هل تختلس الدولة اموالها؟

سالم روضان الموسوي
2020 / 4 / 22

إن معاجم اللغة العربية عرفة مصطلح الدولة (بأنها الظفر بالمال والحرب) على وفق ما ورد في لسان العرب بانها (العُقْبة في المال والحَرْب"، بمعنى الغلبة والظفر بهما) وهذا يدل على ترابط الدولة بالمال والهيمنة على السلطة التي أساسها ومبتغاها المال، كما عرفها علم السياسية والفقه الدستوري بأنها تجمع سياسي يؤسس كياناً صاحب اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة، وتمارس الدولة مهامها عبر أشخاص يمثلوها لأنها بالأصل شخص معنوي بحاجة إلى من يمثله وعلى وفق أحكام القانون ومنها ما جاء في المادة (47) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 وهذا مبدأ عالمي متفق عليه وأصبح من المسلمات القانونية ، وهذا الشخص المعنوي لابد من وجود من يمثله وعلى وفق أحكام المادة (48) من القانون المدني العراقي، وفي القانون الدستوري الدولة يجب أن تمثل بمؤسساتها الدستورية، وبتطور نظم الحكم وصلنا إلى مبدأ الفصل بين السلطات وتقسيم ادوار من يمثل الدولة، بعدما كانت كلها بيد الحاكم المطلق فأصبح للتشريع مندوب عن الدولة وهو المجلس التشريعي ومندوب في التنفيذ ومندوب في القضاء وهكذا، وهؤلاء أصبحوا أمناء على مقدرات تلك الدولة وأموالها وأساس مسؤوليتهم وتقليدهم لمهامهم النيابية عن الدولة أن يتم توزيع ثروة الدولة على أبنائها، لان من أهم أركان تشكيل الدولة هو الشعب حيث تتكون الدولة من إقليم وشعب وسلطات حاكمة، لكن يحصل أحيانا أن يقوم من يتولى هذه المهام بالسرقة أما من أموال الدولة التي اؤتمن عليها وتسمى بجرائم الاختلاس، أو بواسطة الدولة واستغلال المنصب وتسمى جرائم الرشوة والنفوذ والسرقة وغيرها من الأوصاف القانونية التي تضمنتها القوانين العقابية، ويرى احد الكتاب بان أكثر جرائم الأموال تحاك في أروقة النظام السياسي ودوائر صنع القرار بسبب التطابق بين تولي المناصب في جهاز الدولة والحصول على الثروة، فممارسة السلطة يصاحبها في كثير من الحالات تراكم مادي يتناسب معها، واقتران السلطة بالثروة أمر معروف في أنظمة الحكم الفاسدة وعلى وفق ما ذكره القاضي الأردني فاروق الكيلاني، بكتابه الموسوم (جرائم الأموال ، ص6) وهو رئيس سابق لمحكمة التمييز الأردنية ومحكمة العدل العليا في الأردن ورئيس سابق لمجلس القضاء في الأردن، ويرى بعض المفكرين إن من أهم الأسباب لهذا الفساد السياسي الممثل بالهيمنة على مقدرات الدولة، هو سقوط القانون، عندما لا يطبق على الجميع بنفس الدرجة، وفساد الحكم، وغياب العدالة ويقول القاضي الكيلاني إن جرائم الأموال تنتشر حيث تكون العدالة ضائعة، ففي غيابها ينمو الفساد وتحصن الأخطاء وينتشر الإجرام (جرائم الأموال، ص11) ، لذلك فان من يمثل الدولة عندما يستولي على أموالها فانه لابد وان يحاسب عن فعله الذي يعد جريمة يحاسب عليها القانون، وتعج النصوص القانونية بأنواع العقوبات، لكن دون أن تؤثر في الحد من الفساد، حتى إن البعض ينادي بإصدار تشريعات جديدة لمكافحة الفساد، لكن بعض من يمثل الدولة ويتولى السلطة نيابة عنها يقوم بالهيمنة على أموالها بإطار قانوني صورته المشروعية ومضمونه السرقة والاختلاس، وأفضل مثال على ذلك قوانين الامتيازات التي منحها هؤلاء لأنفسهم دون رقيب أو وازع من ضمير، فأصبح من يتقلد بعض المهام، وبظرف أشهر قليلة، من أصحاب الثروات الطائلة في ظل وضع اقتصادي متردي، وفي القانون الدستوري اعتبر ذلك من أسباب الانحراف التشريعي وهو قيام البرلمان بسن قانون لامتيازاته في الشؤون المالية والاقتصادية في تشريع القوانين التي تمنح امتيازات مالية ، كالرواتب والحقوق التقاعدية والسلف والقروض والعقارات لأعضاء السلطة التشريعية مبالغ فيها وغير مبررة، أو تشريع قوانين مالية وضريبية تمنح إعفاءات ضريبية ذات صلة ببعض الشركات التابعة للأحزاب المتنفذة في السلطة، أو تجاوز السلطة التشريعية لتنظيمها للأمور المالية والضريبية لتحقيق غايات لا تمت للمصلحة العامة بصلة أو الغايات الواجب مراعاتها في سن التشريعات، وهذا ما أشار إليه الدكتور عبدالرحمن أسامة احمد محمد كحيل بكتابه الموسوم (الانحراف التشريعي بين القانون الوضعي والفقه الإسلامي ـ منشورات دار النهضة العربية في مصر طبعة عام 2019) ، لذلك فان هذه الصورة تعتبر من قبيل اختلاس الأموال العامة بطرق احتيالية وخداع الجمهور، لان معنى الاختلاس في اللغة العربية هو سلب المال بِخِدَاعٍ وَحِيلَةٍ، وهذه التشريعات التي تمنح الامتيازات ما هي إلا خدع وحيل قانونية، ويرى *جان جاك روسو* بان جميع النظم المتخلفة والرجعية سواء الاجتماعية أو السياسية ترجع في أصلها إلى العنف والتزوير والدولة التي تدار بواسطة هذه النظم تنشأ على الاختلاس وتهدم مبدأ المساواة وعلى وفق ما ذكره في كتابه الموسوم (خطاب في أصل التفاوت وفي أسسه بين البشر) وتخلق صورة من التابع والمتبوع المنقاد الى صاحب الثروة والسلطة ويشير * روسو* إلى إن روابط الاستعباد لم تنشأ إلا من تبعية بعض البشر إلى البعض الآخر، ويجعل تفاوت بينهما احدهم قوي والآخر ضعيف ويضيف *روسو* في كتابه اعلاه (إن الإنسان ضعيف عندما يكون تابعاً) ، وفي النظام السياسي القائم عندنا نجد ان الوصول الى السلطة وان تم عبر صناديق الاقتراع ألانه كان تحت تأثير العنف وبالتزوير وهذا ثابت في الوقائع التي صاحبت عملية الانتخابات الأخيرة، لذلك نجد إن مختلس المال العام قد تغول وأصبح لا يبالي لأحد وانه فوق القانون، لأنه يزعم بان هذه الأموال التي حاز عليها إنما بواسطة الدولة وعبر القوانين النافذة وإنها مشروعة لأنها بموجب تشريعات، ويحيل الأمر برمته إلى الدولة على اعتبار إنها هي من منحته هذه الثروة الطائلة ، لذلك من الصحيح أن نقول بان الدولة من الممكن أن تختلس أموالها وعبر من يمثلها في سلطاتها ومؤسساتها الدستورية، وبلا أدنى شك إن هذا التفاوت وهذه الصورة من صور الاختلاس وهدر المال العام سيؤدي إلى رفض اجتماعي وشعبي وستبدأ الاحتجاجات وأساليب الرفض الصريحة والضمنية ، وفي العراق شهدنا كيف تطورت حركة الاحتجاج، وكيف حاول البعض ركوب موجتها للمحافظة على مكتسباته في الهيمنة على الثروة الوطنية، لكن هذه الاحتجاجات سوف لن تنتهي لان الحتمية التاريخية تشير إلى إن الأسباب الكامنة وراء تلك الاحتجاجات هو الإحساس بالعوز والفقر والتردي الاجتماعي والسياسي وهذا ما يعيشه الفرد بشكل يومي ويعاني من قسوة آثاره، وعندما يعجز عن المعالجة وتنعدم بيده الحيلة سوف يسعى لتبني فكرة الانقلاب على واقعه، وتبدأ بأول خطوة وهي الحلم الذي يراوده في بناء إنسانية وطنية جديدة تكمن في رفاهيته التي تتمثل في مساواته مع الآخرين حتى وان كان في شظف العيش ويشير بعض المفكرين الأوربيين بان هذا الحلم سوف يرسم تصور لمجتمع انقلابي جديد ويعطي هذا التصور للقوى المادية الاجتماعية والتيارات الفكرية السياسية القوة لجذب ملايين الناس لتغيير وجه الواقع المتردي في المجتمع، وهذا ما ذكره المفكر العربي الوحدوي الدكتور نديم البيطار في كتابه الموسوم (الأيدلوجية الانقلابية، طبعة بيروت عام 1964، ص 284)، وفي خلاصة القول فان الدولة من الممكن إن تختلس أموالها، وعلاج ذلك هو محاسبة القائمين على تمثيلها في السلطات والمؤسسات الدستورية ، فإذا ما ضعفت ووهنت عناصر المحاسبة والمساءلة ، فان الأمر سيتولاه الشعب عبر وسائله الاحتجاجية، التي تولد لديه روح الانقلاب على الواقع، ومن ثم الثورة عليه عبر وسيلتين الأولى تدمير أسس الفساد والثانية إعادة البناء على وفق تطلعات عامة الشعب.
القاضي