النص المُقَرْأن

محمد ليلو كريم
2020 / 4 / 26

تمهيد :
تلفت سلسلة المقالات القادمة الى نكتة تثير الإستغراب : لماذا أبعِد الآخر عن الحضور في ( القرأنة) وأبعِدت لغته وأحقية له فيما نُقِل عن نصوصه الى نصوص القرآن ، فقرأنا عنه بلغة عربية وبصيغة قرآنية نقلًا عن نصوصه وأستُبعِد هو ولغته ؟
هذا سؤال لابد من الإجابة عليه ، فالتوراة ، وأهل التوراة ، وكلمات من التوراة حاضرة في نص القرآن ، ولكنه حضور بثوب عربي منسوج من حروف وكلمات ولغة عربية ، ولم يستخدم القرآن أي حرف من اللغة التي هي لغة التوراة ، وهذا أمر عجيب غامض ، ولعل ما يضيف العجب ومزيد من الغموض أن التفاسير والأحاديث التي تناولت النص المُقرْأن لم تستعمل اللغة التوراتية ، العبرية ، وكأن بين عرب الحجاز كان يهود غير اليهود ، وتوراة غير التوراة ، وإسرائيل غير إسرائيل ، وأي جواب شاف وكاف يخرجنا من هذا الإشكال (( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ / سورة المائدة ٤٨ )) ونفهم من هذا النص القرآني أن هناك كتاب غير الكتاب الذي أنزل على النبي محمد وأن لكل أهل كتاب من الديانتين شرعة ( أي شريعة ) ومنهاج خاص ، وأن هناك أمة قرآنية وأمة أخرى لها كتاب وشريعة ومنهاج ، وأن الله هو من سيحكم في الإختلاف بين الأمتين ، ونلاحظ التفريق المُكرَر بين الأمتين الذي تعمد النص القرآني تأكيده وبإصرار ، فذلك الكتاب مُصَدّق ، بل أن الآية تدعو النبي ليحكم بينهم ، ولم تقل الآية ( أحكم بينهم والمسلمين ) وأمِر النبي أن يحكم بينهم بشريعتهم ووفق منهاجهم ، ولأن الآية قالت بوجود شريعة تُفتي بينهم فالمؤدى أن النبي ليس بحاكم شرعي عليهم ، بل دوره أن يُذكرَهم ويأخذ بالحكم السياسي السيادي في الجغرافية التي يحكم فيها ويتواجد فيها أهل الكتاب وأما إن أختلفوا مع النبي فليس له أن يقسرهم على تشريع قرآني ينسخ التوراة ، فها هنا الحاكمية المطلقة لله ، ولكل أمة كتاب ونبي وشريعة ومنهاج ، والخلاصة ؛ أن ما ينشب من خلافات بين أهل الكتاب يُرجَع في معالجته الى شريعتهم ومنهاجهم ، وأن نشب خلاف بين أهل الكتاب وأهل الإسلام فأمره وحكمه يرجع الى الله .
بما أن هناك تمايز بين أمة الاسرائيليين كقوم ولغة ونص مقدس ، وأمة المسلمين كجماعة ولغة ونص مقدس ، وبما أن النص الاسلامي العربي أعترف بالنص التوراتي وبقوم اسرائيل وخصص مساحة منه لهم فلما لا نقترب من لغة الإسرائيليين ونعامل النص القرآني العربي الذي تحدث أو نقل من أو عن النص الاسرائيلي بالحرف والكلمة العبرية فنُرجِع كلمة ( توراة ) و ( موسى ) و ( وجبرائيل ) ومفردات أخرى الى اصلها المنقول عنه فنتعمق في النص ( المُقرْأن ) لغويًا .
لعل هذا المقال الأفتتاحي سيكون ناجعًا وتمهيدًا موفقًا إذا طرحنا السؤال التالي وأجبنا عليه : ما الذي نرميه من هذا الطرح ؟
الجواب : مفتاح اللغة ، أو اللغة كمفتاح للتواصل مع الآخر ، وبلحاظ هذا ؛ الآخر هو من لديه كلمات وقصص نُقِلت من لغته ونصوصه الى القرآن واللغة العربية ، فهل هذا النقل ترجمة ديكتاتورية . .
حينما نجد في القرآن عشرات الآيات التي تتعلق وتتحدث وتشابه ما ورد في التوراة فكيف لي أن أسمع حاخامًا اسرائيليًا يتلو التوراة دون الرجوع له ولتوراته ولغته ؟ .
نحن لا نتحدث عن قوم بائدة أو حضارة مندثرة أو رُقم طينية وألواح ورقوق عُثِرً عليها ولم يُعثَر على أصحابها البشريين ، فلماذا نقرأ عن التوراة وموسى والإسرائيليين بعربية القرآن ونتغافل ونتجاهل الأصل من قوم ونص ولغة ؟
تعمدت أن أدرج مع العنوان باللغة العربية عبارة عبرية لألفِت الى أنني سأتحدث في سلسلة المقالات القادمة عن الكلمة المنقولة ( المُقَرْأنة ) وأصلها اللغوي ، فأشير الى كلمة ( آدم ) وأرجع الى الأصل التوراتي وألتقطها وأدرجها هنا كما نُطِقت هناك وبشكلها المكتوب الأول ( אָדָם ) :
א = ا
ד = د
ם = م
وقد ورد الإسم في سفر التكوين أول أسفار التوراة وهو كتاب كُتِبت أسفاره بلغة غير العربية ، ومما يثير دهشتي أن من يتطرق للتوراة وعموم النص الإسرائيلي يستبعد اللغة !! .
احدى أهداف المقالات المتسلسلة اطلاع القارئ العربي على نفس اللغة التي كُتٍبت بها التوراة بما يتعلق بالمنقول منها الى القرآن ، ومن ثم التأشير على ما نُقِل من النص العبري الكتابي الى القرآن العربي وإرجاعه لغويًا الى أصله بشكل الحرف الذي كُتِبَ به هناك .
أما بالنسبة لكلمة ( مُقرْأن ) فهي لربما جديدة في الإستعمال اللغوي العربي ، وهي تعني وبإختصار ذلك النص المنقول من أو عن التوراة الى القرآن دون ذِكر موضعه في التوراة وكيفية نطقه وكتابته بلغة أهل التوراة ، ومزيدًا من شرح هذه الكلمة يأتي في أواخر كل مقال من السلسلة .
وفي ختام هذه المقدمة التمهيدية أنوه أن السلسلة تهدف لفتح نقاش متخصص مع المعنيين بالأمر .
ملاحظة : على متصفحي في Facebook الذي يحمل أسمي الكامل ( محمد ليلو كريم ) وضعت الكلمة ( المُقَرْأن ) وكذلك ( القرْأنة ) لتسجيل السبق في نحتها من قبلي .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير