يعرفوننا أكثر مما نعرفهم..

حسن أحراث
2020 / 4 / 30

"عايقين بنا..."

لا يخفى أن أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتدحرج من السيء الى الأسوأ، رغم النضالات التي تشهدها جل القطاعات ورغم صراخنا الذي يملأ الدنيا تنديدا بالإجرام الذي يلاحق بنات وأبناء شعبنا، وكمثال عن ذلك الزج بالعديد من المناضلين داخل السجون وتشريد العمال...
لماذا نراوح مكاننا، إذا لم نكن نتخلف خطوات الى الوراء؟
لا نحتاج الى التذكير بأن نضالات شعبنا قد حققت الكثير من الإنجازات. ولا نبخس مجهودات المناضلين من داخل السجون ومن خارجها، داخل المغرب وخارجه. لكن النتائج المحصلة لا ترقى الى مستوى التضحيات المقدمة، خاصة والحملات المسعورة للإجهاز على المكتسبات وتدمير كل المنجزات.
أسباب انتكاسة قوى التغيير ببلادنا متعددة، يتخللها الذاتي والموضوع، والوطني والدولي.
لكن التحليل الملموس لن يخطئ أحد الأسباب التي تقف وراء هذه الانتكاسة. وهو كون النظام "عايق بنا"، وكذلك القوى السياسية الرجعية والقيادات النقابية البيروقراطية، وحتى أبناء جلدتنا الذين "حرقوا" الى الضفة الأخرى، أي الخندق الآخر...
يعرفوننا أكثر مما نعرفهم. يمتلكون المعلومة ووسائل الإعلام ولديهم كل آليات المراقبة المباشرة (عد الأنفاس) وغير المباشرة (التكنولوجيا ومختلف تطبيقاتها) لمتابعة تفاصيل حياتنا اليومية. أما نحن، فنجهل أجزاء وأخرى من تاريخنا وجغرافيتنا وما فتئنا نتلمس ميكانيزمات الواقع المعقدة، وكثيرا ما ننشغل بما يريدون أن ننشغل به. لقد صاروا يوجهوننا كما شاءوا. يصنعون الحدث كما يصنعون الرأي العام (الحرب الإعلامية)، وترانا نلهث وراءه كمن يصطاد السراب. إنه التدجين أو الإلهاء الذي نستقبله بوعي وبغير وعي، وأحيانا بفرح...
فقليلا ما نخلق الحدث. وجل الأحداث الكبرى التي عرفتها بلادنا، كالانتفاضات الشعبية، كانت من صنع بنات وأبناء شعبنا تحت لظى الاستغلال والحرمان والقمع. وكثيرا ما وجدنا أنفسنا "نحن العايقين بزاف" متجاوزين وعاجزين عن مواكبة زخم الحدث. في أحسن الأحوال أو سوئها، نتقاسم مع صناع الحدث بعض سنوات الاعتقال. فإما لأننا التحقنا بالحدث في وقت من الأوقات، أو فقط اتهمنا بخلق الحدث.
"لقد اشتروا" النخب بأطرها "العليا" والمثقفة..
"اشتروا" الكثير من خريجي الجامعات والسجون..
"اشتروا" الصمت والخبرة والمعرفة...
"اشتروا" كل ذلك ويزيد بثمن بخس...
زرعوا الجواسيس في صفوفنا، بل في أذهاننا...
يعرفوننا أكثر مما نعرف أنفسنا، أي بصراحة مرة "عايقين بنا".
ألم نلاحظ الالتحاق المتسارع بجوقة النظام؟ إننا نرى الانتهازيين يدخلون "بر الأمان" أو "دار أبي سفيان" أفواجا. وحتى التطبيع مع الصهيونية لم يعد يخجل أنذاله..
ألم نر بالعين المجردة التراجع المهول لأداء الهيئات السياسية والنقابية التي كانت في زمن سابق تحسب على المعارضة "المزعجة" كقوى إصلاحية، الاتحاد الاشتراكي مثلا؟
ألم يتم التنكر لشعارات الماضي وممارسة نقيضها بعناية وبما أوصت به المؤسسات المالية الامبريالية، صندوق النقد الدولي والبنك العالمي؟ وبكل وقاحة، نجد من يراهن عليها ويعمل على دمجها قسرا في صفوف اليسار..
إنهم "عايقين بنا". نقولها ليس من باب الانهيار أو الانبهار بقوتهم، بل نقولها من أجل الخروج من عنق الزجاجة. نقولها في صيغة "نشر غسيلنا العفن" من أجل اعتماد أساليب نضالية متجددة تأخذ بعين الاعتبار التطورات الحاصلة محليا وإقليميا ودوليا وكذلك نقط ضعفنا القاتلة. إنه اعتراف/صرخة بمثابة دعوة الى التقدم في النضال بما يؤثر في موازين القوى ويرد الاعتبار والمصداقية للفعل النضالي بالساحة السياسية. إننا نغرد خارج السرب، لكن لكل طائر سربه.
معذرة، لنقلها ولو لمرة واحدة..
"عايقين بنا"، لأنهم يدركون عمق الهوة التي تفصلنا عن الجماهير الشعبية المضطهدة، وحرقة عزلتنا وهامشيتنا الناتجتين عن ضعفنا وعجزنا شبه المزمنين. إنهم يدركون حاجتنا الملحة الى القواعد التي تحتضننا وتتبنى مشاريعنا، لدرجة أغرقونا بحواريهم وسيجونا بأزلامهم..
"عايقين بنا"، لأن عرائضنا غير ذات مفعول، وكذلك بياناتنا الرخيصة، خاصة والإشارات والتلميحات الدالة على "التفهم" و"التعاون". وبدورها وقفاتنا ومسيراتنا، لم تعد ترعب النظام أو تزعجه، إن بكمها أو بكيفها. فهو من يحدد مساراتها ويقوم بحراستها، من بداياتها وحتى نهاياتها. ولا نستغرب إذا كان يشترط حدود وسقف شعاراتها...
والنظام في ظل المتغيرات الدولية، لم يعد يحسب حساب الماضي، سواء لفرنسا أو البرلمان الأوروبي أو الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية لحقوق الإنسان والشغل. ولنتذكر من أنجح كذبة "المصالحة والإنصاف" ومن سوقها للخارج كتجربة نموذجية لما يسمى بالعدالة الانتقالية...
لنستحضر المجد المزيف لمن "أنقذ" بلادنا من "السكتة القلبية"... ولنسترجع صور وأشرطة من دشن "قطار" الخوصصة الذي صار فائق السرعة، وفتح الأبواب على مصراعيها أمام فتاوى التكفير والدجل الظلامي ضدا على الفكر العلمي..
"عايقين بنا"، لأن ذاكرتنا اخترقها النسيان. ولأن الهشاشة قد نخرت عظامنا وقصر النفس استوطن دماءنا. لقد قتلوا فينا عنفوان وشموخ الشهداء وهشموا فينا صلابة المناضل، وصرنا في أعينهم "مداويخ" بعدما كنا "أوباشا"..
"عايقين بنا" لأننا نعض بالنواجد على امتيازات مواقعنا الطبقية (البرجوازية الصغيرة والمتوسطة)، ولو في حدودها الدنيا.
"عايقين بنا"، لأن قروض السكن والقروض الاستهلاكية (السيارات والأثاث...)، وكذلك الضغوطات اليومية، تخرس ألسنتنا وتثقل كاهلنا. إنه "اللجام" المناسب لتركيعنا..
"عايقين بنا"، لأننا لا نعير كبير الاهتمام لمجال البحث العلمي، خاصة ما يتصل بالعلوم الإنسانية. ولأننا لا نقوم بالدراسات العلمية والميدانية المطلوبة لمعرفة الواقع ومختلف التجارب وأسباب نجاحها أو فشلها..
"عايقين بنا"، لأننا نكرر أنفسنا بشكل مشوه. فلغة "ندين" و"نستنكر" و"نندد"، وحتى "كل التضامن..."، لم تعد لها تلك الجاذبية ولم يعد لها ذلك الأثر والمعنى الفعليين كما سابقا. ولأننا غارقون في المتاهات الافتراضية بدون حدود ومبتهجون لعدد "الجيمات" والتعليقات، ومكتفون بالمعلومة المعلبة الرائجة، كالأكلة/الوجبة السريعة أو الألبسة الجاهزة..
"عايقين بنا"، لأننا نعلن بكل قوة الرفض والتصدي اللحظيين للقوانين المجحفة والمخططات الطبقية، ثم نقبل بعد حين، وكثيرا ما يكون وجيزا، الحيف وواقع الأمر ونتعايش معه ولو مكرهين، مثال فرض شروط التقاعد والتعاقد والاقتطاع من الأجور...
"عايقين بنا"، لأننا نطالب بالشيء ونأتي بنقيضه؛ كأن نطالب بالشفافية المالية والديمقراطية، ولا نلتزم لا بالشفافية ولا بالديمقراطية. لنعد الى هيئاتنا، سواء السياسية أو النقابية أو الجمعوية، ولنقس مدى احترام مقادير الديمقراطية والشفافية وأيضا درجة الالتزام بها كممارسة وليس كشعارات وجمل إنشائية لتنميق الخطابات المملة..
"عايقين بنا"، لأننا عاجزون حتى عن عزل أو الإطاحة برموز البيروقراطية في صفوف نقاباتنا، وطرد المتورطين في الفساد داخل هيئاتنا السياسية والجمعوية ومحاسبتهم. ولأننا لا نترجم شعاري النقد والنقد الذاتي على مستوى ممارستنا، وكذلك شعاري التقييم والمحاسبة. ولأننا مهووسون بالزعامة والتجاوز المرضي للضوابط والقوانين التنظيمية، وأيضا "عشق" الخوض في الحروب الثانوية المخربة دون تحري الحقيقة وبذل ما يكفي من الجهد لتبينها..
"عايقين بنا"، لأننا نعانق بالأحضان كل من هب ودب، وكل من لم يجد بسبب سلوك مشين موطئ قدم في هذه النقابة أو تلك، أو في هذا الحزب أو ذاك، أو في هذه الجمعية أو تلك. بمعنى آخر، نسعد ونفتخر باستقبال "النفايات"، وهو وجه آخر لعملة "اللاعقاب" (الإفلات من العقاب) أو الميوعة التنظيمية..
"عايقين بنا"، لأننا نحارب الريع قولا ونتعايش معه بطريقتنا الخاصة. فكيف تحترمنا القيادات السياسية والنقابية والجمعوية وهي التي توزع علينا وبمشيئتها كراسي المسؤولية حسب مقاسنا ودورنا في ضمان السير العادي لدواليب/"قوالب" الهيئة التي ننتمي إليها؟
"عايقين بنا"، لأننا نمجد بعض الأسماء التي تضحك على الذقون والمعروفة بلعبها على الحبل؛ أسماء تبكي مع الراعي وتأكل مع الذئب، ونفرش لها الورود ونقدم لها الميكروفونات وننشر لها الفيديوهات؛ وبالمقابل نحاصر المناضلين المبدئيين ونشوش عليهم، بل ونفتري عليهم ونعبئ ضدهم (الدعاية المسمومة)..
"عايقين بنا"، لأننا عندما نغضب يطبطبون على أكتافنا ونعود صاغرين ملتمسين العفو. ومن ركب رأسه منا، أي من أبى وتمرد، يتم تأديبه بدون شفقة، ترجمة لمقولة "الصراع لا يرحم"، فإما أن تكون أو لا تكون، أي "تغذى به قبل أن يتعشى بك"...
"عايقين بنا"، لأننا لا نقترب من العمال ومعاركهم إلا قولا. فما هو حيز انشغالنا بالعمال ضمن مجموع فعلنا اليومي، سواء الميداني أو الإعلامي، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟
ها هم عمال امانور بطنجة وتطوان والرباط في اعتصامهم المفتوح الذي فاق مئة (100) يوم، من يواكب حالهم بانتظام ويفضح المسؤولين عن معاناتهم؟ وهناك غيرهم ممن يحتضر في صمت، عمال وفلاحون فقراء وطلبة ومعطلون ومشردون...
"عايقين بنا"، لأننا متيمون حد الثمالة بالنضال الناعم أو النضال لايت...
أخيرا، ورغم أنهم "عايقين بنا"، كل الرفض لمشروع القانون 20-22 الذي يكمم الأفواه ويؤسس "لماكارتية" جديدة فتاكة. لكن إذا فتحت أفواهنا، فلتفتح بشأن القضايا الكبرى لشعبنا...
(...)
إشارة:
لا أعمم، لكل مرحلة مناضلوها (على قلتهم)، ومنهم الشهداء والمعتقلين السياسيين... وأعتبر نفسي جزء من هذا الوضع الموبوء والبئيس..