شروط لصعود الصين إلى الزعامة العالمية

رابح لونيسي
2020 / 4 / 28

قلنا في مقالة سابقة أنه من الخطأ الإعتقاد بإمكانية إزاحة الصين للولايات المتحدة الأمريكية من الزعامة العالمية على المدى القريب والمتوسط، وفسرنا ذلك بالتفوق الأمريكي الكبير عليها في المجالات العسكرية والتكنولوجية، وأيضا في تكنولوجيا الإتصالات الذي سيكون العامل الرئاسي أو المقياس الذي سيحدد قوة الدول مستقبلا، كما نبهنا إلى موقع الصين في شرق آسيا حيث هي محاطة بعدة أعداء لها، ومنها اليابان والهند والفيتنام وإمكانية إستغلال امريكا ذلك لإستنزاف الصين إقتصاديا وعسكريا بهذه الصراعات، لكن قولنا هذا ليس نهائيا، بل نعتقد أنه بإمكان الصين إزاحة ليس فقط أمريكا، بل كل الغرب الرأسمالي، فتضعفه وتحاصره، لكن تحقيق ذلك مرتبط بشرط هامن ويتمثل في إمكانية قيادة الصين لعالم الجنوب في معركة التحرر من قوى المركز الرأسمالي العالمي، وهو العالم الذي يسميه أصحاب نظريات التبعية الرأسمالية بعالم المحيط التابع لقوى المركز الرأسمالي والخاضع لإستغلالها، وأنه لايمكن التحرر من قوى المركز الرأسمالي إلا بفك الإرتباط معها.
كي نوضح الفكرة، فإن عالم الجنوب يزداد تخلفا وفقرا مقابل تزايد عالم الشمال غنى وتركيزا للثروة العالمية في يده بفعل الإستغلال الرأسمالي العالمي الذي يتعرض له عالم الجنوب الذي هو ليس فقط مصدرا للمواد الأولية والطاقة، بل هو أيضا سوقا لعالم الشمال الرأسمالي، وقد تكرس ذلك أثناء إستعمار عالم الجنوب من قوى المركز الرأسمالي بعد وقوع الرأسمالية في أزمتها الدورية الأولى في النصف الأول من القرن19 حيث أضطرت الدول الرأسمالية لحل أزمتها إلى إستعمار بلدان الجنوب بحثا عن مواد أولية وأسواق لتسويق فائض الإنتاج وبحثا عن مناطق للإستثمار، فقد فسر البريطاني هوبسن ذلك بشكل مستفيض في كتابه "في الإستعمار" الذي ظهر في 1902، وهو الكتاب الذي أستند عليه لنين في تطوير ذلك التفسير والتوصل إلى مقولة "الإستعمار أعلى مراحل الرأسمالية" الذي هو عنوان الكتاب الشهير للنين الذي أدرك أن الإستعمار هو أيضا وسيلة وأسلوب لإنقاذ الرأسمالية نفسها من الثورات الإجتماعية التي ستؤدي حتما إلى الثورة الإشتراكية، ما جعله يرسل ندائه إلى شعوب الشرق المستعمرة للثورة على الإستعمار في 1919.
ان هذا النظام الإقتصادي العالمي السائد اليوم قد وضع في القرن19 بعد ما كرس الإستعمار الأوروبي التقسيم الدولي للعمل حيت تخصصت البلدان المستعمرة في تصدير المواد الأولية والطاقة فقط مقابل فتح أسواقها لإستيرادها بعد تحويلها إلى سلع مصنعة وبأسعار مضاعفة عشرات المرات من بلدان الشمال، فنشأ ما يسميه سمير أمين "التبادل اللامتكافيء" الذي يفسر تخلف عالم الجنوب، فبقي هذه الوضع بعد إستقلال بلدان الجنوب وظهور مايسمى ب"الإستعمار الجديد" الذي ابقى الوضع الإقتصادي والإستغلالي كما كان في العهد الإستعماري المباشر، وهو ماجعل دول الجنوب تطالب بنظام إقتصادي عالمي جديد أكثر عدلا لأن هذا النظام السائد قد وضع في غيابهم في القرن19، لكن رفض ولازال يرفض الغرب أو عالم الشمال أي تغيير جوهري في هذا النظام، ولم يساعد دول الجنوب إلا في إطار الحرب البادرة فقط لمواجهة المعسكر الشيوعي بزعامة الإتحاد السوفياتي، لكن هل هناك أمل اليوم لإنقاذ عالم الجنوب وإخراجه من الإستغلال الرأسمالي العالمي بصعود الصين إقتصاديا؟.
يستحيل اليوم على دولة منفردة من عالم الجنوب ان تفك إرتباطها بالمركز الرأسمالي لوحدها، لكن هناك نموذج واضح تمكن من تحقيق ذلك، وهو الصين التي نجحت إلى حد ما في فك إرتباطها بالمركز الرأسمالي وتحقيق تنميتها الإقتصادية بناء على تشجيع الإستثمارات في القطاعات المنتجة في الداخل وخلق رأسمالية وطنية صينية تدور حول الذات بدل التبعية للمركز الرأسمالي، وقد تم ذلك بدفع أصحاب الأموال المستفيدين من عهد ماوتسي تونغ أو ما يسميهم اليوناني كاستروياديس ب"البرجوازية البروقراطية" إلى الإستثمار في القطاعات المنتجة، وهو نفس ماقامت به اليابان تقريبا عندما دفع الأمبرطور الميجي طبقة الساموراي في 1868 إلى الإستثمار في الصناعة مع تطوير التعليم، لتتحول اليابان إلى دولة صناعية بعد أقل من ربع قرن رغم إنعدام أي موارد وثروات طبيعية عندها، فبإمكان دول الجنوب اليوم القيام بنفس التجربة الصينية واليابانية، فتحول طبقة الكمبرادور (أي إستيراد- إستيراد) التابعة للمركز الرأسمالي والمرتبطة مصالحها بهذا المركز إلى برجوازية وطنية تستثمر في القطاعات المنتجة بدل ما تبقى مجرد طائفة من الوكلاء المكلفة بتسويق سلع الرأسمالية الغربية في أسواق بلدان الجنوب، فتحول بذلك المواد الأولية وطاقة هذه البلدان إلى مواد مصنعة بدل ماتصدرها إلى الغرب الرأسمالي.
لكن قيام بلدان الجنوب بذلك يمكن أن تخضعها لضغوط كبرى من الغرب الرأسمالي، لأن ذلك سيشكل تهديدا قاتلا للإقتصاديات الغربية التي لن تسمح إطلاقا بتكرار التجربة الصينية مرة أخرى في هذه البلدان، ونشير أنها قد سبق لها ان غزت مصر في عهد محمد علي، وفرضت عليه معاهدة1840 التي تمنع عليه القيام بصناعات، وفرضت عليه فك كل المصانع المصرية آنذاك، فكلما لاحظ الغرب دولة من عالم الجنوب تعمل على تصنيع ذاته تدمرها بشكل أو بآخر، ولن تسمح إلا بصناعات لايريدها الغرب في بلاده لأنها ملوثة للبيئة مثلا، فالبلد الوحيد الذي نجح في التخلص من ضغط غربي هو الصين التي تمكنت من حماية نفسها بفضل قوتها العسكرية من جهة ولحاجة الغرب الرأسمالي لها لمواجهة الإتحاد السوفياتي أثناء الحرب الباردة، خاصة بعد زيارة نيكسون إليها في 1972، كما عرفت الصين كيف تغري المستثمرين الغربيين لجلبهم للإستثمار فيها بسبب إتساع السوق واليد العاملة الرخيصة، لكن لم يع الغرب الرأسمالي الخطأ إلا بعد فوات الآوان، خاصة بعد ما أكتشف أن أزمة2008 كانت بسبب هروب الرأسمال الصناعي الغربي إلى الصين وتحول الإستثمارات الأمريكية إلى العقار غير المنتج للسلع، لكنه ذو أرباح مضمونة، ونشير أنه لأول مرة يصل مستثمر في العقار إلى السلطة في أمريكا، وهو دونالد ترامب، مما يوحي بتغيرات وتحولات في الرأسمالية الأمريكية.
فإن أرادت الصين الصعود إلى الزعامة العالمية، فلتساعد بلدان الجنوب لتكرار نفس تجربتها وحمايتها من أي ضغوط غربية، فلو حدث ذلك سينهار الغرب الرأسمالي نهائيا لأنه لن يجد لامواد أولية ولاأسواق لسلعه، فتغلق مصانعه، وتسود البطالة فيه، لكن هل ستقبل الصين بذلك لأنها حتى هي ستصبح مهددة في أسواقها وفي المواد الأولية والطاقوية التي تجلبها من بلدان الجنوب؟.
نعتقد ان هذا هو الشرط الوحيد إضافة إلى تحسين الصين علاقاتها مع جيرانها هو الكفيل بجعلها تصعد إلى زعامة العالم بعد ما تتزعم عالم الجنوب، وتخلصه من التبعية للمركز الرأسمالي، فحتى لو يكون البعض متشائمين من ذلك، إلا أن الصين معروفة تاريخيا بمحاولاتها قيادة عالم الجنوب، فقد حاولت الصين الشعبية ذلك في عهد ماوتسي تونغ، بل شارك شوان لاي في المؤتمر الآفرو-آسيوي ببناندونغ في 1955 بهدف تخليص العالم الثالث من هذه التبعية في منتصف الخمسينياتإلا ان المحاولة فشلت آنذاك، لكن يمكن القول ان ذلك يوضع في سياق تلك الفترة، والمتمثل في الحصار المفروض على الصين الشعبية وعدم الإعتراف بها دوليا، فكانت مستعدة للقيام بأي مبادرة من أجل الخروج من ذلك الحصار المميت لها، وللتذكير فقط، فمثلا عرضت على الثورة الجزائرية الأموال والرجال كمساعدات لها بعد زيارة وفد للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية إلى الصين أين حضي بإستقبال شعبي كبير، مما جعل كريم بلقاسم أحد قادة الثورة الجزائرية الكبار يفتخر على العرب بالصين وكمحاولة منه لتحفيزهم على تكثيف المساعدات للثورة الجزائرية، فكان يقول لهم أن الثورة الجزائرية جمعت في يوم واحد من الصين، ما لم تتمكن جمعه من العرب طيلة سنوات، فقد ذكرنا ذلك كله كي نعرف إن كان الوضع لازال متشابها،.لكن يمكن ان يقول البعض بإختلاف الوضع، وأن هدف الصين آنذاك هو الخروج من الحصار المفروض عليها، لكن نرد على ذلك بأن الوضع متشابه تماما، لكن هذه المرة بهدف تحقيق الصين صعودها إلى الزعامة العالمية وإزاحة أمريكا عنها.
ونشير في نفس السياق انه ما يخشى هو إستغلال بعض الدكتاتوريات في عالم الجنوب هذا النموذج الصيني للتنمية، وتتخذه كذريعة لفرض دكتاتوريتها تحت غطاء أن التنمية في الصين لم تتحقق فقط بتحويل برجوازيتها البيروقراطية إلى الإستثمار المنتج، بل بفعل نظامها الإستبدادي المبني على الحزب الواحد، فقد لاحظنا ترويجا لذلك من بعض الإعلاميين الذين لايميزون بين الإستبداد والإنضباط الذي يتميز به الشعب الصيني، وهو ما نعتقده خطأ فادح ومجرد تكرار لنفس خطأ وقعت فيه بعض بلدان الجنوب في الخمسينيات والستينيات التي أتبعت النموذج الستاليني السوفياتي الذي أثبت فشله فيما بعد، فأنهار الإتحاد السوفياتي، لأن الإشتراكية لاتبنى دون حريات وديمقراطية التي لو تم الإلتزام بها ما ظهرت هذه البرجوازيات البيروقراطية في هذه البلدان التي نهبت ثروات الشعوب بإسم الإشتراكية، لتصبح فيما بعد برجوازيات إستغلالية في بلدانها ومرتبطة باالمركز الرأسمالي التابعة له.