عندما يُسَخر الرئيس كل مقدرات الدولة لمصالحه الشخصية

محمد السعدنى
2020 / 4 / 18

من صندوق بريدى الإلكترونى أقرأ معك فى عدد من الرسائل اليومية التى ترسلها "الواشنطون بوست" لبعض الكتاب والمفكرين حول العالم. أتخير لك منها للمناقشة مقالاً بقلم: إيزاك ستانلى بيكر، تولوز أولورونيبا و سيونج مين كيم، وصلنى اليوم السبت 18 أبريل، يناقش ما أثاره ترامب من قلق عام خلال جلسة الإحاطة اليومية للبيت الأبيض يوم الجمعة الماضى ومعه عدداً من فريق العمل المتخصص المكلف بمتابعة تطورات فيروس كورونا، حول رغبته فى إعادة فتح البلاد وتشغيل الإنتاج، الأمر الذى لايعارضه المحافظون وحدهم بل يشاركهم التخوف كثيرون من الجمهوريين وحكام الولايات، الذين يرى بعضهم أن الوقت ليس مناسباً بعد لرفع الحظر عن الأنشطة الانتاجية وحركة الناس خارج منازلهم، والبعض الذى يرى التدرج فى رفع الحظر مع اتخاذ الإجراءات الوقائية، وآخرون يرون أن الإدارة الأمريكية لم تتمكن بعد من السيطرة على الفيروس، ولم توفر المستلزمات الضرورية للوقاية والعلاج ولا حتى لإجراء الاختبارات على المواطنين، وهو ما يدعوهم لاستمرار الغلق. والمقال يتطرق إلى تفاصيل كثيرة حول الولايات، منها على حد قول كتاب المقال: "على الرغم من أن ترامب قد ركز معظم انتقاداته على الحكام الديمقراطيين مثل أندرو كومو في نيويورك، فقد يكون المسؤولون الجمهوريون أكبر عقبة في طريقه من أجل إعادة فتح سريعة في أجزاء من البلاد حيث كان تفشي الفيروس التاجي أكثر محدودية.
وفى هذا الإطار، دعنا نقدم عدداً من الملاحظات المبدئية حول موقف الرئيس الأمريكى وإدارته منذ بداية هجمة كورونا الشرسة وحتى يومنا هذا.
أمام جائحة كورونا وقف العالم كله على أطراف أصابعه فى هلع ورعب، فقد كشفت الأزمة هشاشة النظم العالمى كله، وضعف الإنسان بكل مايملكه من علوم وتكنولوجيا على مواجهة الفيروس، ذلك الكائن الذى لايرى بالعين المجردة والذى أطاح بالدول صغرى وكبرى، راحت كل دولة تحشد كل مالديها للمواجهة مسقطة من حساباتها كل ما سبق تبنيه من سياسات تدعى التضامن الإنسانى والتعاون الدولى، وأصبح كل فى شأن يلهيه، بدا الجميع ذاهلاً غير عابئ إلا بالنجاة ببلاده ومواطنيه، إلا الرئيس الأمريكى الذى كان كل همه هو الاجهاز على الصين والشماتة فيها، واستغلال الموقف لصالح إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية، جاءت فى أولى أولوياته وبأى ثمن. ومع تنامى الجائحة تأرجحت مواقفه وتخبطت سياساته، إذ أنكر فى البداية خطورة الفيروس، وتأخر فى اتخاذ الإجراءات اللازمة حتى لا تؤثر على الاقتصاد الأمريكى الذى يراه ورقته الرابحة فى سباقه الانتخابى بحلول نوفمبر القادم. ولما أضطرته الظروف وساءت فى بلاده الأحوال، راح يبحث عن كبش فداء لتردده ورعونته وفشله، وبدا متوتراً منفعلاً، خصوصاً بعد أن تعافت الصين وأثبتت صحة سياساتها وما طبقته من بروتوكولات طبية ولوجستية فى تطويق الأزمة والتحكم الملفت فى مخرجاتها ونواتجها. هنا بدا فى الترنح والتخبط وتذبذبت مواقفه، وهو يرى العالم يشيد بانتصار الصين، عدوه ومنافسه التقليدى فى حرب عولمية تكنولوجية إقتصادية دون أن تطلق رصاصة واحدة. وللتدليل على صحة ما نقول، دعنا نقارن من خلال مواقفه هو نفسه فى بداية الجائحة، وما وصلت إليه فى يومنا هذا.
فى 24 يناير كانت الصين فى خضم معركتها تغلق ووهان، المدارس والمصانع والمؤسسات وتفرض الحظر الشامل والغلق التام للمدن، راح يغرد: "إن الولايات المتحدة الأمريكية تقدر تقديراً كبيراً جهود الصين وشفافيتها وهى تعمل بجد لاحتواء فيروس كورونا، إنهم يعملون بشكل جيد ونقدر عملهم، ونيابة عن الشعب الأمريكى أشكر الرئيس شى".
ومع تطور الأحداث فى بلاده وارتفاع معدلات الإصابة والوفيات بين مواطنى عدداً من الولايات الأمريكية فى مقدمتها نيويورك، جاءت بيانات نشرتها جامعة جونز هوبكنز، التي تعتبر مرجعاً في تتبّع الإصابات والوفيات الناجمة عن الفيروس الملقب بـ"عدو البشرية"، لتكشف الثلاثاء الماضى، أن وباء كوفيد-19 حصد خلال 24 ساعة أرواح 2228 شخصاً في الولايات المتحدة، أي أن الحصيلة ارتفعت مرة أخرى إلى رقم قياسي يومي لم يحققه أي بلد حول العالم. ومن بين الولايات الخمسين سجلت 17 ولاية إصابات بالفيروس لتصل حصيلة الوفيات أكثر من ثلاثين ألفاً حتى الأربعاء15 أبريل.
وإذ صرح حكام عدداً من الولايات الأشد تضررا وهي نيويورك وكاليفورنيا ولويزيانا ونيوجيرسي وماساتشوستس وميشيغان، أن هناك حاجة لإجراء المزيد من الفحوص الواسعة قبل بدء إنهاء إجراءات العزل العام الأميركية، التي أبعدت الملايين عن العمل نتيجة إغلاق المصانع والمؤسسات والمطاعم والأعمال التجارية والمدارس، فقد علق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، الأربعاء نفسه، أن بلاده تجاوزت ذروة تفشي فيروس كورونا، مضيفًا، أنه سيعلن إرشادات جديدة بشأن تخفيف القيود في الولايات المتحدة، مساء الخميس، بعد الحديث مع حكام الولايات، بحسب وصفه. وواجه الرئيس الأمريكي، انتقادات عدة، بعد إعلانه إعادة النظر في تمويل حكومة بلاده لمنظمة الصحة العالمية، على خلفية اتهامه لها بالتقليل من أثر انتشار المرض، بالتواطؤ مع الصين، بحسب تعبيره، وهو ما أخر استجابة حكومة بلاده لانتشار الفيروس، الأمر الذى نفته منظمة الصحة العالمية، في الوقت الذي عبرت فيه حكومات بريطانيا وفرنسا وعدد من الحكومات الأوروبية عن دعمها لجهود المنظمة في مكافحة وباء فيروس كورونا.
فى هذا المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأربعاء 15 أبريل، بدا أكثر توتراً وانفعالاً بعد إعلانه تعليق التمويل لمنظمة الصحة العالمية واتهامها بسوء إدارتها للأزمة وتسترها على انتشار فيروس كورونا، إذ وقعت مشادة كلامية بينه وبين "بريان كارم" مراسل قناة «سي إن إن» الذى اتهم ترامب بتهربه من المسؤولية تجاه المواطنين الأمريكيين، منتقدًا إلقاءه اللوم على منظمة الصحة العالمية في الأخطاء بسبب جائحة كورونا.
وذكر المراسل أنه تحدث مع الكثير من المواطنين خلال الأسابيع الماضية وأكدوا له أنهم يجدون صعوبة في الخضوع لاختبار كورونا، منتقدًا تعايش المواطنون بشكل طبيعي بدون التزام بالتباعد الاجتماعي. وردًا على انتقاد المراسل، قال ترامب إن تنفيذ الاختبارات ومتابعة الالتزام بالتباعد الاجتماعي مسؤولية حكام الولايات، مطالبًا إياه بتحديد من يوجه إليه سؤاله، ولما حاول ترامب إنهاء حديثه مع مراسل القناة الأمريكية بالانتقال إلى سؤال صحفي آخر، أشعل هذا غضب المراسل وأصر على طرح سؤاله بصوت مرتفع، ما دفع ترامب للتهديد بمغادرة المؤتمر قائلاً له "أنت ثرثار". ذلك طبقاً لما نشرته وكالات أنباء وصحف أمريكية عديدة.
وفى تقديرى فإن هذه الواقعة جاءت كاشفة على تخبط سياسات الرئيس أكثر مما أشارت إلى مستهجن معاملاته العامة، ذلك أنه سبق أن أشار إلى أنه هو الذى يحدد لحكام الولايات متى يفرض الحظر ومتى يفتح المجال لعودة الحياة الانتاجية إلى طبيعتها ودخل فى ملاسنات عديدة مع حكام الولايات الذين طالبهم بأن يبدوا احتراماً أكبر فى التعامل معه كرئيس.
وكان آندرو كومو، حاكم ولاية نيويورك الأمريكية، قد أعلن الثلاثاء 14 أبريل خلال مقابلة مع شبكة "سي.إن.إن" أنه لن يلتزم بأوامر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إنهاء إجراءات العزل العام في الولاية، بطريقة غير آمنة خلال انتشار فيروس كورونا المستجد. وقال كومو في هذا الصدد: "إذا أمرني بإعادة فتح نيويورك بطريقة تعرض الصحة العامة للمواطنين في الولاية للخطر فلن أفعل ذلك، فهذا أمر يشكل تحدياً للدستور، وساعتها سألجأ للقضاء". وكان ذلك عشية إعلان ترامب الإثنين أن له سلطة كاملة على الولايات، وكرر هذا الخميس 16 أبريل، بينما الدستور لا يعطيه هذا الحق. وهكذا يبدو تخبط سياسات الإدارة الأمريكية لأن الرئيس لايتصرف حيال الأزمة التى أخذت بتلابيب بلاده بمقتضى المسئوليات الرئاسية لصالح البلاد، إنما بدافع استغلال الأمور لإعادة انتخابه، وهو فى هذا الإطار مستعد لعمل أى شئ وكل شئ، إلا التضحية بفرص إعادة إنتخابه. ولعل هذا ما أشار إليه حاكم نيويورك الذى ألمح إلى أن محاولات الرئيس ترامب إعادة فتح البلاد قبل السيطرة التامة على وباء كورونا فيه استغلال سياسى بقصد إعادة انتخابه، وهذه وجهة نظر راجت كثيراً فى المجال السياسى العام للولايات المتحدة وأكدتها الميديا الأمريكية، التى رأت محاولته إلقاء اللوم على الصين ومنظمة الصحة العالمية أمر لايمكن تفسيره إلا بدواع شخصية وانتخابية، لا يمكن تصورها فى دولة تواجه جائحة كبرى، إلا عندما يُسَخر الرئيس كل مقدرات الدولة لمصالحه الشخصية. وهذا ما سنناقشه فى مقال آخر.