رمضان ومعركة الشهيدين..

حسن أحراث
2020 / 5 / 2

مباشرة بعد صدور الأحكام في حق مجموعة مراكش (1984) منتصف ليلة 25 ماي، تواصلت النقاشات لما يزيد عن شهر بشأن الأوضاع الكارثية بسجن بولمهارز بمراكش. وقد عرفت هذه النقاشات المد والجزر، وحتى بعض العواصف. وفي الأخير، حسم الأمر بالنسبة لعشرة (10) مناضلين (مصطفى بلهواري وبوبكر الدريدي والحبيب لقدور وعبد الرحيم سايف والطاهر الدريدي ونورالدين جوهاري وكمال سقيتي والحسين باري وأحمد البوزياني وحسن أحراث)، وقرروا خوض إضراب لامحدود عن الطعام في 04 يوليوز 1984.
كان ذلك مباشرة بعد شهر رمضان. كان بالنسبة لنا شهر نقاشات ماراطونية، قلما كانت تنتهي نهارا أو قبل منتصف الليل، تارة في هذه الزنزانة وتارة في زنزانة أخرى. ونحن في أوج التحضير لمعركة مصيرية، لم نذق طعم رمضان تلك السنة، ولا لمسنا طقوسه وعاداته، بالرغم مما بذلته عائلاتنا لتوفير تغذية و"شهيوات" تقلص من حدة ومحنة الاعتقال.
انطلقت المعركة، وعرفت استشهاد الرفيقين بوبكر ومصطفى؛ إلا أننا لم نحقق ملفنا المطلبي كاملا. ولنقل إننا بالسجن المدني باسفي، لم نحقق أبسط نقطة من نقط ملفنا المطلبي، عكس ما حصل بالسجن المدني بالصويرة، حيث تحقيق كل المطالب. وبالمناسبة، فالشهيد مصطفى بلهواري خاض إضرابا واحدا عن الطعام، عكس ما سمعنا وقرأنا عن كون الشهيد خاض عدة إضرابات عن الطعام. إن الشهيد بلهواري أكبر من الإضراب عن الطعام، سواء كان واحدا أو حتى مئة إضراب. وآخر من ردد هذه المعلومة المغلوطة الدكتور عبد الرحيم حزل في الحلقة الأولى لسلسلته "عجائب وغرائب.. من بلاد المغرب" بعنوان "عبد الله العروي ومصطفى بلهواري". فعلا، عجيب وغريب، بل مثير للسخرية، إقحام الشهيد بلهواري في مقارنة ما لا يقارن. وأعتبره توظيفا غير موفق، بل ممارسة بئيسة للإثارة لا غير.
عودة الى الأهم، وأمام نفس الأوضاع بالسجن المدني باسفي، استمر النقاش بين الرفاق الثمانية الموزعين على مدن اسفي والصويرة ومراكش. وأسفر عن خوض عدة إضرابات محدودة عن الطعام، كان آخرها إضراب لمدة 25 يوما؛ قضينا جزء منه بمستشفى الصوفي بمدينة الدار البيضاء. وللإشارة، فقد أعلناه إضرابا لا محدودا، واتفقنا فيما بيننا على توقيفه عشية شهر رمضان لسنة 1985؛ وفي حالة عدم تحقيق مطالبنا الاستمرار في الإضراب اللامحدود عن الطعام. ذلك ما حصل فعلا، ووجدنا أنفسنا نحن الثمانية بسجن بولمهارز بمراكش ودون تحقيق مطالبنا.
كان شهر رمضان لتلك السنة فرصة لاستجماع القوة، لأن القرار كان محسوما سلفا. أحسسنا بغياب رفيقين عزيزين مصطفى وبوبكر، وجددنا الالتزام على مواصلة المعركة حتى النصر، وفاء لرفيقينا وللعهد الذي جمعنا.
ومن بين طرائف شهر رمضان ذاك، أن اكتشفنا في إحدى الليالي (ليلة 27)، مباشرة بعد الزيارة، عددا كبيرا من الدجاج "لمحمر" (Poulet Rôti) بدون أفخاذ (Cuisses). وللتاريخ، فمجهودات عائلاتنا كانت فوق العادة. لقد "أغرقتنا" بكل أصناف المأكولات الشهية، ومنها كمية كبيرة من الدجاج "لمحمر"، علما أن هذه الأكلة الأخيرة كان لها معنى بمراكش في ذلك العهد.
استغربنا كثيرا للأمر، دجاج "محمر" بدون أفخاذ!!
وكانت المفاجأة أن باح أحد الرفاق بكونه مقترف تلك "الجريمة". لقد استهوته الأفخاذ، ولم يتردد في الإجهاز عليها الواحدة تلو الأخرى. تملكنا حينه ضحك هستيري (Fou Rire)، منحنا حماسا وقوة واستعدادا لمواصلة الطور الثاني من معركة الشهيدين الدريدي وبلهواري. كانت لحظة عرس، لحظة فرح؛ لأن المعركة كانت متعلقة بالوفاء للعهد والاقتناع بالقضية؛ وليس بتاتا حبا في المغامرة أو الانتحار...
وكما كان متوقعا، انطلقت المعركة مباشرة بعد شهر رمضان، أي في 23 يونيو 1985. وكالعادة، حين الدخول في الإضراب عن الطعام، يزج بالمضرب أو المضربين بالكاشوات. بالنسبة لنا، ودعنا الرفاق غير المضربين، وتوجهنا بشموخ نحو الكاشو، نحو المجهول...
ولم تتوقف معركة الشهيدين منتصرة حتى 16 غشت 1991.