قراءة في رواية: -السّت زبيدة-

رفيقة عثمان
2020 / 4 / 22

قراءة في رواية: "السّت زبيدة" ، للكاتبة نوال حلاوة، 2015، مداد للنشر والتوزيع - الإمارات المتّحدة
رواية "الست زبيدة" للكاتبة نوال حلاوة، تحتوي على 365 صفحة من القطع الكبير، والصادرة عن مداد للنشر والتوزيع- الإمارات المتّحدة ، عام 2015 ط1 و 2018 ط2. صورة الغلاف عبارة عن صورة لامرأة تُدعى (اليافاويّة)، مُهداة للكاتبة من د. جمال بدوان الفنّان الفلسطسني العالمي، هذه التّحفة حازت على الجائزة الأولى في مهرجان الفن لأوروبا الشّرقيّة عن عام 2014. قدّمت الكاتبة كلمة الإهداء إلى يافا ، وإلى روح الشاعرة الفلسطينيّة فدوى طوقان.
رواية "السّت زبيدة" تعتبر رواية سيرة ذاتيّة للكاتبة نفسها، حيث سردت قصص حياتها منذ نعومة أظفارها، لغاية نشر روايتها؛ فهي تعكس سيرة جماعيّة، سيرة شعب فلسطين قبل وأثناء وبعد النكبة.
استهلّت الكاتبة روايتها بالسرد عن ولادتها، وتسميتها "ب الست زبيدة"، ولهذه التسمية حكاية جميلة حكاها أبوها لها عندما كبُرت، ولماذا قرّر أن يناديها ب "الست زبيدة" ! ليلة دخول والدتها مرحلة المخاض، وبنفس الليلة حلم والدها باحتفال أقامه هارون الرّشيد، وكان الاحتفال بهيجا، فيه المرح والفرح والبهجة التي عمّت الأجواء، والزينة، وفي حضور والدها طلب هارون الرّشيد منه أن يُسمّي ابنته الست زبيدة، تيمّنا بزوجة هارون الرّشيد، التي وصفها الوالد بالجميلة، بل أجمل الجميلات.
استخدمت الروائيّة نوال حلاوة صوت الراوي بضمير الأنا، نظرا لكتابتها السيرة الذّاتية، ممّا أضفى على الرّواية مصداقيّة في السّرد الروائي السّابر، وعرض الأحداث الواقعية بصدق وصراحة متناهية وبشفافيّة عالية، فهذا الأسلوب خلق تشويقا غير عادي عند القارئ.
سردت الكاتبة وقائع وتفاصيل عديدة من نواحي حياتها الشّخصيّة، في مرحلة زمنيّة ومكان محدودين. الزمن منذ الاحتلال البريطاني في فلسطين، وقبل النّكبة بخمس سنوات تقريبا، ومن ثمّ تحدّثت عن مرحلة النكبة والتهجير القسري من فلسطين، وتهجيرها مع عائلتها إلى مدينة نابلس، حيث استقرّت العائلة فيها؛ بينما الوالد كان مشغولًا في الدّفاع عن الوطن.
هذا السّرد الواقعي، سرد ملحمة وقضيّة وطن أجمع، من السّهل التعاطف والتضامن مع البطلة في الرّواية، خاصّة من عاش في بيئة عاشت التهجير والشّتات، أو البقاء والصّمود داخل الوطن.
نجحت الكاتبة في تصوير المشاعرالحزينة المُتأجّجة، من قِبل التهجير واحتلال العدو لوطن الأم فلسطين.
لم تبخل الكاتبة في تطعيم روايتها بالمحسّنات البديعيّة بالوصف الجميل، التي أضفت رونقا وحسّا متحرّكا لأحداث الرّواية الدراميّة، وبلغة فصحى شاعريّة وبليغة، سلسة دون تعقيد يُذكر. وصفت الكاتبة يافا بأجمل الأوصاف، لدرجة تخالها أمامك، تتجوّل في مواقعها السياحيّة، بيوتها الجميلة، وبحر يافا الأزرق، برتقالها اللذيذ وليمونها بلون الذهب، وصفها يحرّك أحاسيس وخيال القارئ، وصفت العلاقات الاجتماعيّة والأسريّة، عاداتهم وتقاليدهم الشعبيّة، والتي تُمثّل التراث الفلسطيني، من أعراس وترديدات النساء أثناء إقامة الأعراس، والولادة. كما ورد صفحة 230 "طالعة من بيت ابوها رايحة لبيت الجيران- لابسة الأبيض والأحمر والعيون تضرب سلام". مثال للتهاليل: "أووو يا رب تنام.... واذبح لك طير الحمام"..
طغت العاطفة في رواية "الست زبيدة"، وتعدّدت المشاعر من أفراح وأحزان، وعاطفة الانتماء والحنين للوطن، التي تغنّت به في غربتها، وعبّرت عن أشواقها له، بإرسال رسالة شوق وحنين في زجاجة رمتها في البحر من تونس؛ لتصل شاطئ يافا، هذه الرسالة مفعمة بعبارات الشّوق والحنين لوطنها الأم، وأمنيات العودة. كما ورد صفحة 326 "على الرّغم من أنّني سُلخت عن مدينتي الأثيرة في قلبي يافا، كما سُلخ عنها أهلها منذ النّكبة الفلسطينيّة، فإنّني ما زلت أحنّ إلى بحرها وسمائها، وياسمينها وليمونها وبرتقالها وذكرياتها فيها، رغم تراكم السنوات على ذاكرتي وعليها".
كذلك " كنت استمع لأمي بشغف وأعيش معها ذكرياتها السّاحرة التي كانت تعيدني إلى مرابع طفولتي الغضّة في يافا الحبيبة". كذلك صفحة 198 بعد النّكبة " بقيت يافا تُبرق في عتمة منامي وأحلامي، وتؤنس شوقي لبحرها وبرتقالها ونهرها وياسمينها".
برزت عاطفة الأمومة في السّرد بشكل ظاهر جدّا؛ نظرا لكونها الابنة الوحيدة بين أخوتها الصّبيان، ساعدت والدتها في تربية الأبناء الأصغر منها سنّا، ومرافقة والدتها في الأعمال المنزليّة، ممّا ساهم في تعزيز غريزة الأمومة لديها بصورة مفرطة، وتجلّى ذلك عندما أصبحت أمّا تعتني بأبنائها على نهج والدتها بمحبّة وشغف، والسعادة من هذا الدّور على الرّغم من صغر سنّها.
كما ورد صفحة 303 " شعرت بأنّ أمومتي توّجتني ملكة في قلب زوجي وأولادي وعائلتي، المملكة التي ارادها لي أبي (السّت زبيدة) التي تعيش أمومتها بعمق أحاسيسها ونبضات قلبها. " تعلّمت من أمي أنّ الأمومة شيء ربّاني مقدّس" صفحة 306. الأمّ ترمز للوطن، "السّت زبيدة" تُمثّل الوطن بكل حالاته.
طغت عاطفة الحزن على نصوص الرّواية، خاصّة عند فقدان أعز الأقرباء عليها مثل: وفاة أختها الطفلة، عندما كانت الكاتبة في طفولتها، وعند فقدان زوجة أخيها وصديقتها التي توفيّت بعد إجراء عمليّة قيصريّة في شبابها، كذلك فقدانها لأقرب النّاس إلى قلبها أبيها، وفقدان زوج صديقتها، وأخيرا فقدان والدتها الغالية والتي كانت قدوة لها في حياتها. كما ورد صفحة 338 " تكرّرت قصص الموت في حياتي، وفي كلّ مرّة أعاني الحزن والبكاء والصّمت لأيّام لا أتكلّم، ولا أتناول الطّعام، وكأنّني أعيش الموت مع من مات، أصبح الموت معضلة في حياتي ، ومأساة حقيقيّة عشتها عمري".
لم تخلُ الرواية من العاطفة الدينيّة، بذكرها اسم الله، والتوكّل عليه، والطمأنينة لذكر الله تعالى، خاصّة عند الفقدان الأليم.
وُصفت شخصيّة السّت زبيدة بالمرأة الواعية والمُثقّفة، والمتمرّدة منذ طفولتها متميّزة بكل تصرّفاتها، كما ورد صفحة 285 " هل هي ثورتي على التقاليد منذ صغري؟ أم أنّ شيئا في ذاتي جعلني أغضّ النظر عنه، وأركّز على ما هو أهمّ من ثوب الزّفاف الذي تحلم به كل فتاة ليلة زفافها." كذلك كما ورد صفحة 247 " كنت ثائرة على كل كلمات العيب التي تتردّد كثيرا في مجتمعي الجديد خاصّة ممّا لا يقتنع به عقلي"؛ هذه السيّدة التي تجمع ما بين العقل والقلب.
تشعر السّت زبيدة بالمسؤوليّة نحو الأسرة، ومطالبتها لحقوق المرأة بالمساواة والعدالة، لم تشعر بالدونيّة من الذكور؛ وذلك يعود لتربية والدها الذي كان يتعامل معها بمكانة أخوتها، بل هي الابنة المُدلّلة في الأسرة، على غرار العادات والتقاليد في المجتمع الفلسطيني، حيث عانت الفتيات من الحرمان وعدم المساواة مع الذكور، في مجالات عديدة في الحياة سواء كان في التعليم أو اختيار الزوج والعمل، واتّخاذ القرارات المصيريّة. ذكرت الكاتبة عن التمييز في المعاملة وتفضيل الذّكور عن الإناث بعد النكبة خاصّة في المخيّمات الفلسطينيّة بمنح الفرصة للتعليم للأبناء الذّكور، وحرمان الفتيات من هذا الحق، بحيث تُرسل البنات للخدمة في البيوت عند الأغنياء منهم كما ورد صفحة 204 " الكثير من أطفال المخيّم الذين لاقوا المصير نفسه، تعرّضوا لزيارات يوميّة من أسر المدينة للبحث عن فتيات صغيرات تخدم في بيوتهم، كانوا يُفضّلون الأصغر سنّا" كذلك صفحة 201 " ثُرتُ على موقف الأهل الجهلة، اذ همّهم تعليم الأولاد الذكور فقط". كذلك تميّزت المرأة الفلسطينيّة في نظر الكاتبة حلاوة بصورة إيجابيّة جدّا، صفحة 190 " تبوّأت المرأة النابلسيّة أعلى الوظائف التعليميّة في مدينتها، وفي دول الشّتات".
برعت الكاتبة نوال حلاوة "السّت زبيدة" بخيالها في تصوير الواقع المُتخيّل للأحداث المترابطة من خلال البعد الزّماني والمكاني قرابة أربعين عاما في الغربة بعيدا عن أرض الوطن. جعلت الكاتبة حلم العودة حقيقة، بزيارة يافا أرض الوطن؛ وصنعت من الألم أملا جديدا يبعث التفاؤل بالنفس، ويشدّ العزيمة بالتشبّث بالحقوق وخاصّة حق العودة.
تطرّقت الكاتبة لعودة الدكتور إبراهيم أبو اللغد، لمدينة مولده يافا، بزياراته المتعدّدة بعد عودته من الولايات المتحّدة؛ كذلك دُفن في يافا، على الرغم من المنع من قِبل الاحتلال الإسرائيلي، إلّا أنّ أصدقاءه الأوفياء استخدموا حيلة، لنقل جثمان المرحوم أبو اللغد وتمريره عبر الجواجز الاسرائيليّة، وإجلاس جثمان المرحوم كأنّه نائم؛ هكذا نجحت الحيلة، وانتصر العائد الى يافا، ودفن في أرض وطنه. عندما قرأت هذه المعلومة، ظننتها من وحي خيال الكاتبة، إلا أنه بعد البحث، اتّضح لي بأنّ قضيّة دفنه في مقبرة أقربائه في يافا كانت حقيقيّة، والمعلومة الجديدة حول طريقة نقل جثمانه إلى يافا، هذه المعلومة وصفتها الكاتبة، نظرا لقربها ومعرفتها القريبة من الدكتور ابواللّغد، تحقيقا لوصيّته. هذا الواقع، منح السّت زبيدة، نوعا من الراحة والطمأنينة، نحو قضيّة حق العودة، الذي ينشده كل فلسطيني، يعيش في الشّتات.
أنهت الروائية سردها بتحقيق حلم السّت زبيدة في العودة إلى يافا، وبأسلوب الكاتبة الشيّق عندما استلمت السّت زبيدة الزجاجة التي حملت رسالة الحنين أثناء جلوسها على شاطئ بحر يافا، وقرأت محتواها قصيدة شعريّة غزليّة ووطنيّة مفعمة بالأشواق والأمل والتحدّي بالعودة.
ربطت الكاتبة حلاوة حنينها للعودة، بقصيدة الشّاعرة الفلسطينيّة فدوى طوقان بمضامينها وحِسّها بقصيدة اللحن الأخير "على باب يافا يا أحبّائي أنتظر حلم العودة من جديد"، هذه القصيدة فجّرت في قلبها الشوق والحنين؛ حين قالت لها: " أنت أديبة يا نوال، تفرّغي للكتابة". واستجابت الكاتبة لطلبها، فكتبت هذه الرّواية. ليس غريبا أن تُقدّم الكاتبة كلمة إهداء للشاعرة الفلسطينيّة فدوى طوقان؛ تقديرا وعرفانا لها؛ فأحيت وأنعشت الذّاكرة الفلسطينيّة؛ لتنتقل من الأجداد إلى الأحفاد.
وفّقت الروائيّة في اختيار عنوان الرّواية "السّت زبيدة" نظرا لكتابة السيرة الذّاتيّة الشخصيّة. فصّلت الكاتبة فيها تفاصيل خاصّة جدّا.
أودّ أن أعبّر عن إعجابي وتقديري للروائيّة نوال حلاوة على سردها، ومنح يافا حقّها من التعبير والمشاعر الجيّاشة التي تليق بها.
حسب رأيي يُصنّف هذا الجنس الأدبي "سيرة ذاتيّة" وليست رواية، من المفضّل أن تُحدّد الكاتبة الجنس الأدبي الملائم للكتاب.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي