محاضرات في منهجية البحث العلمي

خالد جميل محمد
2020 / 4 / 30

المحاضرة الأولى: في البحث العلمي والمنهج

البحث العلمي: نصٌّ يؤلِّفه كاتبٌ يلتـزم خَطَواتٍ واضحةَ المعالم، لجمع معلومات حول موضوع معيَّن، وتقديم عملٍ عن هذا الموضوع؛ فهو رسالة محمَّلة بأفكار يُفترَض أن تكون مشتملة على جِدَّة وابتكار في الطرح والأسلوب، وفق شروطٍ منهجيةٍ، وأفكارٍ مدعَّمةٍ بأدلَّة وبراهين يجمعها محور رئيسٌ. ويعرَّف البحث العلمي أيضاً بأنه عملية منظَّمة تتَّبع قواعدَ وأسساً منهجية للكشف عن العلاقات بين المتغيرات والظواهر لفهمها والتنبؤ بها وضبطها واكتساب معارف جديدة وموثقة. أما هدفه فيتمثل في تَحرّي مشكلات وحقائق الأشياء والظواهر وعناصرها ومكوناتها وأبعادها لمعرفتها أو لاقتراح حلول لها. وأمّا آلياته فهي الاستقصاء المنظَّم اعتماداً على معارفَ منسَّقة تنشأ من الملاحظة أو الدراسة أو التجريب، ثم تحليلُ تلك المعارفِ وتفسيرُها وفق منهج علمي.
فالبحث كل عمل علمي يظهر فيه جهد الاستقصاء والتفتيش في جمع المادة التي يتطلبها، ثم تحليلها وتفسيرها. وهو التنقيب عن حقيقةٍ، ابتغاءَ إعلانها دون التقيد بدوافع الباحث الشخصية إلا بمقدار ما يفيد في تلوين البحث بطابع الباحث وتفكيره.
أما الدراسة فهي قراءة الكتب وحفظها ودرسها، يُدرَس الموضوع ثم يكتب فيه المتخصص كتاباً أو مقالة يشرح العناصر ويوضحها.
العلم: مجموعة من الحقائق يأتي بها بحث موضوعي محدد. أو هو مجموعة الخبرات الإنسانية التي تجعل الإنسان قادراً على التقدير، أو فهم الظاهرات وأسبابها وآثارها. إنه مجموعة من المعارف الإنسانية التي من شأنها أن تساعد على رفاهية الإنسان. وعبارة عن المعرفة المنسقة التي تنشأ من الملاحظة والدراسة والتجريب، والتي تتم بهدف تعرف طبيعة وأصول الظواهر التي تخضع للملاحظة والدراسة.
والعلمي: نسبة إلى العلم الذي يعني المعرفة الموثقة الشاملة حول موضوع محدد من خلال تحديد واضح لمختلف أبعادها وأركانها.
التفكيرالعلمي: هو كل دراسة تعتمد منهج الملاحظة الحسية والتجربة العلمية إنْ كانت ممكنة وتتناول الظاهرات الجزئية في عالم الحس. وتستهدف وضع قوانين لتفسيرها بالكشف عن العلاقات التي تربط بينها وبين غيرها من الظاهرات.
المعرفة: يمكن تعريفها بأنها العلم التلقائي، وتتضمن معارف علمية وغير علمية. إنها مجموعة من المعاني والتصورات والآراء والمعتقدات والحقائق التي تتكون لدى الإنسان نتيجة لمحاولاته المتكررة لفهم الظواهر والأشياء المحيطة به. فكلُّ علمٍ معرفةٌ، وليست كلُّ معرفةٍ علماً. ويمكن التفريق بين المعرفة والعلم على أساس أسلوب أو منهج التفكير الذي يتم من خلاله تحصيل المعرفة.
الباحث العلمي: هو المخطط والمنظِّم والمنفِّذ لمختلِف مراحل البحث، وصولاً إلى النتائج العلمية والمنطقية.
مناهج البحث: مجموعة القواعد والأنظمة العامة التي يتم وضعها من أجل الوصول إلى حقائق مقبولة حول الظواهر موضوع الاهتمام من قبل الباحثين في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية. ومنها (المنهج التاريخي، التجريبي، الوصفي، الاستقرائي، التحليلي).
المنهج العلمي: هو الطريقة التي يتبعها الباحث لاكتشاف واقعة ما وإثباتها؛ أي أنه مجموعة الإجراءات النظرية والعملية التي تؤدي إلى كشف حقائق بوساطة قواعد تضبط وتحدد عمليات العقل وتنظمها لبلوغ نتائج معيَّنة. إنه وسيلة للتفكير السليم للوصول إلى نتائج علمية دقيقة. ومن المناهج العلمية:
المنهج التاريخي: يقوم على تعقّب الظاهرة تاريخياً وتتبعها في مراحلها المتعاقبة.
المنهج الوصفي التحليلي: دراسة ووصف خصائص الظاهرة وأبعادها في إطار معيَّن، يتم من خلاله جمع البيانات والمعلومات اللازمة والمعلومات عن الظاهرة المدروسة، وجمع البيانات وتصنيفها وتفسيرها وتحليلها ووصفها، إنه يرتكز على وصف دقيق وتفصيلي لظاهرة أو موضوع محدد على صورة نوعية أو كمية رقمية، وقد يقتصر هذا المنهج على وضع قائم في فترة زمنية محددة أو تطوير يشمل فترات زمنية عدة. ويهدف إلى رصد ظاهرة أو موضوع محدد بهدف فهم مضمونها أو تقويم وضع معين لأغراض عملية. والتحليل يقوم على تحليل المضامين العقلية لظواهر معينة لمعرفة العوامل المؤثرة وهو يعتمد على الدراسة الميدانية والوثائق والإحصائيات الرسمية وغير الرسمية.
ومن أنواع الدراسات الوصفية:
أ‌. الدراسة المسحية الشاملة: دراسة الظاهرة بشكل شامل وعامٍّ ومتكامل بالإحاطة بكافة عواملها وأسبابها. وتعتمد طريقة المسح (الحصر) وذلك باختبار عدد كبير من الحالات وتؤخذ البيانات من كل حالة وعادة تكون بيانات قليلة عكس طريقة دراسة الحالة التي تؤخذ فيها بيانات متعددة. يراعى في طريقة المسح أن تكون العيِّنات المدروسة ممثلة لمجتمع البحث (ويكثر استخدام هذه الطريقة في البحوث الزراعية، وحصر الأمراض وانتشار الآفات، وفي بحوث المحاصيل والاقتصاد الزراعي).
ب‌. الدراسة المسحية بالعيِّنة: وذلك عندما تكون مفردات المجتمع كبيرة: - العيِّنات العشوائية. – العينات غير العشوائية.
ت‌. طريقة دراسة الحالة: بالتركيز على مفردة من المفردات دون غيرها. وتناولها بالدراسة. تتضمن دراسة حالة واحدة، أو بضع حالات دراسة معمقة، مع تحليل كل عامل من العوامل المؤثرة والاهتمام بكل شيء عن الحالة المدروسة.
المنهج الاستقرائي: يتمثل في الانتقال من الخاص إلى العام. إنه انتقال من الجزئيات إلى التعميمات بعد اختبار بعض الجزئيات على كافة الأجزاء المكونة للظاهرة. والاستقراء يكون بدراسة حالات أو جزئيات محددة.
الاستنباط: انتقال من العام (المسلمات أو البدهيات) إلى الخاص والجزئيات لإثبات أن ما يصدق على الكل يصدق على الفرع أو الجزء لأنه يقع ضمنه. الاستنباط يكون في ذهن الباحث.
المنهج التجريبي: يقوم على أساس اختبار مدى أثر عامل أو متغير تجريبي معين يراد قياسه عن طريق آخر.
المنهج الكيفي: يستخدم الباحث أساليب المقابلات الشخصية والملاحظة وغيرها.
المنهج المتكامل: يستند على حقيقة وجود ارتباط وتلازم بين الإطار العلمي للبحث (أي الفكر النظري) وبين الواقع العملي (أي المجال التطبيقي).
شروط المنهجية في البحث:
1/16. الموضوعية والدقة والتبسيط والاختصار.
2/16. قابلية الاختبار وإمكانية تكرار النتائج.
3/16. الضبط والتنظيم الذي يتوافق مع الموضوع المعيَّن.
صفات الباحث:
1/17. الموهبة والأخلاق والعلم، والرغبة في البحث والاكتشاف.
2/17. اعتماد التوثيق في انتقاء المعطيات المفيدة.
3/17. القدرة على تشكيل بطاقات المعلومات وتفريغ محتوياتها وتحريرها وترتيبها.
4/17. القدرة على جمع الوثائق والبيانات المتعلقة بموضوع البحث.
5/17. الاعتقاد بمبدأ الحتمية؛ أي أن لكل ظاهرة علةً توجب وقوعها وأن لكل علة معلولاً ينشأ عنها.
6/17. التزام الموضوعية، والابتعاد عن الدوافع الشخصية إلا في إطار تلوين البحث بطابع الباحث وتفكيره وأسلوبه.
7/17. إتقان المهارات الأساسية اللازمة للبحث العلمي (مهارة إجراء المقابلات، ومهارة تصميم الاستبانات، ومهارة اختبار العينة، ومهارة مراجعةِ البحوث السابقة ونقدِها والاستفادةِ منها، ومهارة تحليل البيانات ووضع مخطط تفصيلي للعمل).
8/17. ألاّ ينتظر الباحث الحالات الطارئة أو الصدفة حتى يؤدي عمله.
9/17. التسلح بالأدوات والمفاهيم الضرورية قبل الخوض في البحث.
10/17. الصبر في أثناء العمل بدءاً من اختيار الموضوع وتحديد المشكلة والفرضيات ووضع العنوان ومروراً بالبحث عن الوثائق والمصادر والمراجع، وفي أثناء التقميش وجمع المعلومات والبيانات، وانتهاءً بالمناقشات والمراجعات الأخيرة والطباعة، وتقبُّل النقد بعد النشر.
11/17. دِقَّة الملاحظة، والبداهة، والذكاء، وسعة المعرفة، وغزارة الثقافة العامة والاختصاصية، وإتقان اللغة التي يكتب بها البحث، والقدرة على النقد والتحرّي، وعلى تذليل الصعاب وإزالة المعوّقات والمشكلات.
12/17. الأمانة العلمية، والابتعاد عن التزوير والتحريف والتصحيف وسرقةِ معلومات الآخرين أو انتحالِها.
13/17. الإحاطةُ الدقيقة بكل أو معظم ما كتب عن موضوع البحث.
14/17. الصدق والتواضع المتمثل في الاعتراف بجهود الآخرين وفضلهم، وفي احترام آراء الآخرين.
15/17. القدرة على اختيار عنوان البحث وتحديده بدقة ووضوح وإيجاز، ودعم آرائه بالأسانيد والمراجع وتوثيقها.
16/17. تحديد أهداف البحث، وإعداد المخطط، وحُسن صياغته، بتنظيمه وتبويبه، ثم حسن صياغته بشكلٍ أفضل.
17/17. التمكن من اللغة نـحْواً وصرفاً وإملاءً ومعجماً ودلالة وبلاغة. أو الاستعانة بمتخصص في اللغة عند الشعور بعدم التمكن منها بصورة مُثلى، وذلك احترازاً من أخطاء لغوية قد تؤثِّر في المقولات الأساسية والأفكار الهامة في البحث.
18/17. مراعاة استخدام علامات الترقيم والشكل بالحركات عند الضرورة، وضبط الهوامش والفقرات والأسطر والجداول والملاحق والأشكال والصور والرسوم والفهارس وغيرها مما يدخل في خدمة البحث والأسلوب والقراءة.
19/17. ضرورة معرفة لغة أجنبية إلى جانب اللغة التي يكتب بها.
20/17. تجنُّب أساليب التهكم والسخرية من الآخرين، والعجب بالنفس والمكابرة والغرور، والابتعاد عن استخدام تعابير تدل على نحو ذلك، من مثل: (أنا، نحن، أرى، رأيي، أجزم، بالتأكيد، مطلقاً، بلا شك، بالتأكيد، مؤكَّداً، لا أوافق، الباحث لا يوافق، الباحث يرى، الباحث يعتقد، لم يسبق إلى ذلك أحدٌ غيري، أنا مفكر، أنا باحث، بذلت جهداً لا مثيل له، عانيت كثيراً) ويمكن أن يستبدَل بها تعابير لا تنعكس فيها تلك النعوت، من مثل (يمكن القول بأن كذا..، يُرى أنَّ..، لعلَّ..، قد يكون...، من الممكن أنْ...).
21/17. تجنب استخدام الألقاب من نحو: (دكتور، أستاذ، عميد، العظيم، المحترم، الموقَّر، السيد، العلاّمة، الفهيم، العبقري، فريد زمانه..) إلا إذا كان لهذا الاستخدام ضرورة اقتضتها الفكرة، أو إذا كان إيرادها ضمن اقتباسٍ ما ضرورياً.
22/17. الجرأة على قول الحق والكشف عن الحقيقة التي يعتقد بها.
23/17. تنظيم الوقت، واتباع نظام دقيق في مواعيد النوم والاستيقاظ والقراءة والكتابة ومراجعة المكتبة، وتحرير المعلومات، وفترات الراحة والاستمتاع بالغناء أو الموسيقا أو التلفاز أو غيرها لتجنب مخاطر الإجهاد أو كره الموضوع.
24/17. محاولة التخلص من الشعور بالكآبة أو الخوف من الصفحة البيضاء.
25/17. ضبط وتحسين العلاقات مع المقرَّبين والشركاء (الزوج، الصديق، الزميل، الجار...).
مراحل البحث:
1/18. مرحلة الإعداد: وفيها تتمُّ الإجراءات الآتية:
1/1/18. تحديد مادة البحث، من حيث مجالُ الاختصاص والموضوع، واختيارُ العنوانِ المناسبِ، والتأكدُ من قابلية المادة للبحث. أما (المادة) فيقصد بها مجموع الوثائق (المؤلفات واللوحات والإحصاءات والروايات والقصص والمقالات والقصائد والنصوص..) التي تمثل الدعامة الرئيسة للبحث.
2/1/18. تحديد مشكلة البحث.
3/1/18. تحديد المسلمات: وهي مجموعة من العبارات يصيغها الباحث أساساً لبحثه يسلم بصحتها دون أن يحتاج إلى إثبات صحتها أو إقامة الدليل عليها بصفتها حقائق واضحة بذاتها لا تحتاج إلى برهان. وتشمل المسلمات على البدهيات والحقائق.
4/1/18. تحديد الفروض: وهي الفكر التي يؤخذ بها في البرهنة على قضية أو حلِّ مسألة. ومفردها (فَرْضٌ).
5/1/18. تحديد المصادر والمراجع المتوافرة، والدراسات السابقة في المجال نفسه.
6/1/18. التأكد من أهمية البحث وفائدته.
2/18. مرحلة التـنفيذ: وفيها تتمُّ الإجراءات الآتية:
1/2/18. وضع مخطط للعمل قبل الشروع في البحث: وهذه الخطوة من مرحلة التنفيذ تأتي بعد أن يكون الباحث قد حدّدَ موضوع بحثه، ومشكلته البحثية، وأنجزَ مراجعةً للدراسات السابقة حول الموضوع نفسه، ثم أَعدَّ تساؤلاتِه وفروضَه البحثيةَ المتعلقةَ بتلك المشكلة بصياغة واضحة. وهذا الإجراء يشتمل على ما يلي:
1/1/2/18. اختيار الموضوع.
2/1/2/18. تحديد المصادر والمراجع.
3/1/2/18. قراءة المصادر والمراجع.
4/1/2/18. تحديد مشكلة البحث.
5/1/2/18. تنظيم بطاقات أو ملفات المعلومات، وجمع البيانات حول المشكلة.
6/1/2/18. تحديد المشكلات التي يمكن أن تعترض طريق العمل، والإجراءات الكفيلة بإزالة تلك المشكلات، والبحث عن الحلول لها.
7/1/2/18. وضع مخطط العمل البحثي تمهيداً لتحرير وتفريغ المعلومات في الخطوة التالية.
2/2/18. وضع مخطط للتحرير وتفريغ المعلومات والبيانات: وهذه الخطوة من مرحلة التنفيذ تشتمل على ما يلي:
1/2/2/18. تحرير وتفريغ المعلومات إلى جانب القراءات الإضافية.
2/2/2/18. مراجعة المشرِف.
3/2/2/18. إجراء التعديلات اللازمة.
3/18. المرحلة النهائية: وفيها تتم الإجراءات الآتية:
1/3/18. مراجعة المشرف والاستفسار منه.
2/3/18. تسليم العمل للمشرف لتقويمه والتأكد من صلاحيته.
3/3/18. إجراء التعديلات اللازمة ثم طباعة البحث.

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي