ابطال عريضة الدعوى بين النص القانوني والعرف القضائي

سالم روضان الموسوي
2020 / 5 / 5

إبطال عريضة الدعوى بين النص القانوني والعرف القضائي
قبل أيام دار حوار مع احد الزملاء حول الشكلية الواجب إتباعها لإبطال عريضة الدعوى بناء على طلب المدعي واختلافها عن حالة الطلب بالإبطال بناء على طلب المدعى عليه، ووجدت إن في الأمر اختلاف فاذا كان الطلب من المدعي لإبطال عريضة الدعوى فان المادة (88) من قانون المرافعات المدنية العراقي رقم 83 لسنة 1969 المعدل هي التي تنظم أحوالها وفيها عدة فقرات تضمنت شروط عدة، منها أن لا تكون الدعوى مهيأة للحسم والسبب في ذلك قد يكون ناجم عن فهم المدعي بان الأمور لا تسير على وفق هواه أو انه رأى عدم استكمال أدلته وله مصلحة في الإبطال وعلى وفق ما أشار إليه المرحوم القاضي عبدالرحمن علام في كتابه الموسوم (شرح قانون المرافعات المدنية ـ الجزء الثاني ـ ص 404) لكن المحكمة غير ملزمة بهذا الطلب ولها الصلاحية برفض طلب الإبطال على وفق أحكام الفقرة (1) من المادة (88) من قانون المرافعات التي جاء فيها الآتي (للمدعي أن يطلب إبطال عريضة الدعوى، إلا إذا كانت قد تهيأت للحكم فيها) ولا يوجد زمن محدد لطلب الإبطال باستثناء حالة واحدة أشارت إليها المادة (88/1) مرافعات المشار إليها في أعلاه بان لا تكون الدعوى مهيأة للحسم ومعنى (مهيأة للحسم) أن يكون أطراف الدعوى قد قدموا ما لديهم من دفوع وطلبات في جلسات المرافعة وأكملت المحكمة تحقيقاتها، ففي هذه الحالة للمحكمة أن ترفض الطلب ، كما ورد شرط آخر بان يكون الطلب بعريضة يقدمها المدعي وعلى وفق حكم المادة (88/2) مرافعات التي جاء فيها الآتي ( يكون ذلك بعريضة يقدمها للمحكمة ويؤيدها أمامها مع تبليغها إلى الخصم الآخر أو بإقرار يصدر منه في الجلسة ويدون بمحضرها) وفي هذا النص نجد إن شرط تقديم الطلب بعريضة وجوبي حيث حدد آلية تقديم الطلب بعريضة وليس بخطاب شفوي أو إشارة أو أي شيء آخر، والدليل على ذلك الوجوب وجود نصوص قانونية أخرى أجازت للمدعى عليه عند عدم حضور المدعي جلسة المرافعة أن يطلب الإبطال لكن لم يلزمه بان يقدم بعريضة وعلى وفق نص المادة (56/2) مرافعات التي جاء فيها الآتي (إذا لم يحضر المدعى وحضر المدعى عليه فله ان يطلب إبطال عريضة الدعوى او يطلب النظر في دفعه للدعوى غيابا . وعندئذ تبت المحكمة في الدعوى بما تراه موافقا للقانون) ويرى المرحوم عبدالرحمن العلام بان ما سار عليه القضاء والفقه هو جواز تقديم طلب الإبطال من المدعي بأي وسيلة كانت سواء طلب شفوي أو تحريري وهذا ما ذكره في كتابه الملمع عنه في الصفحة (406) ووجدتُ إن هذا القول كان قد ذكره الدكتور احمد أبو الوفا في كتابه الموسوم (نظرية الدفوع في قانون المرافعات ـ ص811) وأشار أبو الوفا الى ان هذا التعليل والتبرير كان نقلاً عن الفقه والقضاء الفرنسي وذكر في الهامش بان الفقهاء جلاسون وسوليس هم من أيدوا وجهة النظر هذه ، مع إن قانون المرافعات المدنية المصري رقم 13 لسنة 1968 المعدل قد اشترط وجوباً إن يكون طلب إبطال عريضة الدعوى من المدعي بشكل تحريري، ويذكر ان القانون المصري يسمي الإبطال بناء على طلب المدعي (بترك الخصومة) ويرى الدكتور اجياد ثامر نايف الدليمي أستاذ القانون الخاص بان مصطلح (ترك الخصومة) هو ذاته طلب إبطال عريضة او الإبطال الإرادي للدعوى وانه جاء نقلاً عن الفقه الإسلامي وعلى وفق ما ذكره في كتابه الموسوم (إبطال عريضة الدعوى المدنية للإهمال بالواجبات الإجرائية ـ دراسة مقارنةـ ص116) وعند العودة إلى القانون المصري فانه اشترط وجوب تحرير الطلب بالإبطال أو ترك الخصومة وعلى وفق حكم المادة (141) من قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم 13 لسنة 1968 المعدل التي جاء فيها الآتي (يكون ترك الخصومة بإعلان من التارك لخصمه على يد محضر أو ببيان صريح في مذكرة موقعة من التارك أو من وكيله مع اطلاع خصمه عليها أو بإبدائه شفوياً في الجلسة وإثباته في المحضر) لكن وكما أشرت إن الفقه والقضاء المصري أجاز عرفاً قبول الطلب شفويا أثناء نظر الدعوى، وهذا ما سار عليه الفقه والقضاء العراقي، لكن هذه الاتجاه الفقهي والقضائي كما لاحظنا كان بالاعتماد على الفقه الفرنسي بشكل كبير مثلما أشار إليه الدكتور ابو الوفا، كما ان المرحوم عبدالرحمن علام قد اعتمد ذات الرأي عند شرحه لموضوع إبطال عريضة الدعوى في المادة (88) مرافعات، حيث انه نقل ذلك الرأي من الدكتور ابو الوفا في كتابه الملمع عنه ، لكن عند العودة إلى قانون المرافعات الفرنسي لعام 1975 فانه في المادة (397) قد ذكر بان طلب الإبطال الذي يقدم من المدعي يكون ضمني او صريح على وفق النص الآتي
(Le désistement est exprès ou implicite - il en est de même de l acceptation)
وهو ذات النص الذي اخذ به القانون الجزائري في المادة (231) من قانون الإجراءات المدنية والإدارية رقم 9/8 لسنة 2008 الذي جاء فيها الآتي (التنازل هو إمكانية مخولة للمدعي لإنهاء الخصومة و لا يترتب عنه التخلي عن الحق في الدعوى، يتم التعبير عن التنازل أما كتابيا وإما بتصريح يثبت بمحضر يحرره رئيس أمناء الضبط) ، وهذا ىالنص فيه فسحه لقبول طلب الابطال او ما سماه بالتنازل شفويا وفي محضر الجلسة لان النص اشار الى عبارة الصريح والضمني ولم يرد فيه نص بضرورة تحريره بعريضة او مذكرة او أي وسيلة خطية اخرى على خلاف ما ورد في القانون العراقي في المادة (88/2) مرافعات والمادة (141) من قانون المرافعات المدنية المصري، ومن ذلك العرض أرى بان ال سائد في التطبيق القضائي هو عرف استقر عليه التعامل منذ فترة طويلة لكنه يتقاطع مع النص القانوني النافذ، ويذكر إن القانون المدني العراقي لم يعطي للعرف منزلة أسمى من النص القانوني حيث اعتبر الأولوية الفضلى للنص القانوني وان لم يوجد نص يعالج الموضوع يتم الركون إلى العرف وعلى وفق حكم الفقرة (2) من المادة (1) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 المعدل التي جاء فيها الآتي (فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكمت المحكمة بمقتضى العرف فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملائمة لنصوص هذا القانون دون التقيد بمذهب معين فإذا لم يوجد فبمقتضى قواعد العدالة) ، لكن في موضوع طلب ابطال الدعوى من المدعي في القانون العراقي يوجد نص صريح ، مما يجعل من الاستمرار في العرف القضائي مخالفة لنص قانوني صريح واجب العمل به عملا بأحكام القاعدة الفقهية والقانونية الواردة في المادة (158) من القانون المدني العراقي (إعمال الكلام أولى من إهماله، لكن إذا تعذر إعمال الكلام يهمل) وقد يعترض بعض الزملاء على هذا العرض لان في قبول الطلب شفوياً هو تبسيط للشكلية ولا يؤثر على الحقوق والمراكز القانونية ، الا ان ذلك غير صحيح لان القبول بالاستمرار في هذا العرف يؤدي الى مخالفات اخرى للنص القانوني لاننا كثيراً ما نقبل الطلب دون ان ننتظر الخصم او نبلغه بالطلب حتى لو كان حاضر في جميع جلسات المرافعة في الدعوى وهو خلاف ما ذكر في المادة (88/2) مرافعات حول وجوب تبليغ الخصم وعلى وفق النص الآتي (مع تبليغها إلى الخصم الآخر أو بإقرار يصدر منه في الجلسة ويدون بمحضرها) وهذا الطلب فيه شكلية وجوب مراعاتها بان تقترن بعريضة او طلب خطي وهذا ما سعى اليه المشرع لان النص القانوني ولا يعدو عن كونه مجموعة ألفاظ يريد بها المشرع أو التعبير عن معنى هادف، ويرى المختصون في تفسير النصوص بان صيغة النص يقصد بها التعبير بالألفاظ عن الصور الذهنية وهي المعاني، فاللفظ هو القالب الذي يتجسد فيه المعنى المراد إيصاله وهذا ما أشار إليه الدكتور محمد شريف احمد في كتابه الموسوم (نظرية تفسير النصوص المدنية ـ ص 56) لان النص القانوني لم يوضع بقالبه النافذ عبثاً وانما لتحقيق غاية وللمشرع حين جعل طلب الابطال بعريضة أي بطلب خطي كانت له غاية من وراء هذا النص والا لما نص عليها بهذا الوضوح التام ، لان الاصل في تحريك الدعوى ان يكون بعريضة أي بطلب خطي على وفق ما جاء في المادة (44/1) مرافعات التي جاء فيها الآتي (كل دعوى يجب ان تقام بعريضة) وتقام الدعوى بارادة المدعي وبناء على طلبه لذلك اذا ما اراد ان ينهي الدعوى وبطلبه وبناء على ارادته لابد ان يكطون بنفس المستوى من الشروط، فعمد المشرع الى ضرورة ان يكون طلب الابطال بعريضة، وقد يثير البعض سؤال او اعتراض يتمثل بان المدعى عليه ايضاً ينهي الدعوى بناء على طلب عندما يطلب الابطال وعلى وفق احكام المادة (54/2) مرافعات ولم يشترط ان يكون بعريضة، والجواب على ذلك ان المدعى عليه هو في مركز الدفاع عن حقوقه تجاه طلب المدعي والطلب بالابطال الذي يبديه هو نوع من الدفوع التي يتقدم بها والدفوع لم يشترط لها القانون ان تقدم بعريضة او بطلب خطي ، ويعتبر عدم حضور المدعي بمثابة الإعلان عن العدول في السير بالدعوى او إهمال منه يوجب الجزاء بإبطالها اذا رغب المدعى عليه وهذا ما جاء في الأسباب الموجبة لقانون المرافعات وفي المادة (56) والتي جاء فيها الآتي ( فأجاز القانون في هذه الحالة للمدعي عليه الحاضر ان يطلب ابطال عريضة الدعوى أو يطلب النظر في دفعه للدعوى في غياب المدعي وعندئذ تبت المحكمة في الدعوى بما تراه موافقا للقانون (م 56) وعلة ذلك انه في المرحلة الأولى من الدعوى لا عذر للمدعي في الغياب وهو عالم بالجلسة المحددة لنظرها منذ رفعها (م 48) ويعتبر غيابه في هذه المرحلة عدولا عن السير وإهمالا منه في متابعتها)، لذلك أرى بان النص واجب الإتباع وان ما سار عليه العرف القضائي هو اجتهاد فيه مخالفة للنص القانوني، مع الالتفات الى اني كنت اقبل طلب الابطال شفويا ودون تبليغ الخصم عندما كنت قاضيا انظر الدعاوى سواء في محاكم البداءة او الاحوال الشخصية او في الهيئة التمييزية ، تتايعاً لما عليه العموم في التطبيق وان خالفت سوف لن اجد من يسمع وسيعطل السير في الدعوى ، لكن ما زلت متمسك بوجهة النظر تلك وما يعززها ان محكمة التمييز كانت في السابق لا تقبل ان يكون الطلب بالإبطال من المدعي إلا بعريضة وان يتم تبليغ الخصم بها وهذا ما جاء في قرار لمحكمة التمييز بالعدد 779/حقوقية ثالثة/970 في 18/10/970 والمنشور في كتاب المرحوم عبدالرحمن علام الملمع عنه وفي الصفحة 410 وجاء في القرار أعلاه الآتي ( لدى التدقيق والمداولة وجد ان وكيل المميز عليها قدم عريضته الى محكمة الصلح بتاريخ 13/6/1970 يطلب فيها إبطال عريضة الدعوى بالنظر لعدم اختصاص هذه المحكمة في رؤيتها وان المحكمة قررت إبطال عريضة الدعوى دون إجراء التبليغات المنصوص عليها في الفقرة (2) من المادة (88) من قانون المرافعات المدنية الى الخصم ودون ان تستمع الى دفوعه) واعتبرت ذلك بمثابة المخالفة لنصوص القانون.
لذلك وليستقم العمل على وفق مقتضى القانون أرى إما أن يعاد العمل بحكم النص القانوني النافذ او ان يتم تعديله ليكون مماثل لما نص عليه القانون الجزائري في قبول الطلب بأي وسيلة كانت.
القاضي