صفات القاضي في فكر الإمام على بن أبي طالب (ع)

سالم روضان الموسوي
2020 / 5 / 8

عند مطالعتي كتاب ( الفكر السياسي في رؤية الأمام علي بن أبي طالب) لمؤلفه الباحث في الفلسفة الإسلامية الدكتور علي جميل عبد الموسوي، لفت انتباهي الفصل المتعلق بنهج الإمام (ع) في بناء مؤسسات الدولة ومنها مؤسسة العدالة وكان الباحث الدكتور علي قد أشار في مقدمة كتابه إن تلك المؤسسات هي وسيلة الحكام في تحقيق غاياتهم ويرى الكاتب بان تلك الغايات قد جعلت المجتمع الإنساني في حالة انقسام مستمر ويقول في تلك المقدمة (يعيــش المجتمع الإنساني في حالــة انقســام مســتمر ناجمة عــن أزمة فقــدان للثقــة بــن الشــعوب والحكومات والــدول المتجاورة والمتباعدة والحضارات والأمم. ان جميع مــن يتناحــر ويختلف يدعــي انــه يجسد القيــم العليــا، ويتخــذ منهــا ذريعــة في إقصاء الآخر)[1] ويعزو سبب هذا الانقسام إلى فقدان الثقة بين الحاكم والشعب ، لذلك كان للإمام علي (ع) الاهتمام الكبير بمؤسسة العدالة باعتبارها من مقومات تعزيز الثقة بين الحاكم والمحكوم ويوجه عامله على مصر مالك الأشتر بتعزيز ثقة الناس في الحاكم بقوله (وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده)[2] ويقول ابن ابي الحديد في شرحه لهذه الجملة بان ما يستدل على الصالحين بما يكثر سماعه من ألسنة الناس بمدحهم والثناء عليهم، وكذلك يستدل على الفاسقين بمثل ذلك. وكان يقال ألسنة الرعية أقلام الحق سبحانه إلى الملوك[3]، وكان الإمام (ع) قد بين صفات الحاكم الذي يبغضه الله بقوله (إن أبغض الخلائق إلى الله تعالى رجلان) يبين صفات الأول بقوله (رجل وكله الله إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن، افتتن به، ضال عن هدى من كان قبله، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمال خطايا غيره، رهن بخطيئته) وصفات الثاني (رجل قمشَ[4] جهلاً، موضع في جهال الأمة، عاد في أغباش[5] الفتنة، عم بما في عقد الهدنة، قد سماه أشباه الناس عالما، وليس به.)[6] ويقصد ب (قممش جهلا موضع في جهال الامة) بأنه نال موقعا أو منصباً في وسط من الجهل والتخلف فأطلقوا عليه هؤلاء الجهلة بأنه عالم وهو ليس بعالم ولا يملك المعرفة، فهذه من أسباب انعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم، والتي تؤدي إلى الفتن والفوضى والخراب، لذلك كان الإمام (ع) قد اهتم بالقضاء باعتباره جهة الحكم بين الناس بالعدل، والتي اقرها الخالق سبحانه بقوله (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)[7]، وفي صلاحه صلاح الأمة، إلا أن هذه المؤسسة وغيرها من الممكن أن تكون السبب في زوال الدولة وانقضاء السلطة والسلطان، إذا ما اعتراها الوهن والمحسوبية ومنها تقديم الأراذل وتأخير الأفاضل في تولى المناصب، وهذا ما أشار إليه الإمام علي بقوله (يستدل على إدبار الدول بأربع: تضييع الأصول، والتمسك بالفروع، وتقديم الأراذل، وتأخير الأفاضل) [8]ومن أسباب ذلك التعسف استخدام السلطة والحيف الذي يلحقه الحاكم الظالم بالآخرين فيقول الإمام علي (ع) (استعمل العدل، واحذر العسف والحيف، فإن العسف يعود بالجلاء والحيف يدعو الى السيف) ويقصد به ان التعسف يؤدي الى التفرق والتشتت، والحيف هو الميل عن العدل إلى الظلم الذي ينزع بالمظلومين إلى القتال لإنقاذ أنفسهم[9]، لذلك نجد إن الإمام علي (ع) قد اهتم بشروط القاضي الذي يتولى مهمة نشر العدل بين الناس، وفي عهده إلى مالك الاشتر أوصاه بان يحسن اختيار من يتصدى للقضاء والفصل بين الخصوم وعدد له شروط يجب توفرها في من يولى القضاء بقوله (ع) (اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك، في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم ، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم. ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء. و أولئك قليل.) وهذه الشروط أجملها الدكتور علي جميل الموسوي في كتابه الملمع عنه بصفات رئيسية وعلى وفق الاتي :

1. الصفة العلمية : ويشير إلى إن الإمام علي (ع) أكد على ذلك الجانب عندما يصف القاضي الجاهل بقوله (لم يَعَضُ على العلم بضرس قاطع) بمعنى ان القاضي العالم بأمور مهمته يجب ان يكون العلم والمعرفة زاده وان يكون خبيرا عارفاً بالعلوم التي تمثل أدوات مهنته وفي قوله (يعض بضرس قاطع) لان من عادة فحص صلابة الأعواد أن يَعضَّ عليه بالضرس القاطع وهذا ما يقوم به خبراء الصنعة فكان الاقتباس من ذلك المثل السائر عند العرب[10] .

2. الصفة الأخلاقية : وتؤكد خطب الإمام علي (ع) على وجوب توفر الصفات الأخلاقية في القاضي لأنها أساس النجاح، والعلم بمفرده لا يكفي للنجاح حتى وان توفر في القاضي وإنما لابد من تحليه بصفات أخلاقية منها التي وردت في عهده إلى مالك الاشتر وعلى وفق الآتي :

‌أ. أن يتسع صدر القاضي إلى كل مجريات القضية التي ينظر فيها بقوله (ممن لا تضيق به الأمور).

‌ب. أن يتمتع بشخصية قوية لا تؤثر فيه سطوة المتخاصمين بقوله (ولا تمحكه الخصوم)

‌ج. وان لا يصر على الخطأ بعد اكتشافه، بقوله (ولا يتمادى في الزلة) وان لا يتحرج من الرجوع إلى الحق بقوله (ع) ( ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه) بمعنى أن لا يتحرج او يتضايق من العودة إلى الحق إذا عرفه وكلمة (فَيْئ) هي مصدر الفعل فَاءَ أي رجع مثال ذلك فاء عن غضبه أي رجع عن غضبه.

‌د. أن لا تغره الأموال والوجاهة ومغريات السلطة والمنصب وإنما يجب أن يبقى ملتزماً بالحق بقوله (ع) (ولا تشرف نفسه على طمع) ويشرح هذه العبارة ابن أبي الحديد بقوله (الإشراف على الشيء: الاطلاع عليه من فوق. فالطمع من سافلات الأمور من نظر إليه وهو في أعلى منزلة النزاهة لحقته وصمة النقيصة فما ظنك بمن هبط إليه وتناوله)[11]

‌ه. أن يتحلى بالدقة والدراية وعدم التسرع في اتخاذ القرار بقوله (ع) (ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه) بمعنى ان لا يكتفي في الحكم بما يبدو له بأول فهم وأقر به دون أن يأتي على أقصى الفهم بعد التأمل.

‌و. أن يتصف بالتواضع ويقف عند اشتباه الأمور عليه، أي أن لا يتمادى ويتخذ القرار دون أن يكون قد فهم الوقائع فهماً صحيحاً واستدل على الأحكام الواجبة التطبيق، وهذا ما قاله الأمام (ع) (وأوقفهم في الشبهات) أي الذي يتوقف عند حصول اشتباه لديه وعدم وضوح لان الشبهات هي ما لا يتضح الحكم فيها بالنص، فينبغي الوقوف عندها حتى يرد الحادثة إلى أصلٍ صحيح[12]

‌ز. الشجاعة والإصرار على الالتزام بالحكم الحق والصحيح وان لا يخشى صاحب شوكة ووجاهة سواء من رؤسائه أو من غيرهم وهذا ما قاله الإمام (ع) (وأصرمهم عند اتضاح الحكم. ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء) بمعنى ان لا يستخفه الإطراء من الطبالين والمداحين وان لا يسعى ل يتصدر الأخبار عن شخصه لا عن علمه، وان لا يجعل من وسائل الإشهار ميداناً للنفخ في صورته الواهمة او يستأجر ضعفاء النفوس من المرائين والانتهازيين ليقولوا فيه ما لم يكن فيه أصلاً. فيجعلوه متكبراً على أقرانه وعلى أهل جلدته، فيكون من الخاسرين وعليه آثام القاتلين إلى يوم القيامة على وفق ما قاله الإمام (ع) بقوله (المتكبر على ابن أمه من غير ما فضل جعله الله فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد، وقدحت الحمية في قلبه من نار الغضب، ونفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر الذي أعقبه الله به الندامة، وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة)[13]

ومن خلال ما تقدم نجد إن الإمام علي (ع) قد أحاطنا بما يجب أن يكون عليه القاضي في أي زمان أو مكان، وعِلْمُ علي هو علم الرسول الكريم، لذلك بعد ذكره شروط وأوصاف القاضي فانه يخلص إلى نتيجة إن من يتوفرون عليها هم القلة وليس الأغلبية أو الأكثرية حتى وان لبسوا لباس القضاء وتحلوا بزينة الفضلاء، فهو القائل في ختام تعداده لشروط القاضي الواردة في عهدة إلى مالك الاشتر (وأولئك قليل) ، لكن إن وجدوا فان فعلهم في المجتمع سيكون كبير وأثره مفزع للطغاة والفاسدين وصوته مدوي يصم أذان الظالمين.

القاضي

سالم روضان الموسوي
الهوامش______________________

[1] الدكتور علي جميل عبد الموسوي ـ الفكر السياسي في رؤية الامام علي بن ابي طالب ـ منشورات مؤسة علوم نهج البلاغة ت كربلاء ـ طبعة عام 2017 ـ ص 8

[2] الشيخ محمد عبده ـ نهج البلاغة خطب الامام علي ـ منشورات دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان ـ الطبعة الأولى عام 1992 ـ ج3 ـ ص83

[3] ابن ابي الحديد المعتزلي ـ مرجع سابق ـ ج 17 ـ ص 31

[4] القمش معناه في اللغة 0الجمع من ها هنا وها هنا) والقمش ايضاً رديء كلِّ شيء ، والقمش ما على وجْهِ الأرضِ من فُتاتِ الأشْياءِ، حتى يقالُ لرُذالَةِ الناسِ: قُماشٌ. معجم لسان العرب باب قمش

[5] اغباش جمع غبش ـ وهو بَقِيَّةُ الليلِ، أو ظُلْمَةُ آخِرِهِ لسان العرب باب غبش

[6] ابن ابي الحديد المعتزلي ـ شرح نهج البلاغة ـ منشورات دار احياء الكتب العربية في دمشق ـ الطبعة الاولى عام 1959ـ ج1 ـ ص 283

[7] سورة النساء الآية 58

[8] موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع( في الكتاب والسنة والتاريخ ـ منشورات دار الحديث للنشر في قم الطبعة الثانية عام 2004 ـ ج4 ـ ص 327

[9] الشيخ محمد عبده ـ مرجع سابق ـ ج4ـ ص 110

[10] الشيخ محمد عبده ـ مرجع سابق ـ ج1 ـ ص53

[11] الشيخ محمد عبده ـ مرجع سابق ـ ج3ـ ص93

[12] الشيخ محمد عبده ـ مرجع سابق ـ ج3ـ ص93

[13] الشيخ محمد عبده ـ مرجع سابق ـ ج2 ـ ص141