شهر رمضان في ظل تفشي وباء -كورونا-

علي أبو هلال
2020 / 4 / 26

استقبل المسلمون في كافة بلدان العالم شهر رمضان هذا العام في وقت صعب وعصيب، بسبب تفشي فيروس كورونا الذي فرض تهديدات خطيرة على الأجواء الرمضانية، واتخذت معظم البلدان إجراءات احترازية لمنع تفشي الفيروس لحماية حياة المسلمين والبشرية عموما، من بينها إغلاق المساجد وحظر صلاة التراويح فيها، على أن تقام في المنازل، كما حظرت التجمعات المسائية للناس معا في وقت الإفطار وولائم الإفطار الجماعي، التي اعتادوا فيها على تجديد أواصر الصداقة والتراحم الاجتماعي بينهم وتقديم المساعدة والصدقة إلى المحتاجين.
وقد أثر فيروس كورونا على المقدسات الإسلامية، فالمسجد الحرام في مكة يبدو صامتا خاليا من المصلين، والمسجد النبوي في المدينة المنورة مغلق، وأبواب المسجد الأقصى في القدس مغلقة. وقد طغت الاجراءات الصارمة والمشددة التي اتخذت لمكافحة تفشي الوباء على الاحتفالات والطقوس الدينية المعتادة في شهر رمضان الذي بدأ يوم الجمعة الماضي 24 نيسان/ ابريل في معظم الدول العربية.
في بلادنا وفي البلدان الأخرى، اعتاد المسلمون على ممارسات رمضانية على مدى السنوات الماضية، لن يتمكنوا من ممارستها هذا العام، منها ما يتعلق بالعبادة وأداء الشعائر الدينية، وأخرى اجتماعية تتعلق بالتقارب العائلي والاجتماعي، وإقامة حفلات السهر ووجبات الإفطار الجماعية المنزلية، أو في الصالات والمطاعم تستمر حتى السحور. لكن رمضان هذا العام لا يشبه سابقيه. فالحجر الصحي والإغلاق المفروض في عدد من الدول التي تعمل جاهدة لحصر انتشار وباء كورونا، يعني بالضرورة تغييرا في العادات الرمضانية بكل أنواعها.
الجانب الديني أو الروحاني هو الأبرز في هذا الشهر، يعززه الاشتراك في العبادة والصوم الجماعي وصلاة التراويح وحلقات الذكر والمديح، تجمع أرواح الصائمين وتجعلهم في وحدة لا يحظون بها في غيره. لكن يأتي رمضان هذا العام والمساجد مغلقة وصلاة الجماعة ممنوعة حتى في البيوت، لغير أهل البيت، في أغلب الدول تبعا للإجراءات التي فرضتها السلطات للحد من انتشار فيروس كورونا. هذه الإجراءات كما لقيت تفهما وترحيبا من الأغلبية، قوبلت أيضا بمعارضة البعض وامتعاضهم وأحيانا سخريتهم، مع تشديد السلطات الدينية في بيانات وتعليمات صادرة عنها، على ضرورة اتباع الإجراءات الوقائية هذه تحت أي ظرف دون استثناء. لكن وسائل التواصل الاجتماعي قد تخفف من وقع هذه الاجراءات على الذين لا يتخيلون شهر رمضان دون الحلقات الدينية والدروس وحلقات الذكر. منذ أن بدأ أثر وباء كورونا يطال المساجد والجوامع، أوجدت بعض الجهات الرسمية أو الأفراد آليات بديلة للحفاظ على الحد الأدنى الممكن من الطقوس، التي تستوجب تجمعات في الأغلب، كصلاة الجمعة وخطبتها. حيث استغل خطباء ووعاظ وجهات دينية رسمية أيضا مواقع التواصل الاجتماعي لبث خطبة الجمعة، والدروس الدينية عبر صفحاتهم الرسمية على فيسبوك.
وفي بلادنا فلسطين يأتي شهر رمضان هذه السنة بالتزامن مع انتشار وباء كورونا، الأمر الذي يحرم الفلسطينيين من ممارسة الشعائر الدينية والروحانية، ويمنعهم من التحضيرات الاجتماعية لاستقباله، وهو أمر أثَّر بشكل كبير على المدن التي تعتمد على الشهر في إنعاش اقتصادها.
مع اقتراب شهر رمضان المبارك في فلسطين من كل سنة، يبدأ المواطنون التحضير للشهر الفضيل الذي يحمل قدسية خاصة عند المسلمين في جميع أرجاء العالم، وتعم أجواء مميزة في المدن والأسواق التجارية استقبالا للشهر، لكن هذه السنة يبدو كل شيء مختلفا مع انتشار وباء كورونا، واستمرار الحكومة الفلسطينية في فرض حظر التجول منذ 23 مارس/آذار الماضي، بعد أسبوعين من إعلان حالة الطوارئ، لمنع تفشي الفيروس.
وتثير شعائر الشهر وما يرافقه من عادات اجتماعية، المخاوف من توفير بيئة خصبة لانتشار الوباء بشكل أكبر، فالتجمعات العائلية والموائد الرمضانية تُعرّض الجميع لخطر العدوى. ويرى أغلب المواطنين في فلسطين أن إجراءات الوقاية أكثر أهمية من التحضيرات والاختلاط الاجتماعي، إذ اقتصر الأمر على فتح بعض محلات البقالة والخضار، في كل منطقة لقضاء حاجة ساكنيها، من دون الحاجة إلى الوصول إلى أماكن أخرى في المدينة نفسها، مشددين على ضرورة التزام تدابير السلامة، وممارسة شعائر العبادة في شهر رمضان بعيدا عن التجمعات، وهو أمر استندوا فيه على شواهد تاريخية تتحدث عن تعاطي الخليفة عمر بن الخطاب مع وباء "طاعون عمواس" من خلال فرض إجراءات مشابهة للحجر الصحي الحالي.
ولا يخلو الأمر من بعض الشعائر الفردية، إذ يقوم بعض الباعة والمواطنين بتزيين منازلهم والشوارع في أحيائهم بفوانيس رمضان والزينة والأضواء، وهو ما اعتاد عليه الفلسطينيون في شهر رمضان خلال السنوات الماضية.
أكدت الحكومة الفلسطينية أن قرار إغلاق المساجد في فلسطين يجب أن يستمر خلال شهر رمضان المبارك حفاظا على سلامة المجتمع والأرواح، وتماشيا مع ما أصدرته منظمة الصحة العالمية من إرشادات متعلقة بصيام شهر رمضان والمناسك المتعلقة به بالتزامن مع انتشار فيروس كورونا، إذ طالبت المنظمة بإلغاء المحافل الاجتماعية والدينية خلال الشهر، وأن قرار منع صلاة التراويح في المساجد يأتي تطبيقا لحالة الطوارئ التي أعلن عنها منذ بداية شهر آذار الماضي.
لم تسلم تكية سيدنا إبراهيم في مدينة الخليل أو المطبخ الخيري الذي يعود لعام 1187 للميلاد، والتي تقدم وجبات لفقراء المدينة، من الإجراءات المشددة بسبب فيروس كورونا، إذ اتخذت قرارا بإغلاق أبوابها ومنع طهي الطعام فيها، وهو أمر لم يحدث منذ أكثر من 800 عام.
أمّا في قطاع غزة الذي يشهد حصارا منذ 13 عاما، فستبقى المساجد والفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق العامة مغلقة خلال شهر رمضان.
وأعلن مجلس الأوقاف الإسلامية في مدينة القدس المحتلة في بيان له، تمديد قراره إغلاق المسجد الأقصى وتعليق حضور المصلين للصلوات من جميع أبواب المسجد خلال شهر رمضان، ضمن تدابير منع تفشي فيروس "كورونا". وأشار المجلس إلى أن القرار يأتي تماشيا مع الفتاوى الشرعية والنصائح الطبية التي تحذّر من التجمعات الكبيرة في ظل انتشار الوباء، مؤكدا أن الأذان والصلاة لن ينقطعا في المسجد المبارك خلال شهر رمضان الفضيل من قبل أئمة المسجد وموظفي الأوقاف وحراسه، وستلحق هذه الإجراءات ضررا بالغا باقتصاد المدينة المقدسة، لا سيما قرار حظر الصلاة في المسجد الأقصى، حيث أن حركة الأسواق ستتوقف بسبب عدم حضور المصلين من كل مدن الضفة الغربية وأراضي الـ 1948 المحتلة، الأمر الذي سيؤثر على عجلة الاقتصاد في المدينة.
أمّا بخصوص المسجد الأقصى الذي بلغ فيه عدد المصلين مئات الآلاف خلال شهر رمضان في السنوات السابقة، فقد بلغ عدد المصلين في أولى ليالي شهر رمضان هذا العام، الذين أدوا صلاتي العشاء والتراويح قليلا جدا، فيما يبتعد كل شخص عن الآخر لمسافة كبيرة، وذلك ضمن الإجراءات الوقائية والاحترازية في مواجهة فيروس (كورونا) المستجد، هكذا يبدو شهر رمضان هذا العام في فلسطين، فهل ستتبدل صورة المشهد في بلادنا وفي بلدان العالم بعد انتهاء هذا الشهر الفضيل؟

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول