متغيرات الواقع على الدين

طلعت رضوان
2020 / 4 / 30

أثبتتْ تجارب التاريخ أنّ الكوارث الطبيعية، تــُـجبرالشعوب (شديدة التدين) والحريصة على أداء الشعائرالدينية، بكل طقوسها، فإذا بهذه الشعوب تتنازل عن هذه الشعائر..وهوما حدث بعد كارثة وباء كورونا، لدرجة منع الصلاة فى المساجد وارتفع شعار(صلوا فى بيوتكم) وأعتقد أنّ ما حدث يؤكد حقيقة أنّ الشعوب المتقدمة هى (المؤمنة) بمنظمومة الدولة المدنية..وليست الدولة الدينية..ورفض كل أشكال الميتافيزيقا.
فهل تصلح اللغة الدينية لتقدم الشعوب، وتــُحرّرها من كل أشكال الاستبداد؟ وهل يوجد مثال (واحد) من أقدم العصورحتى الآن، أنّ التقدم والحرية تحققا فى دولة تعتمد على اللغة الدينية؟ باعتبارها اللغة السائدة التى تبتلع أية لغة عقلانية، بل وتــُـعاديها وتــُـشوّهها، بهدف إرهاب كل أصحاب العقول الحرة. أم أنّ التقدم والحرية تحققا فى الأنظمة التى رفعتْ من شأن الفكرالحرالمُـتعدّد؟ كما حدث فى تجربة أوروبا عندما تخلــّـصتْ من سيطرة وجبروت اللغة الدينية، ونجحتْ فى (تحجيم) دورالكنائس، وأنّ دورها يقتصرعلى شئون العبادة، ويمتنع عليها أداء أى دورفيما يتعلق بشئون السياسة والاقتصاد والعلوم إلخ. ويذهب ظنى أنّ أهم سلاح فى تلك المعركة الفاصلة فى تاريخ أوروبا، كان (الفلسفة) لأنها هى التى واجهتْ اللغة الدينية وقاومتها وانتصرتْ عليها بعد أنْ كشفتْ عوراتها.
ولكن يجب مراعاة أنّ الفلاسفة اعتمدوا– أساسًا– على الأبحاث والاكتشافات العلمية التى أثبتتْ عدم صحة ما جاء فى كتب الديانة العبرية عن بداية نشأة الكون، أوأنّ (آدم) عاش 930سنة. و(نوح 950سنة) فى تناقض صريح مع علم الأجناس الذى حدّد أقصى عمرللإنسان ب 150سنة. كما كان للاكتشافات العلمية فضل نقد الكثيرمما ورد فى ذاك التراث العبرى عن (خلق آدم) من طين أومن تراب، وأنّ العديد من أساطيرالشعوب القديمة (السابقة على ظهوربنى إسرائيل) كان بها أنّ الإله المحلى لكل شعب خلق الإنسان من تراب، كما ذكرجيمس فريزرفى موسوعته (الغصن الذهبى)
كذلك أثبتتْ الأبحاث والاكتشافات العلمية استحالة حدوث (شق البحر) من أجل سواد عيون بنى إسرائيل، وأنّ تلك (أسطورة) كان لها مثيل فى الأساطيرالمصرية فى قصة (خوفووالسحرة) حيث كان الملك خوفويستجم أمام بحيرة ومعه الراقصات والمُـغنيات، فوقع العـُـقد الذى ترتديه إحدى المُـغنيات فبكتْ. وعدها الملك بعـُـقد آخر. ولكنها أصرّتْ على هذا العُـقد بالذات، فطلب من كبيرالسحرة أنْ يتصرف، فألقى بتعويذة مُعينة فإذا بمياه البحيرة تنقسم وتجف المياه فمدّ ذراعه وأحضرالعـُـقد وأعطاه للمغنية. وكذلك اكتشف العلماء أنّ قصة نوح والفيضان وردتْ فى ملحمة (جلجامش) البابلية وثبتَ أنها مكتوبة قبل كتابة التوراة.
كل هذه الاكتشافات استفاد منها الفلاسفة، فبدأ العقل الإنسانى يُعيد النظرفى (المُسلــّـمات سابقة التجهيز) وبالتالى أصبح من اليسيرهدم كل ما لايتفق مع النظريات العلمية، خاصة بعد أنْ أثبتتْ التجارب العملية صحتها، كما حدث فى علم الفلك بدءًا من كوبرنيكوس وجاليليو..حتى العصرالحديث خصوصًا بعد أنْ نجح مشروع العالم دوين هابل الذى اخترع التليسكوب الضخم المُسمى باسمه. وهو تليسكوب يدورحول الأرض، وقد ساعد علماء الفلك بأوضح وأفضل رؤية للكون. جاء علم الفلك وهَدَمَ النظريات السابقة– منذ بطليموس– حيث وجود سبعة أجرام سماوية فقط، فلما تـمّ اكتشاف أربعة أجرام جديدة، كان ذلك سببًا فى إثارة الانزعاج الشديد لدى مؤسسات الكهنوت، لأنّ هذا لايستقيم مع ماورد فى التوراة. ثم جاء هدم نظرية أنّ نشأة الكون بدأتْ عام 4004 ق.م، بعد أنْ أثبتتْ الأبحاث والاكتشافات العلمية أنّ هذا التاريخ يتناقض مع علم الجيولوجيا واستخدام الكربون المشع. وأنّ عمرالأرض 54ر4مليارسنة. وتـمّ تحديد هذا العمروفق العمرالاشعاعى للمواد التى يتكون منها (مثل النيازك) وأنّ الشمس أكبرمن الأرض بحولى 30مليون سنة.
كل تلك الاكتشافات هزّتْ جدران الكهنوت الدينى، وانتصرالعلم فى النهاية، ومن هنا كانت بداية النهضة الأوروبية، واضطراللاهوت– كما كتب الفيلسوف برتراند رسل– أنْ ((يُؤقلم نفسه مع العلم. وأنّ تفسيرنصوص الكتاب المقدس لاتــُـسايرالعلم. وبالتدريج أخذ الدين يُدرك أنّ الحياة الدينية لاتعتمد على ما يقوله بشأن حقائق الحياة مثل الوجود التاريخى لآدم وحواء. وهكذا لجأ الدين إلى التخلى عن أبنيته (= معتقداته) حتى يتمكن من الاحتفاظ بقلاعه))
ولكن لم تكن المعركة بين العلم والدين يسيرة، فقد قاومتْ الكنائس التلقيح ضد الجدرى، لأنه ((غضب من الله ولايجوز تحدى إراته)) ولكن عندما أقبل الناس على التلقيح الذى نتج عنه انخفاض معدلات الوفاة، فكان الصراع بين: فزع اللاهوتيين من التلقيح، وذعرالناس من انتشارالمرض، فانتصرذعرالناس على فزع اللاهوتيين. وأقبل الناس على التلقيح ضد الجدرى، وقد شجـّـعهم على ذلك موافقة الامبراطورة كاترين على تلقيحيها هى وابنها عام 1768، ورغم ذلك ظلّ الكهنوت الدينى يُقاوم بإدعاء أنّ التطعيم ضد المرض ينطوى على تحدى إرادة الله.
ثم كان اكتشاف مخدرالكلورفورم عام 1847مناسبة جديدة للصراع بين لغة العلم واللغة الدينية، حيث اعترض الكهنوت الدينى على استخدامه، خاصة فى حالات الولادة واستندوا إلى نص توراتى جاء به ((بالوجع تلدين أولادا)) (تكوين 3: 16) ووصلتْ تخاريف الكهنوت الدينى لدرجة الاعتقاد أنّ الجنين الذكرتدب فيه الروح فى اليوم الأربعين من تكوينه، وأنّ الجنين الأنثى تدب فيه الروح فى اليوم الثمانين. ولكن بفضل العلم الحديث تبيّن أنّ الجنين– سواء كان ذكرًا أم أنثى تدب فيه (الروح) فى اليوم الأربعين كما ذكرالعالم (نيدهام) فى كتابه (تاريخ الأجنة)
وذكرالفيلسوف برتراند رسل ((كانت الاكتشافات العلمية المُـتتالية سببًا فى أنْ ينبذ المسيحيون معتقداتهم الواحد تلوالآخر، وهى المعتقدات التى اعتبرتها العصور الوسطى من جوهرالدين)) وأعتقد– جازمًا– أنّ الاكتشافات العلمية كانت السلاح الذى استند إليه الفلاسفة الذين تحدوا اللغة الدينية، ولذلك كتب رسل ((منذ كوبر نيكوس كان النصرحليف العلم فى كل مرة اختلف العلم مع اللاهوت. وأنّ العلم انتصرللتخفيف من عذاب البشر(خاصة فى مسائل الطب) وعلى نقيض النظرة اللاهوتية، كان انتشارالنظرة العلمية سببًا دون منازع فى تحقيق السعادة للبشر)) ولكن هذا الانتصارللعلم أمامه عائق خطير، هووجود أديان جديدة ((حلــّـتْ محل المسيحية وترتكب نفس الأخطاء التى سبق للمسيحية أنْ ارتكبتها ثم ندمتْ عليها)) وعن تجربة أوروبا وكيف خرجتْ من عصورالظلمات كتب ((لقد أضعف العلم من قبضة الكنيسة على عقول الناس الأمرالذى أدى فى النهاية إلى مصادرة الكثيرمن أملاك الإكليروس فى بلاد كثيرة)) (الدين والعلم- ترجمة د. رمسيس عوض- كتاب الهلال- فبراير1997- أكثرمن صفحة)
يتضح من درس تجربة أوروبا فى العصورالوسطى، أنّ (طغيان اللغة الدينية) تسبّب فى الكثيرمن الكوارث ضد البشر، وأنّ الاكتشافات العلمية هى التى تحـدّتْ النصوص الدينية، ثم جاءتْ الفلسفة لتعميق وترسيخ قوانين (السببية) و(النسبية) و(المادية الجدلية) و(المادية التاريخية) إلخ وبانتصارالعلوم النظرية وتطبيقاتها التكنولوجية، ثم تزايد عدد الفلاسفة، كان الطريق مُمهدًا للخروج من ظلمات الكهنوت الدينى إلى آفاق التقدم والحرية.
والسؤال الذى يشغلنى هو: لماذا تـمّ تحجيم دورالكهنوت الدينى فى أوروبا ولم يحدث فى مصر(أوفى الدول العربية)؟ وهل السبب عدم وجود فلاسفة فى قامة ديكارت أوفولتيرأوماركس..إلخ؟ بالرغم من أنّ مصرشهدت (إرهاصات) فى مجالىْ العلم والفكرقبل يوليو1952(مصطفى مشرفة وسميرة موسى..إلخ فى مجال العلم. طه حسين، محمود عزمى، إسماعيل مظهر، درية شفيق وسعاد الرملى..إلخ فى مجال الفكر) وإنّ هذه الارهاصات تـمّ وأدها بعد يوليو52؟ وكان البديل (تدشين) الدولة الدينية فى مصر؟
بدأتْ الكارثة بعد سيطرة ضابط يوليو1952على مصر، ففى عام 54 تمّ إنشاء المؤتمرالإسلامى، وفى عام1960طوّرالضباط فكرة المؤتمرالإسلامى وأنشأوا (المجلس الأعلى للشئون الإسلامية) ثم تلا ذلك إنشاء (مدينة البعوث الإسلامية) لتستوعب ثلاثة آلاف طالب أصبحوا بعد ذلك ستة آلاف من الوافدين من أكثرمن 65 دولة يُقيمون على حساب مصرليعودوا إلى بلادهم دعاة للإسلام. ثـمّ إنشاء (مجمع البحوث الإسلامية) وصدورمجلة (منبرالإسلام) باللغات العربية والإنجليزية والإسبانية. ثمّ سلسلة (كتب إسلامية) بُدىء فى إصدارها فى 15فبراير61، وكانت تصدركل نصف شهر(عربى) ثمّ صدرتْ سلسلة أخرى بعنوان (دراسات فى الإسلام) صدرمنها حتى نهاية عام 70عشرة آلاف وأربعمائة عدد وتــُـرجمتْ إلى اللغات الحية واللغات المحلية لشعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
وتمّ تسجيل الأذان وكيفية الوضوء وتعليم الصلوات الخمس باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية والأوردية والأندنوسية والسواحلية والبرتغالية على اسطوانات. وبلغ مجموع ما تمّ توزيعه من مطبوعات باللغة العربية والإنجليزية والفرنسية حتى عام 66مليون و400 ألف مطبوع.
وأصدرعبد الناصرقرارًا بحل طائفة البهائيين. وأمربإهداء دارهم بالعباسية وأموالهم إلى الجمعية العامة للمحافظة على القرآن. وأصبح لزامًا على كل مدرسة ثانوية أنْ تـُوزّع المصحف على كل طالب بالمجان. وأصبحتْ مادة الدين مادة أساسية (إجبارية) منذ عام 65. وبلغ إجمالى ما تمّ إهداؤه إلى العالم الخارجى 932مصحفـًا مُرتلاو1084 اسطوانة صلاة و80902 مصحف و302499كتابـًا ومجلة إسلامية أرسلتْ إلى بلدان القارات الست. وتأسيس وتعميرالمساجد والمراكزالإسلامية فى قارتىْ أفريقيا وآسيا وفى البرازيل. مع إرسال بعثات الوعظ من مصرإلى أندونيسيا، باكستان، الهند، الملايو، الفلبين، لبنان، الصومال، السودان، بورما، الكويت، سيراليون، تايلاند، غانا ومالى (المصدر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية- يوليو 65)
فهل كانت تلك القرارات تتم اعتباطــًا؟ أم لتوظيف الدين لأغراض السياسة؟ وتبعـًا لذلك بدأتْ مسيرة (طغيان اللغة الدينية) وهى المسيرة التى بدأتْ فى أغسطس 52 عندما قرّرالضباط قمع الحركة العمالية فى المذبحة التى تمّتْ لعمال مصانع كفرالدوارللنسيج، وإظهار(العين الحمرا) للعمال على الطريقة الأمريكية، حيث وقف الضابط عاطف نصاروقال وهويلقى (الحكم العسكرى) بسجن الكثيرين وإعدام إثنين (مصطفى خميس ومحمد البقرى) وقال إنّ ((مصطفى خميس حارب الله ورسوله فحقّ عليه القتل)) وفى عام 53 عند محاكمة فؤاد سراج الدين وآخرين فى (محكمة الثورة) كانت جدران القاعة عليها لوحات كبيرة بها آيات قرآنية مثل ((اقتلوهم حيث ثقفتموهم)) و(ليجدوا فيكم غلظة)) و((فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان))
وفى عهد عبد الناصرتمّ افتتاح محطة للقرآن وبدأ البث الرسمى يوم29مارس64
وكانت مدة الإرسال 14ساعة. ومع الخليفة الأول (السادت) امتدّ الإرسال ليكون 24ساعة. وأعتقد أنّ أهم محطة لتثبيت (طغيان اللغة الدينية) كانت بصدورالقانون رقم 103 لسنة 61 الذى تمّ بمقتضاه تحويل الأزهرمن جامع إلى جامعة، لخريج الأصوليين الذين لايعرفون غيرلغة واحدة هى اللغة الدينية، وهم الذين سيطروا على النقابات، فأصبح لدينا (الصحفى المسلم) و(الطبيب المسلم) إلخ.
وأعتقد أنّ عبد الناصرهوالذى أرسى قواعد (طغيان اللغة الدينية) فهو- مثلا– فى تبريره لقتل جنودنا فى اليمن وللمذبحة التى تمّت للشعب اليمنى قال ((إنّ جبال اليمن تحمل قبسًا من نفس الشعلة المقدسة التى يحج إليها المسلمون فى عرفات)) (نقلاعن الناصرى الكبير- عبد الحليم قنديل- فى كتاب " الناصرية والإسلام"- مركزإعلام الوطن العربى- صاعد عام91- ص22) وبعد أنْ انقلب على الإخوان المسلمين استخدم الدين فى الرد عليهم 103 مرة، وفى تبريرهزيمة بؤونه/ يونيو 67 استخدم الدين 58 مرة (د. رفعت سيد أحمد– المصدرالسابق- ص167، 168) وكتب الناصرى الكبير(عبد الحليم قنديل) أنّ ((البرلمان الإسلامى الذى حلم به عبد الناصرليس صيغة متواضعة. إنها أكثرتقدمًا من صيغ أخرى محدودة طرحها إسلاميون من طرازحسن البنا)) (المصدرالسابق- ص63)
تولى الحكم بعد عبد الناصرالخليفة الأول (السادات) الذى أطلق الإسلاميين على شعبنا لينهشوا ويُمزّقوا أسسس الوحدة الوطنية، بإدعاء أنّ مصر((ملك للمسلمين فقط)) كما ورد فى كتاب من كتب المعاهد الأزهرية. وبعد الخليفة الأول جاء الدورعلى الخليفة الثانى (مبارك) الذى أوصل نظامُه الإخوان المسلمين إلى البرلمان وصارلهم 88 مقعدًا، وسمح بظهورمن أطلق الإعلام عليهم (سلفيين) واحتلوا الاعلام والتعليم. ثم جاء الدورعلى الخليفة الثالث (مجلس طنطاوى/ عنان العسكرى) الذى تواطأ مع الإدارة الأمريكية وسمح لكل التيارات الإسلامية بالمشاركة فى الحياة السياسية، بما فيهم عتاة الأصوليين المُخربين المُجرمين، وكانت النتيجة وصول الإخوان إلى رئاسة الدولة. ورغم أنّ شعبنا وقف مع السيسى فى 30 يونيو2013وخرج أكثرمن 30 مليون مصرى أعلنوا رفضهم لحكم الإسلاميين، بما يعنى أنهم مع الدولة المدنية وضد أى نظام دينى، رغم ذلك فإنّ القيادة السياسية ترتكب نفس أخطاء السادات ومبارك ومجلس طنطاوى/ عنان، وهذا الخطأ مُــتمثــّـل فى السماح لحزب الضلمة (الاسم الحركى لحزب النور) بالمشاركة فى الحياة السياسية ودخول البرلمان (أى المشاركة فى التشريع) رغم أنّ الدستور ينص صراحة على عدم قيام أحزاب على أسس دينية. ومع مراعاة أنّ تصريحات أعضاء حزب الضلمة، التى قالوا فيها أنّ حزبهم ليس حزبًا دينيًا، هى تصريحات جوفاء ولاتخدع العقل الحر، لأنّ مقالاتهم وتصريحاتهم للصحف وللتليفزيون، كلها مليئة بالاستشهاد بالقرآن وأحاديث محمد وسيرته، أى أنّ مرجعيتهم دينية ولا يعتمدون إلاّعلى اللغة الدينية.
الكارثة أنّ فئات عديدة من شعبنا بلعوا (الطــُـعم) نظرًا لقوة (سحر) الميديا بجانب الدورالتخريبى الذى يقوم به التعليم، ومن هنا فإنّ (طغيان اللغة الدينية) شمل حتى المواطن العادى، الذى لايعمل بالثقافة ولابالسياسة، من ذلك– مثلا– ما يحدث فى الصحف الدينية والصحف الحكومية والبرامج الدينية التليفزيونية: سيدة تسأل: كنتُ وزوجى فى الحمام فغلبتنا الرغبة فأتممنا الفعل، فهل هذا حرام؟ وسيدة أخرى تسأل: أنا سيدة ثرية فهل يصح أنْ أمنح أخى الموظف الفقيرمن زكاة المال؟ عشرات وربما مئات أوآلاف من هذه الأسئلة البلهاء– مع افتراض حـُسن النية- حيث أنّ الإنسان لايتصرف أى تصرف إلاّبعد الرجوع للداعى الإسلامى أوالداعية الإسلامية، الذين سيطروا على عقول شعبنا بتخاريفهم، وبينما يدّعون (التقوى) و(الزهد) لايستحون وهم يبيعون بضائعهم القديمة الموجودة فى التراث العربى/ الإسلامى، ويقبضون ملايين الجنيهات ويعيشون فى الفلل والقصور، مقابل تخريب العقول. ولأنّ أوروبا خرجتْ من عصرالظلمات بعد تحجيم دورالمؤسسات الدينية (بفضل العلم والفلسفة) لذلك فإنّ أنظمة الاستبداد حريصة على معاداة العلم والفلسفة. ولم تكن مصادفة أنْ يتعلم التلميذ فى سنة أولى ثانوى فى المعاهد الأزهرية أنه لايجوزشراء أوقراءة ((كتب الشعوذة والفلسفة)) هكذا وضع مؤلف الكتاب الفلسفة بجانب الشعوذة. فهل يأتى يوم على مصر- ولوبعد مليون سنة- يكون فيه للعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية- خاصة الفلسفة- مكانتها اللائقة الجديرة بالاحترام كما يحدث فى كل الأنظمة التى حققت لشعوبها التقدم والحرية؟ فهل تتعظ الشعوب من كارثة كورونا..وتحتكم للتفكيرالعقلانى؟ أم ستظل أسيرة الميتافيزيقا؟ حتى ولوكان الثمن استمرارتخلفها؟
***