ارسطو والقانون العراقي ( القانون هو العقل المجرد عن الهوى)

سالم روضان الموسوي
2020 / 4 / 19

أرسطو والقانون العراقي
(القانون هو العقل المجرد عن الهوى)
كان الفيلسوف أرسطو قد فكر في القانون منذ آلاف السنين، ويعتبر من ابرز الفلاسفة اليونانيين، كما اعتبر أهل الاختصاص، بان الفلسفة اليونانية لم تكن امتداد لسابقاتها وإنما خلقها اليونانيون خلقاً، لذلك كان أرسطو يرى بان القوانين الصالحة تكون في الدساتير الصالحة أما القوانين الفاسدة فإنها في الدساتير الفاسدة، وعلى وفق ما ذكره أستاذ العلوم السياسية الدكتور غانم محمد صالح في كتابه الموسوم الفكر السياسي القديم (ص100)، وأرسطو قد ربط بين الدستور الصالح والقانون الصالح وهذه نتيجة منطقية لان القانون ينتجه الدستور عبر مؤسساته الدستورية، فإذا ما اختل الدستور أو لحقه العوار والنقص، فانه بلا أدنى شك سيؤدي إلى إنتاج معتل الشكل ومختل الجوهر، وفي الواقع القانوني العراقي نجد إن مطبق القانون والمشتغل في الجانب القانوني سواء كان باحث أو مفكر أو منفذ أو مطبق، فانه سيجد معاناته تتجسد في اشد حالاتها عندما يتعرض إلى موضوع معين ويسعى لإيجاد النص القانوني الملائم له وفي العمل القضائي تسمى هذه الحالة بالتكييف وهو تحديد الوصف القانوني لتطبيقه على الواقعة محل النظر، والسبب في هذه المعاناة إن القوانين النافذة قد صدرت في ظل دساتير متعددة وكل دستور يختلف عن الآخر بين ملكي وجمهوري وتسلطي وليبرالي وتفرد وتعدد، لان الدساتير تعبر عن فلسفة واضعه، لذلك نجد إن تلك القوانين ذات المنشئ المختلف تسبح في بحر واحد وأحيانا تتصادم مع بعضها، وفي اغلب الحالات يكون التصادم مع رأس الهرم التشريعي (الدستور)، لذلك وجدت سلطة الرقابة الدستورية على القوانين، وفي العراق وجدنا عشرات الأحكام التي أصدرتها المحكمة الاتحادية العليا في الحكم بعدم دستورية القوانين لتعارضها مع المبادئ الدستورية النافذة، لكن ماذا لو كان الدستور بذاته فيه اعتلال واختلال وفيه سعة وافرة للجدل والتقاطع، من خلال بعض نصوصه سائبة النهايات مثل أحكام المادة (76)، أو عدم التوافق بين المبادئ الواردة في المادة الواحد مثل المادة (2) أو التعارض بين المواد مثل المادة (126) والمادة (142)، أو الشبهة التي إطالته بإضافة مواد لم يصوت عليها الشعب، فهذا الاعتلال انعكس بشكل واضح على القوانين التي أنتجها عبر المؤسسة الدستورية في البلاد، والتي انعكست بدورها في المجال التنفيذي والتطبيقي، فضلاً عن الجدل الفقهي الذي تعدى حدوده البحثية والعلمية إلى الاختصام والتسقيط، وحيث إن أرسطو قد شخص ذلك بقوله آنف الذكر، بان الدساتير الصالحة تمنح قوانين صالح وبالعكس، فان من سوء ما وقع فيه النظام القانوني في العراق أن الدساتير أعطت لنا بعض القوانين غير الصالحة، منها ما يعبر عن هوى ورغبة واضعه لتحقيق غايات شخصية ومنافعية، مما أدى إلى انعدام المساواة بين أفراد الشعب الذي يفترض في القانون أن يكون لخدمتهم وتنظيم علاقاتهم، وهذا يؤدي حتماً إلى عدم الاستقرار وما حصل في العراق من احتجاجات، كانت أعظمها التي حصلت في تشرين الأول من عام 2019 ، ويرى أرسطو إن هذه الاحتجاجات نتيجة حتمية لسوء القوانين التي تصدرها السلطة القابضة، لأنها تؤدي إلى عدم المساواة وهذا التفاوت وعدم المساواة يعد الركيزة لأي تمرد على الحكم بأي شكل أو وصف سواء ضد منظومة الحكم بأكملها أو في بعض جزئياتها أو ضد سلطة واحدة من سلطات الدولة الدستورية، كما يرى أرسطو إن عدم المساواة هي نتيجة لتمتع فئة من المواطنين بمراكز سياسية متميزة لا يشبه تمتع مماثل من الناحية الاقتصادية ، أو لتمتع فئة بمميزات اقتصادية مؤثرة دون أن يكون لها الامتياز نفسه في المجال السياسي، فحالة عدم التطابق والتماثل هذه تؤدي إلى ترسيخ الحساسية بعدم المساواة في المجتمع، وعلاج مثل هذا الوضع لا يكون إلا في القيام بثورة تصحح الأوضاع، وهذا ما ورد ذلك في بحث منشور في مجلة بابل للدراسات الإنسانية والموسوم "فلسفة القانون عند أرسطو" للباحث مصطفى فاضل الخفاجي، لذلك نجد إن أرسطو قد وضع الأصبع على أس الخلل في ما وصلنا إليه وأعطى العلاج بان يكون القانون الذي يصدر لابد وان يكون بعيد عن الأهواء والمزاج السياسي، وذلك عندما عرف القانون بأنه (العقل المجرد عن الهوى) وربط القانون بالعقل، وأرى وبكل تواضع معرفي، إن ذلك الربط فيه سبباً وجيهاً لان العقل مصدره الله وكان أرسطو يؤمن بقوى الإله التي تسمو على الإنسان، وانه هو من يتدبر الأمور وما كان مصدره السماء لا تناله الشكوك، ويتسم بالتجرد لان الله عز وجل رب العالمين دون تمييز، وتكون أحكامه مجردة وعامة وفيها المساواة والعدل.
لذلك أرى أن نصحح مسار الدستور وان نعدله بما يتفق ومصالح الأمة لا مصالح الفئات، وان نجعل منه دستوراً صالحاً في شكله ومنها الصياغة للنصوص بما يجعلها نصوص جزلة ومركزة وواضحة ومفصلة تقطع دابر التأويل والاجتهاد غير المبرر، وكذلك من جهة الموضوع بوجود مبادئ أساسية تعطي لكل فرد حقه على سبيل المساواة دون تمييز أو انتقام أو ردة فعل تجاه أوضاع كانت سائدة، وتغليب روح القانون في الحكم على فكرة التسلط والتحكم التي مارسها اغلب من تولى السلطة في كل أصنافها الدستورية، وعند ذاك فان هذا الدستور سيعطي لنا القانون الصالح الذي يماثل العقل المجرد عن الرغبة والهوى لان إتباع القانون هو إتباع للعقل فان خالطه الهوى فان الضلالة فيه حتماً وعاقبته عذاب شديد يوم الحساب بمصداق الآية الكريمة (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) لذلك على من يعدل الدستور ويسن القانون ويطبقه وينفذه أن يتبع العقل ويجرده عن الهوى والطيش وحب السلطة والتجبر والتكبر والفساد والاستقواء ، لأن من يتبع عقله فانه حتماً سيخاف مقام ربه وويزجر النفس عن الهوى، وسيكون جزائه عند الله الثواب وحسن العاقبة بمصداق الآية الكريمة (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) وختاما انصح نفسي قبل غيري وأقول لها يا نفس كفي سعياً وتجوالا قد دنت من يومها الآجال، وجائحة كورونا بينت لنا مَّنْ نَحنُ ومَّنْ نكون وما قوتنا وحجمنا المتصاغر تجاه عظمة الخالق الذي كان كبيرا بعدله ولم يكن ظالماً لأحد من عباده فهو يخاطبهم بالمباشر ليس لضعف منه وإنما لأنه غفور رحيم رءوف بعباده بمصداق الآية الكريمة (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد)ِ
القاضي