((شاعر وقصيدة))---الشاعر كريم جخيور

ريتا عودة
2020 / 4 / 22

((شاعر وقصيدة))
الشاعر العراقي كريم جخيور

من يدخل مرآة الشاعر كريم جخيور ليعرفه بعمق، يصير شاهدا على شاعر ماهر، يجيد تطويع الأبجديات السّاحرة، في قوالب مبتكرة.
يُوظّف مفردات عادية مألوفة من الحياة اليوميّة في صور شعريّة ماتعة متكئا على رؤى عميقة تجعل القصيدة تنتقل من السَّهل الى المُمتنع.
مفرداته العاديَّة تشي بانسان متواضع، لم ينسلخ عن أخيه الإنسان، وفلاّح لم ينسلخ عن عشقه للأرض، وشاعر لم ينسلخ عن عشقه للقصيدة ، وعاشق يحيا على عشق المرأة التي تجعله في مدٍّ وجزر دائم.
وحينَ يحلّق شاعرنا كالصقر بقصيدته، يسمو قلبه، فينظر زارعو العنب، للأعالي ويباركونه كما يبارك البشر أنبياءَهم.
كيفَ لا، والشَّاعرُ نبيّ عصره وهو الشاهدٌ على أفراحه وأتراحه:

((أنا الماهر
أدق على خاصرة الطريق
بأبجديات ساحرة
باسق قلبي
وأجنحتي يباركها زارعو العنب.))



-1-
((شاعر يحب الحياة))

كلنا سنذهب ذات يوم
كارهين
إلى تلك الحفرة
التي تسمى القبر
فلا تخافي من جائحة كورونا
التي راحت تأكل العالم المتقدم أولا
ننظر بوجع إلى الحياة
حتى لو كانت قاسية
وبحسد إلى المشيعين
وسأعود إلى المكون الأول
التراب
فيا ربي
اذا ما اردت ان تدوفه طينا
فلا تنس ان تنفخ في طينتي
روح شاعر يحب الفراشات
وألا يمسسني سوى الحب
بعيدا عن السكري
وارتفاع ضغط الدم
أو تنفخ فيه
روح ملك عادل
يحب الورود والنساء
ويكره الحروب
فأنا يا ربي
يوجعني نحيب
الارامل
وبكاء اليتامى
وان تعيدني عراقيا
حتى لو كنت بلا بيت.




-2-
((البحر))

لم أعرف البحر من قبل
كنت أراه خطا نحيفا ومتعرجا
في كتاب الجغرافيا
وهو يبدو بلا موج
ولا نحيب غرقى
ولا فنارات تلوح للسفن التائهة
كان يتمدد كجثة على الورق
بلا شواطئ
ولا صخور يتكسر عليها الموج
أو يجلس عليها العشاق

وحينما كبرت
عرفت أن البحر
ربما يكون امرأة
تطفئ حرائق اليابسة
وكثيرا ما تشعلها.




-3
((شيوعيون))

شيوعيون من المهد
إلى المجد
وكلما علت الريح
تبقى
بيارقهم حمراء ترفرف
وكانت على قلتها
بيضاء دنانيرهم
وخالصة
ولهذا
حفظوا رأس المال
عن ظهر قلب
فصاروا لا يخطئون
بأشجار الوطن
ولا بأعداد الشهداء
وكانوا على قسوة زنازينهم
واثقين من شمس الصباح.




-4-
((قارورة العسل))

كيف لي

أن أجعل من يدي

يدي الخالية

شراعا لزورقك الملكي

وكم

سأحتاج من الحرير

لأعقده مناديل

وألم بها سنابل شعرك

كم

سأحتاج من النجوم

لأعلقها قناديل

في ليلك السرمدي

كم سأحتاج من الحمام

لأطيره

قصائد حب إليك

وكم سأحتاج من القوارير

لأجمع من شفتيك

كل هذا العسل

وكم سأحتاج من الكؤوس

لأشرب من عينيك

كل هذي الخمور.




-5-
((الصباح))

لا أحب أن اكذب
ولا أريد أن أتجمل
فأنا رجل من فقراء الناس
لا أعرف عن الصباح
إلا ما تثيره جلبة العمال
وهم يحملون معاولهم ومطارقهم
ويدقون بأقدام صلبة
على خاصرة الطريق
لا أعرف سوى ما يثيره لغط الباعة المتجولين
والموسيقى التافهة
التي تكررها كل يوم سيارة بأئع قناني الغاز
بعد 2003
حيث كانت عربة يجرها حصان أجرب
لم أبدأ الصباح كما يفعل الأغنياء
بكوب حليب وفاكهة اجنبية
وبعده فنجان قهوة
يتلذذون كثيرا برغوتها
وههم يطالعون الأبراج
ليتأكدوا مما كتب الله لهم
فهم لا يحبون الدهشة أبدا
ومثل عامة الناس
اطمئن الى سقف البيت
الى صورة أبي المعلقة على جدار الغرفة
مطعونة بشريط أسود باهت
واستمع الى فيروز
التي يحلو لي أن أسميها
دعاء الصباح
ولكن ما يميز صباحي
هو أنت
وهذه القصيدة التي أكتبها الان لك.




-6-
((اسمك))

كلما
كتبت اسمك
تتشافى الحروف
من أوجاعها
وتصير اكثر اخضرارا
وبهجة
وهي تختال أمام أخياتها
من الحروف
تلك التى صارت فائضة
عن الحاجة
وراحت تذبل
تذبل
وهي نائمة في المعاجم.




-7-
((أناقة))

ماذا
لو كانت اﻷكفان
ملونة
ويختارها الناس
قبل موتهم
لما احترت
أي لون من قمصانك
أختار
ليكون
آخر ثوب لأناقتي.




-8-
((شعر))

وأنت تنظر الى العالم من نافذة الشعر
عليك أن تزيل عن جسد الكلمات
الدمامل والفقاقيع
وتمنحها ما تملك من إكسير الحياة
فأنت لا تذهب مع دمية
مهما برعوا في تجميلها الى السرير
حتى لو كان وثيرا
أن تكتب شعرا
عليك أن تفطم الكلمات من ثدي القواميس
حينها ستشع وتبرق ويراها الناس
فلا تحتاج الى بوق نحاس
أو راوية ألثغ
أن تكتب شعرا
عليك أن تتثبت من قوسك جيدا
فالطيور تهادن صيادها لحظة
ثم تكسر صمت المكان
وكلما كانت دانية عناقيد الكروم
فلا تقطف منها إلا ما يزيدك فتوة وصحوا وبهجة
عليك أن لا تذهب الى وادي عبقر
فما عاد صالحا لرعي الثيران المجنة
أن تكتب شعرا
عليك أن تقف وسط الريح مخضبا بالرؤيا
تنظر الى شجرة
وتتعلم منها درسا في الفصول.




-9-
((خيانات كونية))

الخيانة

لاتبدأ دائما للوطن

فحين تكسر بفأسك قلب الشجرة

فهذه خيانة للهديل

وحين تستيقظ

والشمس قد أكملت افطارها

فهذه خيانة للصباح

وحين تنام

والنجوم لم تختمر ،بعد ، بعينيك

فهذه خيانة للقمر

وحين لاينتفض قلبك

أمام الجمال

مثل مدية بدوي

خبأ ثأره أربعين عاما

فهذه خيانة للعدل والجمال

وحين تلبس قفازا سميكا

حتى تتصيد الحروف

فهذه خيانة للجمر

وحين لا تذهب مع المطر

إلى مساقط النور

فهذه خيانة للشعر

وحين تغمض عينيك

قبل النوم

على آخر ضحكة فاضت مع الدمع

من قلب أمك

وحين لاتحفظ عن ظهر قلب

آخر حكمة نسجتها

عيون أبيك

فهذه وتلك خيانة للرب

وحين تمر الغيوم

ولا تفتح فمها بالكركرات

فهذه خيانة للعشب

وحين ينام الغبار على أراجيحك

ولا تستغيث بمكائد اللبن

فهذه خيانة للطفولة

وحين تنام على سريرك

بلا حلم

ودونما رغبة للتأمل

فهذه خيانة للحياة

وحين يأخذك الوطن

إلى ساحات القتل

ولا يمنحك حفرة

لتنام فيها

فهذه خيانة الوطن لك.




-10-
((هبوط جماعي))

قال اهبطوا
فهبطنا
فرادى وزرافات
تركنا فوق رفوف الجنة براءتنا
تركنا قصائدنا
وعلى الأسّرة تركنا نحيب الحوريات
وهبطنا
دونما سلالم
وبلا مظلات
تسحبنا أوزارنا
في أفواهنا
أكداس من التفاح
وتحت الوسائد
أفاع وحروب.




-11-
((سائق التك تك))

كعادتها في الصباح
تعد له
ما تيسر من فطور
الخبز
الشاي
وبيضتين تشتريهما
من جارها صاحب الدكان
ثم ينهض إلى التك تك
قالت له لا تتأخر
ولا تنس
أن تدفع أقساط التك تك
فقال لها ضاحكا
علينا أولا أن ندفع
أقساط الوطن.


___________________________
#كريم جخيور/العراق، البصرة
الملفّ إعداد الشاعرة ريتا عودة/ حيفا، 21.4.2020

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول