تطورات الحجة الغائية: من بالبوس الرواقي الى داروين (4)

يحيى محمد
2020 / 4 / 23

إن الحياة مرتع يكثر فيها الانزلاق نحو الفكر الغائي. فكلما اشتدت الدراسات البحثية كلما ازداد حضور هذا الافتراض، حتى وان حاول العلماء الابتعاد عنه بشتى الوسائل الممكنة. اذ تشير الدراسات الحديثة منذ حوالي سبعة عقود الى هذا المعنى باضطراد. فقد فرضت الطبيعة الهندسية والمعلوماتية للتركيب الخلوي الانزلاق المشار اليه..
وقد تبدو فكرة الغائية جلية للعيان كما نشهدها في تكاثر الكائن الحي ونزعته نحو البقاء. وكلما اشتد البحث العلمي كلما تبين ان هذه الغائية متأصلة في ادق تفاصيلها، كما في الجزيئات الحيوية الضخمة والانظمة الخلوية المعقدة.
فالكائن الحي ليس آلة او روبوت كما يُشبّه عادة. فسواء من حيث سلوكه، او وظائف اعضائه، وحتى جزيئاته الخلوية، نجدها كلها تبدي مظاهر غائية تختلف عن الآلة والروبوت.
وعليه نجد الحديث عن الغايات بالتصريح او الايحاء أمراً شائعاً لدى علماء التطور، سواء من هم من الداروينيين او غيرهم، كالذي استعرضه فيلسوف العلم المعاصر ستيفن ماير لعدد من نصوص العلماء الدالة على ذلك في كتابه القيم (توقيع في الخلية)، منها قول مؤرخ البايولوجيا تيموثي لينوار: “لقد قاوم علم البايولوجيا الحديث باصرار التفكير الغائي، ولكن حتى الان يجد علماء البايولوجيا صعوبات جمة في كل مجالات هذا العلم تقريباً في ان يجدوا لغة لا ايحاء فيها بان الاشكال الحية لها غاية”. بل ان منهم من يقع في التناقض كما نصّ على ذلك فيلسوف العلم مايكل روس Michael Ruse، فكما ذكر ان “عالم علماء التطور مليء بشخصنة الغايات، ومن التناقض ان اشد منتقدي هذه اللغة التي تتحدث عن الغاية يقعون في فخ استخدام نفس اللغة التي ينتقدونها بهدف وصف الامور بسهولة”.
لقد بدأت ثورة البايولوجيا الجزيئية في الخمسينات والستينات من القرن العشرين، وكان لها دلالتان متضادتان ازاء الصراع بين النزعتين الفيزيقية والحيوية. فقد اُعتبرت في البداية نصراً لوجهة نظر المذهب الفيزيقي في قبال المذهب الحيوي. اذ اكدت الاليات الجزيئية المكتشفة لتخزين المعلومات، ونقلها في الخلايا، ان الخصائص المميزة للحياة يمكن تفسيرها بلغة المفاهيم العادية للفيزياء والكيمياء او باضافات بسيطة لها، كالذي صرح به أحد مكتشفَي بنية الدنا (DNA) فرانسيس كريك عام 1966. وهذا ما جعل ريتشارد دوكينز يعتبر اكتشاف دور الدنا في الوراثة قد “سدد الضربة القاضية للاعتقاد بان المادة الحية مميزة للغاية عن المادة غير الحية”. وكانت الفكرة الموضوعة حول هذه الجزيئات الخلوية انها تمثل آلات ذات طابع لا يختلف عن الآلات المادية الصرفة.
لكن بفضل الكثير من البحوث المتتالية إلى يومنا هذا اصبح من الواضح ان التعابير الاختزالية عن البايولوجيا الجزيئية غير دقيقة ولا تمت الى الحقيقة بصلة، فهي لا تشير الى الطابع المعلوماتي الذي تتميز به سلسلة الدنا مما يجعلها غير قابلة للاختزال وفق المفاهيم الفيزيائية والكيميائية. كذلك ان المشابهة بين الجزيئات الخلوية والالات المادية لا يلغي وجود عناصر فيهما لا تُفسر بمحض الفيزياء والكيمياء. بمعنى انه حتى الالات المادية المعقدة تمتلك من العناصر ما لا يمكن تفسيرها بمحض القوانين الطبيعية والمفاهيم الفيزيائية والكيميائية.
واهم ما تم كشفه فيما نحن بصدده هو وجود تشابه مدهش للغاية بين النظم الخلوية والنظم الحاسوبية الناتجة بفعل الذكاء. لهذا وصف عالم البايولوجيا الخلوية جيمس شابيرو بان نظام البروتينات المتكامل والذي يؤلف نظام تخثر الدم لدى الثديات بانه “يشبه نظاماً حاسوبياً منتشراً وفعالاً ويعمل في الزمن الحقيقي”. كما نوّه الى ان العديد من الانظمة الكيميائية الحيوية في الخلية تشبه “مخطط الوصلات في الدوائر الالكترونية”.
واغرب ما في الامر ان داعية الالحاد ريتشارد دوكينز قد عبّر عن هذه الحقيقة بقوله: “ان صرفنا النظر عن الاختلافات في لغة العلمين؛ يمكن استبدال صفحات مجلة البايولوجيا الجزيئية بصفحات من مجلة هندسة الحاسوب”. كما اشار الى ان شفرة الجينات تشبه الحاسوب بطريقة غريبة. اذ ان الشفرة الجينية تناظر الشفرة الحاسوبية، وكلاهما معقد ومؤلف من تسلسل غير متكرر ومتخصص للغاية ومتعلق بالمتطلبات الوظيفية ومتطلبات الاتصال.
ومعلوم لدى الجميع ان هندسة الحاسوب لا يمكن تفسيرها بغير عامل الذكاء والغائية. وبالتالي فان هذه النتيجة تلقي بظلالها على التفسير المتعلق بالشفرة الجينية.
وعموماً ظهرت تعابير كثيرة تصف العديد من المظاهر الحياتية باوصاف لا يمكن تفسيرها بغير العلاقات الوظيفية المنطوية على جانب كبير من الذكاء، ومن ثم فانها تضمر حقيقة انها غائية بمعنى ما من المعاني، كالذي نجده لدى مفردات علم البايولوجيا الجزيئية من تعابير مستعارة من علم الحوسبة والهندسة الكهربائية والاتصالات. فالشفرة والمعلومات الوراثية والنسخ والترجمة وتعديل الانزيمات ودوائر توصيل الاشارة والتغذية الراجعة ونظام معالجة المعلومات وغيرها؛ كلها لها دلالة على الذكاء والتصميم.
إن الصراع بين الفكر الغائي والفكر المادي الطبيعي مازال قائماً حتى يومنا هذا، ولم يجد الفكر المادي أداة للتفسير يستند اليها غير التشبث في الغالب بالنهج الدارويني، معتبراً التشكيلات الحيوية تنطلق دائماً من الاسفل والبسيط الى الاعلى والمعقد؛ تدريجياً من دون قفزات ولا طفرات كبيرة. لذلك تم التشبث بالظاهرة الجينية وطفراتها العشوائية كأساس يعمل عليه الانتخاب الطبيعي.. حتى قيل ان “الدنا يصنع الرنا، والرنا يصنع البروتينات، والبروتينات تصنعنا”.
لكن اثبتت الدراسات المعاصرة ان الجينات ليست هي العامل الرئيسي في تشكيل وحدة الكائن الحي بتراكيبه المختلفة، رغم ما لها من تأثير كبير، فهناك عوامل اخرى غير محددة تدعى بفوق جينية تمتلك تأثيراً أعظم على الظاهرة الحيوية. لذلك حقّ الرد من قبل البعض على المقولة المشار اليها سلفاً بالقول: ان “الدنا لا يصنع الرنا، والرنا لا يصنع البروتين، والبروتين لا يصنعنا”.
وبلا شك ان لهذه النتائج آثارها البارزة على التفكير الشمولي ومنزلقاته الغائية.
فقد تبين ان الحياة لا يمكن تفسيرها وفق القوانين والتحليلات الكيميائية والفيزيائية، كما لا يمكن اختزالها وفق تصور التراكمات الكمية التدريجية غير المحسوسة كما تدعيه الداروينية. فالتعقيدات التي تحملها ضخمة تفوق حد التصور، وهي لا تجد تفسيراً مقنعاً بغير افتراض وجود العوامل الذكية والغائية. ويمكن المقارنة بين من ينفي الغائية من الطبيعة ومن يثبتها دون التمكن من الاحاطة بها؛ بان الاول لا يرى سوى ارتباطات مادية لزومية أو عرضية عادية وعشوائية دون ان تبعث على الدهشة والتعجب مع كل بحث واستكشاف. في حين ان من يؤمن بالغائية يرى في كل بحث جديد ما يدعو للدهشة والتعجب باضطراد. ويمكن التمثيل على هذا التمايز بالمقارنة بين من شاهد الخلية عبر المجهر الضوئي خلال القرن التاسع عشر، ومن رآها عبر المجهر الالكتروني خلال القرن العشرين، كالذي توضحه الفقرات الرائعة التالية والمقتبسة من كتاب مايكل دنتون المتميز (التطور: نظرية في ازمة):
”إذا عُرضت الخلية الحية تحت مجهر ضوئي بتكبير إلى نحو عدة مئات المرات – كما كانت الإمكانيات في زمن داروين– فستظهر بمشهد محبط نسبياً، فلا تبدو سوى قالب دائم التغير مضطرب ظاهرياً من النقاط والجسيمات التي ترميها قوى عنيفة غير مرئية جزافاً في جميع الجهات. لكن لكي ندرك حقيقة الحياة كما أظهرتها البايولوجيا الجزيئية يجب علينا أن نكبر الخلية ألف مليون ضعف، حتى يصل قطرها إلى عشرين كيلو متراً، وتشابه منطاداً ضخاًا لدرجة تكفي أن يغطي مدينة ضخمة، مثل لندن أو نيويورك، وما سنراه عندئذ سيكون شيئاً فريداً من التعقيد والتصميم التكيفي، سنرى على سطح الخلية ملايين الفجوات التي تشبه كروات سفينة فضائية ضخمة، تفتح وتغلق لتسمح لتيار مستمر من المواد أن يتدفق داخلاً وخارجاً. ولو أردنا أن ندخل إحدى هذه الفجوات، فسنجد أنفسنا في عالم من التكنولوجيا العالية والتعقيد المذهل؛ حيث سنرى أروقة لا تحصى عدداً وقد نظمت إلى حدٍ كبير، ونجد أقنية متشعبة في كل جهة، متجهة إلى خارج حدود الخلية، بعضها يصل إلى بنك الذاكرة المركزي في النواة، وبعضها الآخر إلى مصانع التجميع ووحدات المعالجة، وستكون النواة بمفردها على شكل حجرة كروية واسعة، بقطر طوله أكثر من كيلومتر مثل قبة جيوديسية، نرى في داخلها أميالاً من السلسل الملتفة من جزيئات الحمض النووي تتكدس جميعها معاً في مصفوفات مرتبة، وسيمر نطاق ضخم من المنتجات والمواد الخام عبر الأقنية المتشعبة بشكل منظم تنظيما عالياً، من وإلى جميع مصانع التجميع المختلفة في المناطق الخارجية من الخلية.
وسنتعجب من مستوى التحكم الكامن في حركة كثير من الأشياء على طول ما يبدو أنه أقنية لا نهاية لها، تتحرك جميعها بانسجام تام، وسنرى حولنا وكيفما قلبنا النظر جميع أنواع الآلات التي تشبه الروبوتات الآلية. سنلحظ ونذهل من أن أبسط المكونات الوظيفية للخلية الجزيئات البروتينية هي آليات جزيئية معقدة، كل منها يتكون من ثلاثة آلاف ذرة مرتبة بهيئة ثلاثية الأبعاد منظمة تنظيمًا دقيقاً، وسنتعجب أكثر عندما نشاهد نشاطات هذه الآلات الجزيئية العجيبة التي نستغرب أنها نشاطات هادفة، لا سيما عندما ندرك أنه رغم كل معرفتنا التراكمية في الفيزياء والكيمياء تبقى مهمة تصميم آلة جزيئية واحدة كهذه - أي جزيء بروتيني وظيفي واحد فقط - خارج نطاق قدراتنا تمامًا في الوقت الحاضر.. فكيف إذن تعتمد حياة الخلية على النشاطات المتكاملة لآلاف الجزيئات البروتينية - بالتأكيد عشرات الآلاف - وربما مئات الآلاف.
سنرى أن كل ميزة تقريباً من ميزات آلاتنا المتقدمة لها نظير في الخلية؛ كاللغات الاصطناعية وأنظمة تشفيرها، وبنوك الذاكرة المخصصة لتخزين المعلومات واستردادها، وأنظمة التحكم الراقية التي تنظم التجميع الذاتي للقطع والمكونات، وأجهزة الوقاية من الأعطال وأجهزة التدقيق اللغوي المستخدمة في التحكم بالجودة وعمليات التجميع التي تتضمن مبدأ التصنيع المسبق والبناء الجزيئي. في الحقيقة سنعيش شعورَ الديجافو (deja–vu) – أي وهم سبق المشاهدة - بشكل عميق جداً، وسيكون التشابه مقنعاً جداً لدرجة أننا سنقتبس الكثير من مصطلحات عالم تكنولوجيا في أواخر القرن العشرين لوصف هذا الواقع الجزيئي الساحر. سيكون ما سنشهده شيئاً يشبه مصنعاً ضخماً أكبر من مدينة، ينفذ وظائف تساوي بعددها تقريباً كل نشاطات الإنسان التصنيعية على وجه البسيطة، لكنه سيكون مصنعاً له قدرة واحدة لا توجد في أي آلة من أكثر آلاتنا تقدماً؛ إذ سيكون في استطاعته أن ينسخ بنيته بأكملها في غضون ساعات قليلة، وبمشاهدة عمل كهذا بتكبير ألف مليون ضعف سيكون مشهداً مهيباً وملهماً”.
وعود على بدء، ان ما اتضح قبل قليل من وجود فارق عظيم بين تصور القرن التاسع عشر للخلية والقرن العشرين، انما يعكس الفارق الكبير بين من ينفي الغائية ومن يثبتها. فالاول يتعامل مع الكائن الحي كشيء حتى وان بدى عليه التعقيد لكنه قابل للاختزال، والشاهد على ذلك ان توماس هكسلي وارنست هيكل وغيرهما من علماء القرن التاسع عشر كانوا يعتقدون بان الخلية التي تطورت منها سائر الكائنات الحية هي بسيطة للغاية، وانها نشأت تلقائياً من طين البحر. فهذا ما ينسجم مع الاعتقاد بنفي الغائية، بخلاف المعتقد بالغائية والذي يرى في الخلية وسائر الكائنات الحية تعقيدات عظيمة غير قابلة للاختزال، كما هي اطروحة مايكل بيهي. ورغم انه ما زال عمل الخلية والكائن الحي يحمل اسراراً عظيمة هي بمثابة صناديق سود مقارنة بالبحوث المستقبلية.. ورغم ان من الصعب تكهن ما ستسفر عنه هذه البحوث، لكن بفعل الخبرات الماضية المضطردة يمكن التكهن بما ستنجم عنه من اطياف جديدة ساحرة ومدهشة تجعل العالم البايولوجي يقف عاجزاً عن تفسيرها بمحض العلاقات الفيزيائية والكيميائية، وبالتالي لا محيص من ان يكون لها دلالات غائية، بحيث كلما اشتد البحث العلمي كلما كان التفسير اقرب للغائية منه الى الصيغ المادية المتعارف عليها. لذلك سيلجأ العلماء اضطراراً لايجاد صيغ جديدة للتعبير عن عنصر الذكاء وزجه ضمن القوالب العلمية، مثلما نفعل عادة عندما نريد ان نفسر التركيبات المعقدة للآلات المادية، كالسيارة والطائرة والحاسوب وغيرها، رغم انها لا تعد شيئاً في قبال التعقيد العظيم الحاصل في ادنى خلية، فكيف الحال مع الكائنات الحية المعقدة، وعلى رأسها الانسان؟!.
وهنا نستحضر ما قاله لينوس باولنك linus pauling الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء: إن “خلية حية واحدة فقط من جسم الانسان هي اعظم تعقيداً من مدينة نيويورك“.
***
أخيراً يبدو انه لا يوجد حالياً عالم معترف به رسمياً يعتقد بوجود القوة الحيوية ليفسر الطابع المعلوماتي الذي تختزنه الجينات وغيرها من النظم المعقدة الخلوية. لكن ظهرت حركة جديدة تستبعد جميع التفاسير المادية للتركيب الجيني والبروتيني وسائر النظم الخلوية، وترجح عوضاً عن ذلك فكرة التصميم الذكي. وقد تكون هذه الفكرة الوجه الاخر او البديل المكافئ للمذهب الحيوي؛ خاصة الاتجاه الذي يرى التصميم متأصلاً ذاتياً في الطبيعة كبرنامج يستقبل المعلومات او يحتفظ بها لاهداف واغراض معينة خفية. ومن ذلك اعتقاد بعض زعماء التصميم الذكي بان من ضمن الاحتمالات والامكانات التي يفترضها اصحاب التنظيم الذكي هو ان الذكاء لا يشترط ان يكون فوق طبيعي (ميتافيزيقي)، فقد يكون مبدأً تنظيمياً غائياً بني في الطبيعة، لذا فهو طبيعي بشكل كامل.
للبحث صلة..

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا