وعد بلفور الثانى : سيناء لإسرائيل

طلعت رضوان
2020 / 5 / 6

وعد بلفورالثانى: سيناء لإسرائيل
فى عدد شهرأمشير/فبراير1929كتب المفكرالمصرى (عمرعنايت) دراسة مهمة جدًا عن أطماع إسرائيل فى سيناء..وبدعم وتأييد بريطانيا..وفى العدد التالى برمهات/ مارس1929كتب الأستاذ (عبدالحكيم الجهنى) دراسة أيــّـد فيها عمر عنايت..وأضاف الجهنى بعض المعلومات عن المخطط الصهيونى، مثل اقتراح مستر(ود جوود) العضوبمجلس العموم البريطانى الذى طلب فيه من مصر((أنْ تتنازل عن شبه جزيرة سيناء لفلسطين)) (وهى دعوة يـُردّدها سياسيون وعسكريون وكتاب إسرائيليون منذ سنوات وحتى كتابة هذه السطور) وأشارأ.الجهنى إلى أنّ اليهود يُرسلون بعض الأساتذة والأحبارإلى طورسينـاء ((ليقوموا بتنقيبات عن التركة الموسوية هناك حيث كان التيه..وكان المن والسلوى..وحيث يُـقال أنّ بعض المُهندسين اليهود تمكنوا خلال الحرب العظمى (الأولى) من استكشاف أنّ الجدب فى سيناء ليس إلاّ أكذوبة قارحة..وأنه توجد تحت الطباق الرملية مجارللمياه ومنابـع للخصوبة)) وذكرأهمية الموقع الجغرافى لفلسطين..وإمكانية إقامة مشروعات صناعية وزراعية بها. ثم أشارإلى المعلومات التى تتناقلها الصحف العالمية عن خطط اليهود فى المنطقة مثل (مشروع روتنبرج) الكهربائى العظيم ومشروع البحرالميت الزاخر..ومشروع ميناء حيفا..واقتراح بإنشاء قناة جديدة تــُـقرّب قناة السويس بين البحرالأبيض المتوسط وخليج العقبة)) ثم ربط بين الفاشستية والصهيونية..وكتب تأييده لتحذيرعمرعنايت الذى قال فيه إنّ هذا المخطط لونجح، فإنّ ((مصرستكون كمية مهملة تحت أقدام بنى إسرائيل الجـُـدد)) وأضاف ((إنّ المُـخططات الصهيونية والفاشستية تضع مصرأمام امتحان دقيق))
000
وإذا كان هذا الكلام عام1929، فإنه تجـدّد فى عام1956عقب العدوان الثلاثى على مصر، بعد تأميم قناة السويس..وفى بادرة مهمة نشرتْ (صحيفة الأهرام- عدد 28 إبريل2020- على مساحة صفحة كاملة) الوثائق البريطانية (السرية) عن إهداء سيناء لإسرائيل..وأنه فى الفترة بين29 أكتوبرحتى11نوفمبر1956بدأتْ الدوائر البرلمانية والسياسية والإعلامية البريطانية، حملة للتشكيك فى سيادة مصرعلى سيناء..والهدف هواقتطاع جزء من سيناء، لخدمة مصالح إسرائيل والغرب..وفى مجلس اللوردات قال اللورد (ريدنج) فى جلسة12ديسمبر56 إنّ مصر((تحتل سيناء منذ نزاع عام1922..وجاء بعده لورد آخر(سولبيرى) فكتب مقالافى صحيفة التايمز (عدد6فبراير57) قال فيه ((ليس لمصرحق فى سيناء..وأنها لم تكن أرضــًـا مصرية..وإنما كانت جزءًا من فلسطين..وليس من حق مصرأنْ تطالب إسرائيل بالانسحاب من سيناء، لأنّ إسرائيل لم تحتل أرضــًـا مصرية.
وفى محاولة للتظاهربالموضوعية، قالت وزارة الخارجية البريطانية: لقد تـمّ فحص مشروع أحقية إسرائيل فى سيناء ((فحصـًـا عميقــًـا)) وبعد الدراسة الدقيقة، توصلنا إلى نتيجة مدروسة، بأنّ ((مصرلديها الآن (إدّعاءً) بالسيادة على سيناء. وهوإدّعاء ((من المؤكد أنه سيتم تأكيده فى أى محكمة دولية..ولذلك فليس لدينا موقف يسمح لنا بتبنى وجهة نظرمعاكسة..وليس لدينا أى أمل حقيقى فى النجاح، وبدون أنْ نضع أنفسنا فى موقف نبدوفيه: إما أغبياء أونريد الانتقام من تأميم القناة.
وفى أوائل عام1957طرح عدد من السياسيين والباحثين الإنجليزفكرة (بيع) سيناء بواسطة هيئة الأمم المتحدة..وتضمّـنتْ الفكرة أنْ تتحوّل سيناء إلى ((قاعدة دائمة لقوات حفظ السلام الدولية..وتتجمّـع فيها الاستثمارات للتنمية)) ولم تتوقف محاولات انتزاع سيناء من مصرحيث كشفتْ الوثائق، أنّ بريطانيا درستْ اقتراحـًـا باقتطاع مساحة من سيناء..وجزءًا من قطاع غزة لإنشاء منطقة تــُـديرها الأمم المتحدة بعمق نحو8كيلومترات فى سيناء..وتمتد من ميناء غزة بين حدود ومصرإلى حدود إسرائيل والأردن..والهدف هو((توطين نحو600 ألف لاجىء فلسطينى فى سيناء..وهوأفضل من عودتهم إلى فلسطين..وكذلك ربط الأردن بالبحرالأبيض، عن طريق إنشاء خط سكة حديد، يمكــّـن إسرائيل من الوصول إلى البحرالأحمر.
وبالرغم من كل ذلك فقد لاحظ مُـحرّرجريدة الأهرام، أنه منذ سبعينيات القرن العشرين، اعتمدتْ الحكومة البريطانية (فى سجلاتها الرسمية) خريطة (وحيدة) لسيناء عليها اسم شبه الجزيرة..وتحتها اسم (مصرذات السيادة على سيناء)
***
فهل اختلف قادة حماس عن بريطانيا وإسرائيل؟ إنّ الحمساويين أصابتهم لوثة عقلية، أوخلل عقلى، أواضطراب نفسى، نتج عنه سيطرة فكرة طوباوية بأنْ يستولوا على سيناء (المصرية) وهونفس الحلم الطوباوى الذى سيطرعلى عقول أشد الصهاينة تطرفــًـا (اليمين الصهيونى) منذ عام1929، أى قبل نجاح المشروع الصهيونى فى الاستسلاء على أرض الشعب الفلسطينى. فلماذا هذا التطابق بين الحمساويين والصهاينة؟ ولماذا لايتفرّغ الحمساويون لتحريرأراضيهم من إسرائيل، أوحتى العمل على اقناع الرأى العام العالمى بحق الشعب الفلسطينى فى اقامة دولته المستقلة؟ من خلال الضغط على إسرائيل، حتى يسود السلام المنطقة.
كانت آخرالتصريحات فى هذا المجال التصريح الذى أدلى به خالد مشعل (رئيس المكتب السياسى لحماس) لصحيفة (يديعوت أحرونوت) ومعناها (آخرالأخبار) وقال فيه ((إنّ سيناء من حقنا وسوف نستحوذ عليها قريبـًـا)) قال ذلك خلال لقائه مع مجموعة من وسائل الإعلام الهندية والآسيوية فى الدوحة..ويبدوأنّ هذا الحلم الطوباوى/ المرضى قد سيطرعلى أدمغة القادة الحمساويين، لأنّ كلام مشعل الأخيرسبقه كلام مُـشابه ومُـتطابق قاله اسماعيل هنيبة (رئيس حماس)، ولكن بأسلوب أكثرحدة (كأنما كانت حرارته تعـدّتْ الأربعين) حيث قال ((لدينا 25 ألف جندى وخمسة آلاف انتحارى لاحتلال مصرخلال3ساعات))
وأعتقد أنه من الضرورى تفعيل العمل بالقرارات والأحكام التى اعتبرتْ حماس (منظمة إرهابية) بمرعاة أنها مارستْ الإرهاب ضد الشعب الفلسطينى..وضد أعضاء منظمة فتح (الفلسطينية) وقتلتْ الكثيرين منهم طوال سنوات الصراع بين حماس والسلطة الفلسطينية، وكان الحمساويون يلقون خصومهم الفتحاويين من الأدوارالعليا..ويرفعون علم حماس (برمزه الدينى) ونزع علم فلسطين (برمزه الوطنى) والاعتداء على الجرحى داخل المستشفيات..إلخ. وكما تـمّ زرع حماس (بمعرفة إسرائيل) لتهديد منظمة فتح الفلسطينية..والعمل على وأد أى مشروع للسلام..ولم تكن مُـصادفة أن تتكـوّن جماعة يهودية إرهابية داخل إسرائيل..ولذلك تقدم معهد القدس للعدالة (المعنى بالدفاع عن الحقوق المدنية والاجتماعية والحريات الدينية) بطلب للمدعى العام المستشارالقانونى (يهودا فاينشتاين) لاتخاذ الاجراءات اللازمة لحل منظمة (يد لأحميم) ومعناها (يد الأخوة) وهى منظمة تابعة للجماعة الحريدية المتطرفة..وإعلانها منظمة إرهابية نظرًا لضلوعها فى أنشطة غيرمشروعة ضد الأقليات الدينية والعرقية فى البلاد (مجلة مختارات إسرائيلية- مركزالأهرام للسياسات- إبريل2010)
وبينما كان (حسن يوسف) أحد مؤسسى تنظيم حماس، فإنّ ابنه (مصعب) عمل مع جهاز(الشاباك) أى جهازالأمن العام الإسرائيلى لمدة عشرسنوات..واعترف الابن فى كتاب نشرته دارنشرأمريكيه، أنّ الإسرائيليين زرعوه داخل حماس، فذكرفى كتابه معلومات غاية فى الأهمية عن الإرهاب الحمساوى ضد الفلسطينيين (المصدرالسابق)
والحلم الطوباوى الحمساوى عن الاستيلاء على سيناء، يتقابل مع الحلم الصهيونى..ويوجد أكثرمن دليل على ذلك مثل القرارالذى أصدره مجلس المستعمرين الإسرائيلى المتضمن أنه يجب أنْ تمتد حدود قطاع غزة إلى ماوراء خط الحدود الراهن بين إسرائيل ومصرمُـقتطعة جزءًا من سيناء لتوطين بعض الفلسطينيين (مصطفى خليل الديوانى- أهرام4/2/2008) وفى حوارأجرته صحيفة (هاآرتس) ومعناها الأرض مع (جيورا آيلاند) رئيس مجلس الأمن القومى الإسرائيلى يوم4/6/2006قال إنه اقترح على شارون فى عام2004ضرورة ضم600كم إلى قطاع غزة من شمال سيناء..وضم 600كم من مساحة الضفة إلى إسرائيل لضمان إقامة حدود آمنة. مع منح المصريين تعويضًـا إقليميـًـا فى النقب الجنوبى يصل إلى150كم..وحفرنفق يصل مصربالأردن من شمال إيلات..ونقل مساحة صغيرة (حوالى100كم) من أراضى الأردن إلى الفلسطينيين (مجلة مختارات إسرائيلية- يوليو2006) أى أنّ الحمساويين مع مشروع التوسع الصهيونى على حساب أراضى الشعبيْن المصرى والأردنى..وفى الكتاب الذى أعده د.محجوب عمربعنوان (الترانسفير: الإبعاد الجماعى فى العقيدة الصهيونية) الصادرعن دارالبيادرللنشر- عام1990رصد فيه تصريحات السياسيين والعسكريين الإسرائيليين الذين يرون أنّ حل مشكلة فلسطين، لن يكون إلاّبترحيلهم وتوزيعهم على الدول العربية، مثل العراق وليبيا والأردن..إلخ. ونقل عن (إيهود أولمرت) أنّ ((التهديد الديموجرافى (الفلسطينى) يـُـمثل خطورة على جميع أشكال حياتنا)) وقال نائب وزيرالدفاع الإسرائيلى (ميخائل ديكل) أنه ((من أجل ألاّتتحوّل المنطقة إلى برميل بارود، فعن طريق الترانسفيرفحسب يمكن حل المشكلة الفلسطينية)) وبالفعل نجحتْ إسرائيل- خلال حرب67- فى إجلاء أكثرمن ربع مليون فلسطينى إلى الضفة الشرقية للأردن..ودعا شارون- فى ذاك الوقت- الفلسطينيين للانتقال إلى الجانب الآخرمن النهر. ورحـّـب بمساعدتهم على تغييرالنظام الملكى لإقامة دولتهم الخاصة فى الأردن (محجوب عمر- عدة صفحات) واختتم كتابه عن خطورة التوسع الصهيونى بنداء للأنظمة العربية كى تنتبه إلى هذا المشروع الذى تحلم به إسرائيل..وقال ((علينا أنْ نحفظ ونـُـردّد عبرة الحكيم الصينى الذى قال ((لنكن يقظين وحذرين كمن يخطوعلى طبقة من الجليد الهش)) (ص311) فهل ستتعظ الأنظمة العربية من خطورة المخطط الصهيونى؟ وهل سيتعظ العروبيون والإسلاميون (المصريون) من خطورة الحمساويين المُـتوافقين مع المشروع الصهيونى؟ وهل يمكن التخلص من وهم (العروبة) مع تأمل الكلام المهم الذى قاله عبدالقادرالحسينى فى الأربعينيات ((إنّ الأنظمة العربية تركتْ لنا خيارًا بين ثلاثة: أنْ نهرب إلى العراق أوننتحرأونسقط هنا مقاتلين)) (محجوب عمر- ص18) فهل ينتبه النظام المصرى لهذا المخطط البريطانى/ الإسرائيلى؟ وأليس ذلك معناه (وعد بلفورالثانى) ولكن هذه المرة إهداء سيناء لإسرائيل؟
***