الكنيسة والمرأة

منسى موريس
2020 / 4 / 23

فى عصرنا الحالي الذى تقدم خطوات كبيرة نحو التقدم العلمى والحضارى والإنسانى نجد المرأة تقود مجتماعات وشعوب وحكومات وتحصل على نوبل في مختلف المجالات والعلوم , وفى نفس العصر أيضاً نجد من يصر على أن المرأة لايمكن أن تتقلد بعض المناصب الدينية وأنها غير مؤهلة لذلك , لا شك أن هذا المنطق والإسلوب في التفكير يتناقض مع طبيعة العصر الذى يسير إلى الأمام ويتناقض أيضاً مع طبيعة العقل الذى إكتشف قدرة المرأة وتأثيرها في هذا العالم.

الكنائس التقليدية لديها أزمة كبيرة مع المرأة وهذه الأزمة تحتاج بكل تأكيد إلى إصلاح , لأنه من غير المعقول أن ننادى بالتطور والحداثة وفى نفس الوقت نؤمن بأفكار عقائدية تؤصل وترسخ للتقليل من شأن المرأة .
وعوض أن نجد الكنيسة تكون سباقة فى محاربة الرجعية والتخلف والإنغلاق نجدها تكرس لهذه المفاهيم وتشجع عليها وتحكم على المُصلحين الذين يحاربون هذه المفاهيم أحكاماً عدائية .
برغم أن الرسالة المسيحية تساوى بين الرجل والمرأة لكن مازلنا نقف أمام عقول جامدة لاتراعى التطورات الثقافية والحضارية .
في بداية سفر التكوين نجد أن الله خلق (الإنسان على صورتة ذكر وأنثى ) فالمرأة صورة الله مثل الرجل وهذا يبرهن على التساوى المطلق بينهم , نجد أيضاَ أن بعض النساء نبيات في الكتاب المقدس , ونجد أن أول من بشر " بقيامة المسيح " كانوا نساء برغم أن المجتمع اليهودى يقلل من شهادة المرأة لكن تعمد المسيح ذلك لكى يساوى بين الرجل والمرأة ومواقف كثيرة وآيات كثيرة توضح المساواة بين الجنسين لكن الكنيسة التقليدية واضح أنها مازالت تفكر " بالذهنية اليهودية "
ولم تتخلص بعد من " شرائع العهد القديم الطقسية " وأهملت الخلفيات الحضارية والثقافية لزمن تطور الوحى وتناست قاعدة المسيح لتفسير النص ألاوهى " الحرف يقتل ولكن الروح تحىي وأن السبت جعل للإنسان وليس الإنسان للسبت "
فأهملوا كل ذلك " وتمسكوا بحرفية بعض الآيات " لتبرير عدم مساواة الرجل مع المرأة ولكن لو تأملوا في هذه الآيات وراعوا الظروف التاريخية والثقافية والحضارية " للنص " لأدركوا " أن هذه النصوص لاتخدمهم نهائياً .

ولكن ياترى ما القصة ؟ ما الحكاية ؟ بإختصار الكنائس التقليدية تتبنى مواقف تقلل من المرأة , فالمرأة عندهم ممنوعة من أن تعلم وأن تمارس الطقوس وحتى ممنوع على الراهبات أن يشاركن في الطقوس داخل الهيكل , ثم بعد ذلك يصرحون أن الرجل يتساوى مع المرأة؟
ولايجدون أي حرج ولاتناقض في كلامهم ؟!!
هذا الموقف يستحق النقد والإصلاح ويستدعى الإهتمام والتأمل .
ولكن يجب أن نقف على أدلة هؤلاء كى نرى الصورة بمنظورها الكلى والشامل حتى نعرف كيف يفكرون ويرسخون لأفكارهم .
هناك عدة آيات يستند عليها هؤلاء كى يبرروا مواقفهم تجاه المرأة ويعطوا تعاليمهم صبغة لاهوتية , سأضع أهم النصوص ثم بعد ذلك نحللها ونفككها


أولاً : الدليل الأول :
رسالة بولس الرسول إلى أهل تيموثاوس )
11 لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع
12 ولكن لست آذن للمرأة أن تعلم ولا تتسلط على الرجل، بل تكون في سكوت
لأن آدم جبل أولا ثم حواء وآدم لم يغو، لكن المرأة أغويت فحصلت في التعدي)

ومن هذه الآية بمفهومها الظاهرى إستخلص هؤلاء بعض الأفكار السلبية منها أن المرأة لايمكنها التعليم بشكل نهائي .

نقد الدليل الأول : " بولس الرسول فى هذا النص لايمنع أن تعلم المرأة بشكل نهائي ومطلق لأن النص من بدايتة ينتقد فيه " الممارسات الخاطئة " سواء في التعليم الذى يقترن بالتسلط أو بإستخدام النساء الخاطىء للزينة , " فبولس " ينتقد الإستخدام الخاطىء سواء للتعليم أو لزينة النساء والآيات التي تسبق هذه الآيات توضح هذا الأمر بشكل واضح جداً .
فيقول : " بولس " (8 فأريد أن يصلي الرجال في كل مكان، رافعين أيادي طاهرة، بدون غضب ولا جدال
9 وكذلك أن النساء يزين ذواتهن بلباس الحشمة، مع ورع وتعقل، لا بضفائر أو ذهب أو لآلئ أو ملابس كثيرة الثمن
(10 بل كما يليق بنساء متعاهدات بتقوى الله بأعمال صالحة
ويشير " بولس" إلى قصة " آدم وحواء " كأنه يريد أن يفهمنا أنه عندما حادت حواء عن وصية الله فوقعت في الخطيئة نتيجة " سُلطة التعليم الخاطئة فهنا إنتقاد " لسلطة التعليم الخاطئة وليس إنتقاد " للتعليم نفسه " .

ثانياً : كان الكثير من النساء يتنبئن فهل توجد نبؤة دون تعليم ؟ ونحن نعرف أن النبؤة تحتاج إلى شرح وتعليم وتفكير وتحليل ؟
ثالثاً : " بولس " نفسه يقول أن " التعليم للكل " دون إستثناء كما جاء في :
(رسالة بولس إلى أهل كولوسى :16:3 لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى و انتم بكل حكمة معلمون و منذرون بعضكم بعضا بمزامير و تسابيح و اغاني روحية بنعمة مترنمين في قلوبكم للرب)

وأيضاً لغى بولس التفرقة بين الذكر واالأنثى كما جاء في ((رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية 3: 28) ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حر. ليس ذكروأنثى، لأنكم جميعا واحد في المسيح يسوع)

رابعاً : نجد أن بريسكلا وزوجها علما أبلوس كما هو اضح في (أعمال الرسل 18 :26 و ابتدا هذا يجاهر في المجمع فلما سمعه اكيلا و بريسكلا اخذاه اليهما و شرحا له طريق الرب باكثر تدقيق)

الدليل الثانى : الرجل هو رأس المرأة حسب تعليم الكتاب المقدس
يقول القديس بولس الرسول "أيتها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب. لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضًا رأس الكنيسة وهو مخلص الجسد. ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن في كل شيء" (أفسس 5: 22-23).
يقولون أن هذه الآية تفيد بأن التعليم للرجل فقط وأن النساء عليهن الخضوع للرجل والإستماع لرجالهن .
النقد الأول : طبعاً قدمت في تفنيد الدليل الأول على أساس وجود تعليم للنساء فهذا التفنيد يفند هذا الدليل أيضاً .
النقد الثانى : المسيح هو رأس الكنيسة فهل هذا معناه أن الكنيسة بما أن رأسها هو المسيح إذن ممنوعة من التعليم قياساً على منطق هؤلاء ؟بالطبع لا فعلاقة المسيح بالكنيسة هي علاقة حب وتعليم وتفرد وإمتياز وليست علاقة مبنية على السيطرة المطلقة بدون عقل أو فكر , وأيضاً الكنيسة تشمل النساء أيضاً لأن الكنيسة هي جماعة المؤمنين والمؤمنين تشمل " النساء والرجال "
النقد الثالث : هي تعنى كلمة " رأس " هنا أن الإنسان يتخلى عن عقلة وملكاتة الروحية ؟ قطعاً لا فالمسيح هو الرأس ومع ذلك فعلاقتنا به علاقة مبنية على " الحب بالفكر والقلب والروح" وليس هذا معناه ترك المرء لوجودة ولكيانه .

الدليل الثالث : يقولون لم يسبق في التاريخ أو التقليد مثل هذا الكهنوت للمرأة:
السيد المسيح نفسه اختار رسله من الرجال ولم يختر بينهم امرأة واحدة ولا على سبيل الاستثناء. بل سلم الكنيسة لاثني عشر رجلًا وهذا أيضاً حدث في العهد القديم .
النقد الأول : فى العهد القديم كان الكهنوت له " نظام" يتناسب مع طبيعة عصره فالوحى المسيحيى يتدرج فقد كان في العهد القديم " نبيات وقضاة " وهذا يعد تطوراً كبيراً ولكن في العهد الجديد أصبح للكهنوت " مفهوم آخر " فكهنوت " العهد القديم " كان طقسى أ كثر منه روحى أما في العهد الجديد فالكهنوت إتجه نحو الداخل فالكهنوت أصبح في العهد الجديد أصبح إختبار وجودى وروحى لله فكل إنسان إختبر الله إختباراً حقيقياً وكرز بهذا وإختباره صار له ثمر على أرض الواقع فهذا كهنوت فالكهنوت تحول من " سُلطة وظيفية " إلى " إختبار روحى يعيشه الإنسان"
النقد الثانى : المسيح في مسيرتة التبشيرية كانت النساء تتبعه وتبشر معه أيضاً
بجانب التلاميذ الإثنى عشر كما جاء فى (متى 8)
1 وعلى أثر ذلك كان يسير في مدينة وقرية يكرز ويبشر بملكوت الله، ومعه الاثنا عشر.
2 وبعض النساء كن قد شفين من أرواح شريرة وأمراض: مريم التي تدعى المجدلية التي خرج منها سبعة شياطين،
3 ويونا امرأة خوزي وكيل هيرودس، وسوسنة، وأخر كثيرات كن يخدمنه من أموالهن.)
فلو كان المسيح يتبنى نفس فكر الكنيسة التقليدية اليوم لكان رفض أن تتبعه النساء في التبشير والكرازة لأن هذا لايليق بهن.

في الأخير يمكننا القول بما أن المرأة مخلوقة على" صورة الله " مثل الرجل فلها كل الإمتيازات كالرجل تماماً فعقلها ليس ناقصاً وروحها ليست ناقصة وأ كبر جريمة ممكن أن يرتكبها رجل الدين في حق المرأة أن يقنعها بأنها غير متساوية مع الرجل وعلى الكنيسة التقليدية أن تعيد وجهة نظرها فى هذا الموضوع وتواكب العصر والحداثة إما سيكون مصيرها الزوال .