من المسئول عن قتل جنودنا ؟

رفعت عوض الله
2020 / 5 / 2

بين الحين والاخر ينفذ الارهابيون القتلة عملية إرهابية يروح ضحيتها بعض من جنودنا الرابضين في مواقعهم ، والحاملين ارواحهم علي اكفهم .
وحين نسمع الاخبار الحزينة يكون رد فعلنا انهم شهداء الوطن ، قدموا ارواحهم فداء للوطن .
اعتبارهم شهداء لا يغني ابنا يتيم عن فقد ابيه ، لا يعزي قلب زوجة ترملت وهي بعد في سن الشباب وبحاجة لزوجها يقف جوارها في معركة الحياة ، لايبعث السلوي في قلب ام ثكلت ابنها وقد اصبح شابا امامه امال واحلام .
سقوط الجنود البواسل بيد الإرهابيين امر تكرر كثيرا ، ورغم كل الكلام الجميل المنمق عن بطولاتهم ، وعن تضحياتهم ، وعن كونهم شهداء ، وكل مظاهر الحفاوة والتكريم الذي تتعامل به الدولة معهم ومع اسرهم ، في الواقع لم يعد مجديا ، فقد رحلوا وخلفوا فقدا وحزنا ووجعا لدي الاهل والابناء .
فمن المسؤول عن كل هذا الالم والوجع والحزن ؟ منطقيا ان نلقي بالمسؤولية علي الإرهابيين القتلة ، فهم من سفكوا الدم البرئ ، ولكن ليس إلقاء المسؤولية علي الارهابيين القتلة هو كل الحقيقة ، فهناك جانب اخر وقد يكون الاكثر مسؤولية .
اعني ان الدولة وكيفية تعاملها مع الإرهاب مسؤولة عن توالي العمليات الإرهابية ، ونيل الإرهابيين من جنودنا البواسل .
لا ندري هل دولتنا دولة دينية ام دولة مدنية ؟ فعلي المستوي الرسمي والمجتمعي والشعبي نجد خلطا واضحا وتشابكا بين ما هو ديني وبين ماهو دنيوي ، بل نجد مزايدة من قبل الدولة واجهزتها المختلفة علي الهاجس الديني ، وكأن الدولة وكافة اجهزتها تريد ان تقول للجماعات الاصولية الإرهابية : " انتم لستم اكثر دينا وايمانا منا" .
الاصوليون موجودون بقوة في كافة مرافق ومؤسسات الدولة والمجتمع ، بل هم مسيطرون علي المدرسة والنقابات المهنية ولهم وجود فعال في الإعلام وكافة اجهزة الدولة .
حين اعلن الفريق عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو 2013 عزل الرئيس الاخواني محمد مرسي ودعا الى خارطة طريق كان من ضمن المدعوين التيار السلفي الاصولي المعادي للدولة المدنية والمؤمن بان الاسلام دين ودنيا والعامل علي إحياء تراث السلف الصالح وبعث دولة الخلافة الإسلامية ، فهل هذه الدعوة لهذا الفصيل تنسجم مع كوننا دولة مدنية وطنية حديثة ؟
الدولة تنفق علي مؤسسة الازهر حوالي 17 مليار جنيها مصريا من اموال المصريين ، للاسف تنفق هذه الاموال علي دعاة مؤمنين بدولة الخلافة وعلي معاهد وجامعة فيه يتعلم تلاميذ وطلاب الازهر فقه العصور الوسطي اللا إنساني ، الذي يقول بشرك المختلفين دينيا وكفرهم ، وان غير المسلمين اهل ذمة لا حقوق لهم وان العالم منقسم لعالمين : عالم المسلمين الموحدين ، وعالم الكفار ، وعلي المسلمين شن الحرب والمعارك ضد الكفار اعداء الدين واعداء الله والاسلام .
مؤسسة الازهر بهذه الكيفية مفرخة للإرهابيين القتلة .
في ظل هذا المناخ الاصولي الخانق لا يجدي طلب الرئيس للازهر تجديد الخطاب الديني ، فهم لن يجددوا ولن يغيروا ولن يتخلوا عن المفاهيم البالية الموروثة من العصور الوسطي الظلامية .
لن نستطيع مكافحة الإرهاب إلا بإضعاف الاصولية الدينية المتفشية كالوباء والمتمكنة من قلوب وعقول عموم المصريين .
ومكافحة الاصولية لن تتم إلا بالعلمانية وفتح كل الابواب امامها فتصير تيارا قويا كبيرا امامه تنسحب الاصولية وتتواري .
ومن تجليات العلمنة ، إعادة النظر في الدستور الذي ينص علي ان دين الدولة الاسلام ، وان مبادئ الشريعة المصدر الرئيس لسن القوانين .
علينا علمانيا ان ننص في الدستور علي ان الدولة لا دين لها ، فالدين من شان افراد المجتمع ، وان القانون الوضعي هو مصدر التشريع لا الشريعة الإسلامية .
وان الامة ومستقبلها وحلول مشكلاتها رهن العقل والعلم ورؤيتنا الدنيوية ، وان الدين شأن خاص بين الفرد وربه . وان لا مكان للتعليم الديني إلا في الكليات المتخصصة في علوم الدين ، وان الوطن مقدم علي الدين وان الغاية من الدين هو تكوين الافراد تكوينا اخلاقيا فيخرج لنا المواطن الصالح .
في ظني ان هذا هو السبيل للقضاء علي الإرهاب . واذا لم نراجع ما نحن عليه فسوف يسقط المزيد والمزيد من جنودنا البواسل ، ولن نلوم سوي انفسنا فنحن ايضا كدولة ومجتمع يقع علي كاهلنا مسؤولية موت اولادنا بيد الإرهابيين .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير