، وهو السبب الأنظولوجي لهما ، ولا دخل لإبليس بهما لإنه مجرد أداة بيد المشيئة الإلهية !! .
والآن نود أن نذكر بالنصوص القرآنية ، لكي يتسنى لنا بعدها أن نطرح إطروحات صادق جلال العظم حول مأساة إبليس : في سورة الإعراف ثم قلنا للملائكة أسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ، قلنا ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين .. في سورة البقرة وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء .. وإذ قلنا للملائكة أسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين .. في سورة الجحر وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراٌ من صلصال من حما مسنون ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين ، قال يا إبليس مالك ألا تكون من الساجدين ، قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حما مسنون .
وأما إطروحات صادق جلال العظم حول هذا الإبتلاء الإلهي لإبليس فنوجزها بهذا الشكل المقتضب : الإطروحة الأولى المفارقة مابين الأمر الإلهي والمشيئة الإلهية ( الإرادة الإلهية ) ، والأمر الإلهي بطبيعة الحال إما أن يطاع وينفذ وإما أن يعصى ويرفض ، والمشيئة الإلهية لايمكن أن ترد بطبيعتها ، فكل مايريده الإله أو يشاء يحدث ويتحقق بالضرورة ، أي كن فيكون ، فلا راد لمشيئة الإله ، وهذا هو الركن الأسي للمفارقة مابين الأمر والمشيئة ، ففي حال الأمر ، إله الكون لايريد ولايشاء أبداٌ إنما يصدر أمراٌ تاركاٌ خيار الطاعة أو المعصية لمن وجه إليه الأمر ، وأما في حال المشيئة ، فإن إله الكون يريد أو يشاء ، فتكون الأشياء ، فلاخيار لأحد في ذلك ، أي إن النتيجة في الحال الأولى ليست حتمية وليست ضرورة أيضاٌ ، بينما في الحال الثانية فإنها حتمية التحقيق بالمطلق ، وضرورة بطبيعتها .
الإطروحة الثانية بينا في الإطروحة الأولى المفارقة مابين الأمر الإلهي والمشيئة الإلهية ، وهنا نبين التفسير البشري للنية الإلهية المفترضة مابين الأثنين ، وهاهو صادق جلال العظم يؤكد إن الله قد شاء وجود أشياء كثيرة غير إنه أمر عباده بالإبتعاد عنها ، كما إنه أمرهم بأشياء ولكنه أرادهم أن يحققوا أشياء أخرى ، لذلك بإستطاعتنا القول إن الله أمر إبليس بالسجود لآدم لكنه شاء له أن يعصي الأمر . ولو شاء الله لإبليس أن يقع ساجداٌ لوقع ساجداٌ لنوه ، إذ لا حول ولا قوة للعبد على رد المشيئة الإلهية . وإذا نظرنا إلى الأمور من هذه الزاوية بإمكاننا أن نعتبر الأمر والنهي أشياء طارئة وعرضية إذا ما قيست بسرمدية المشيئة الربانية وقدم الذات الإلهية . ثم يورد صادق جلال العظم ما أورده الطبري على صعيد الفهم الأسطوري للمفارقة : فبعث جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها ، فقالت الطين إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني ، فرجع ولم يأخذ وقال : رب إنها عاذت بك فأعذتها . فبعث الله ميكائيل ، فعاذت منه فأعاذها فرجع فقال كما قال جبريل . فبعث ملك الموت فعاذت منه ، فقال وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره . ويردف صادق جلال العظم إن هذه القصة تمثل الفارق مابين المشيئة الإلهية والأمر الإلهي ، فأمر الله جبريل وميكائيل أن يأتيانه بطين من الأرض ، لكنه شاء ألا يتحقق الأمر إلا على يدي ملك الموت ، وكان له ما شاء .
الإطروحة الثالثة إن إبليس يدرك ، تمام الإدراك ، ليس فقط ماهو التوحيد ، إنما أيضاٌ من هو الله عز وجل ، وكذلك موقعه هو من التوحيد ومن الله معاٌ ، لذلك أدرك مباشرة إن القضية برمتها هي قضية إبتلاء ، إبتلاء مأساوي ، إبتلاء مستحيلة الأبعاد ومختومة المقومات ، إبتلاء شخصي مباشر ، إبتلاؤه هو فقط دون الملائكة دون أي أحد من الكائنات ، وإنها ، أي القضية ، لاتتعلق لا بالسجود ولا بالأمر الإلهي ، فالمشيئة الإلهية قد قررت وشاءت ، وإنقضىت القضية بحكم بات . فبكى إبليس ، وترك السماء مذعناٌ ، وهبط الأرض مستسلماٌ ، ولكن زفرة مكتومة إنطلقت من صدره وهو يخترق الفضاء ، رددت صداها النجوم والأجرام والأفلاك ، وكأنها كلها إجتمعت في عين اللحظة ، لتلفظ تلك الصرخة الدامية : إني شهيد ، إني شهيد ، إني شهيد المشيئة الإلهية ، إني شهيد إخلاصي .
الإطروحة الرابعة وهي إطروحة ملتبسة لدى صادق جلال العظم ، وهي الفارق مابين الواجب المطلق نحو الله ومابين واجبات الطاعة الجزئية لأوامره ، حيث الواجب المطلق هو الأنسجام الأبدي مع المشيئة الإلهية ، في حين إن واجبات الطاعة الجزئية هي الإلتزام بالأوامر الإلهية ، ويؤكد العظم : لاشك إن إبليس خالف الأمر الإلهي عندما رفض السجود لآدم ، غير إنه كان منسجماٌ كل الإنسجام مع المشيئة الإلهية ، ولو وقع ساجداٌ لخرج عن حقيقة التوحيد وعصى واجبه المطلق نحو الله .
الإطروحة الخامسة وهي تدور ، من جانب ، حول فكرة إن إبليس أو من تمسك بالتوحيد أمن عذاب الإله ، أي لاينتهي إلى جهنم ، عملاٌ بالحديث القدسي : قال الله عزوجل إني أنا الله لا إله إلا أنا ، من أقر لي بالتوحيد دخل حصني ، ومن دخل حصني أمن عذابي . ومن جانب إن إبليس نجح في التجربة التي أبتلاه الله بها ، وصبر على البلاء الذي حل به من جرائها ، وعليه فإن مكافأته النهاية مضمونة بدليل الحديث القدسي : قال الله عزوجل إذا إبتليت عبداٌ من عبادي مؤمناٌ فحمدني وصبر على ما أبتليته فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا .
إزاء هذه الإطروحات يمكننا ان نبدي الإعتراضات التالية :
الإعتراض الأول دعونا في البداية ننفي العلاقة مابين ماهو الواجب المطلق ومابين المشيئة الإلهية ، التي هي خارج حد وإرادة وقبول ورفض وتقبل وإذعان البشر ، الأمر الذي يتناقض وبتعارض مع محتوى ومنطق الواجب المطلق ، الذي من شروطه هو أن يعود في تحقيقه إلى ما هو بشري وإلا كيف يكون واجباٌ ، وإلا سيكون قدراٌ محتوماٌ . وفي الحقيقة نستغرب هذا الربط مابين الواجب المطلق ومابين المشيئة الإلهية من جانب مفكر وإستاذ قدير بحجم الدكتور صادق جلال العظم ، فالأول ، أي الواجب المطلق ، لاقيمة له ولا موضوعية فيه إذا لم يأت ، في تحقيقه ، من الجانب البشري ، وبدون ذلك سيخالف تعريفه وطبيعته . والثاني ، أي المشيئة الإلهية ، فهي إلهية صرفة ، تخص الذات الإلهية فقط ، لذلك هي ، في الجانب الآخر ، تحدث إشكالية في إنطولوجية الإله نفسه ، تحدث إشكالية في مفهوم إرادة إله الكون .
الإعتراض الثاني بالرغم عن إتفاقنا التام والمطلق مع الدكتور صادق جلال العظم حول نقطة إننا لايجوز ولاينبغي أن نحتقر أحداٌ من مخلوقات الإله ، كائناٌ من كان ، وأن نعيد الإعتبار الكامل غير الناقص لإبليس ، إلا إن تأصيله لفكرة إعادة الإعتبار لإبليس ، وموضوع إن إله الكون سوف يجازيه لإنه تمسك بفكرة التوحيد ، وصمد إزاء الإبتلاء ، وبغض النظر عن مصداقية الحديثين القدسيين ، تأصيل باطل من جذوره . فلكي يكون التأصيل ، من الزاوية المنطقية وليس من الزاوية الإلهية ، صادقاٌ ومعقولاٌ ، ينبغي ، بالضرورة ، توافر شرطين متكاملين متضامنين متضافرين ، الأول هو أن تكون القضية برمتها خارج محتوى المشيئة الإلهية ، وإلا لكنا أمام شأن إلهي صرف ينتفي به أي مفهوم للمنطق ومن ثم للعقل . والثاني هو وجود أكيد وفعلي للإختيار ، إختيار مابين الإمكانيات التي قد تحدث بهذه الصورة أم بصورة أخرى ، وليست بصورة حتمية . وهذا ما يتناقض راديكالياٌ مع كافة إطروحات صادق جلال العظم .
الإعتراض الثالث وهو الإعتراض الجوهري المتعلق يالمفارقة مابين الأمر الإلهي ومابين المشيئة الإلهية ، ولكي تكون تلك المفارقة صادقة وأصيلة ، أي ليست شكلية ومزورة ، أووهم وخيال ، لامناص من توافر ثلاثة شروط أصلية ، أي غير قابل للتاويل أو للتفسير المبطن ، الشرط الأول هو إذا تحقق الأول إنتفى الثاني ، وإذا تحقق الثاني إنتفى الأول ، فإذا كانت المشيئة إنعدم الأمر ، وإذا كان الأمر إنعدمت المشيئة ، فلايصح ولايصدق وجود الأثنين معاٌ ، فإما هذا أو إما ذاك ، وهذا مايتطابق مع البعد الإلهي في المفهومين ، أي إن الأمر يتضمن بالضرورة إما الطاعة أو العصيان ، أي يتضمن بالحتمية حرية الإختيار وإمكانية الإختيار ، وإن المشيئة تتضمن بالقسرية تحقق الشيء ، تحقق الإرادة ، فلا راد لتحققها ، ولا مجال للتفكير فيها ، فهي هي ، وحيث هي هي ، تنتفي الشروط الخارجية ، أو أي شرط غير الشرط الإلهي . الشرط الثاني وهو الشرط البنيوي لكلا المفهومين ، فالأمر لايصح ولايصدق إلا إذا تعلق بما هو منطقي ، بما هو عقلي ، مثلاٌ البر بالوالدين ، إما إذا كانت حدود الأمر خارج المنطق ، فلا أمر في هذا الأمر ، كإن يأمر إله الكون أحدهم بالطيران إلى خارج درب التبانة . في حين إن المشيئة لاتحتاج في صحتها وصدقها إلى ماهو منطقي ، إلى ماهو عقلي ، فإذا أراد إله الكون أن يطير أحدهم إلى مابعد مجرة درب التبانة والعودة منها مباشرة ، فهو له وله . الشرط الثالث وهو الشرط المتعلق بموضوعية البناء التطبيقي للمفهومين ، فالأمر لايمكن أن يكون إلا إذا وجه إلى الراشد والبالغ ومن في موقع التكليف والمسؤولية ليتحمل نتائجه الإيجابية والسلبية وكل مايترتب على مبدأ الحرية والإختيار والإمكان ، في حين إن المشيئة يمكن أن تكون موجهة لأي كائن ، المجنون ، المعتوة ، القاصر ، الطفل الصغير ، المولود الجديد . وهذا يهدم بل يحطم كافة المنطلقات الفكرية لتبرير الإشكالية الإلهية بصدد الأمر الإلهي للملائكة بالسجود لآدم ، سواء لدى صادق جلال العظم أم لدى الذين سبقوه .
الإعتراض الرابع رغم إن إبليس لم يختر ، لم يذعن ، لم يرفض ، لم يقبل ، لم ، لم ، ولم ، لكنه أدرك ، وفقط أدرك ، جسامة المأساة ، وعظمة الإبتلاء ، وسوداوية المصير ، وحتمية المشيئة الإلهية . ورغم كل ذلك وهذه فرضية جدلية ، فرضية لندرك ، نحن ، مدى التهافت في إطروحات صادق جلال العظم ، ومدى الإشكالية في المشيئة الإلهية ، والتي حسبها لو كان إبليس أذكى من إله الكون وأعند منه وسجد لآدم ، هكذا بغتة بدون مقدمات ،وقال في نفسه ، ليكن ما يكون ، فأنظروا إلى المأزق الإلهي ، ومأساة إله الكون ، لإنه ، عندها ، لابد أن يرضخ لشروط الواقعة ، وأن يذعن لشروط إبليس من خلال سجوده لآدم ، حيث تنتفي ، حينها ، مفاهيم المعصية والشر والغواية وكل ما ترتب على عدم سجود إبليس لآدم ، ولأنتفت ، بالتالي ، شرعية الوجود الإلهي . وهنا قد ينبري أحدهم للدفاع عن إشكالية إله الكون صادحاٌ : لكن هذه الفرضية غير صادقة ومخالفة للمشيئة الإلهية التي لاترد . نقول ، عندئذ ، أحسنت ، وهذه هي تماماٌ إشكالية المشيئة الإلهية ، فإله الكون بحاجة إلى مشيئته وإلى هذه الإسطورة لكي يثبت وجوده ، فوجود إبليس هو الشرط الإنطولوجي لوجود إله الكون ، وهكذا ، بالنتيجة ، يكون إبليس إلهاٌ مستقلاٌ كامل الإلوهية ، أو جزءاٌ إنطولوجياٌ من إنطولوجية إله الكون ، وإلا لكان إله الكون ناقص الإلوهية . وإلى اللقاء في الحلقة التسعين .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول