قيم التحصين والانغلاق بجبال الأطلس الكبير الشرقي المغربية قرية «تدركلوت» نموذجا

لحسن ايت الفقيه
2020 / 4 / 17

كلما غابت الوثيقة يطفو المنقول على السطح، وتسود الرواية الشفاهية. ذلك هو المشكول في مجال البحث في تراث الأوساط التقليدية المغربية، التي مابرحت تحافظ على القُلّ، القليل، من طابع مغرب ما قبل الاستعمار الفرنسي. وأمام هذا الوَهْن الذي حاق بالذاكرة الجماعية في معظم الأوساط، جدر الإعراب، بكل شجاعة، عن زيغ الاستقصاء كلما زاغ بصر الباحث إلى حقل الشفاهية المحضة.
وإذا ما برزت الوثيقة في غسو ليل الشفاهية والتقليد، يُزاح الغموض جانبا، ويجوب الباحث في النطاقين، نطاق الشفاهية والسرد، ونطاق الكتابية والتدقيق والتحديد، نطاق الوثيقة الذي يقترب من الحقيقة الواقعية، والواقع المعيش، والوجه المعتاد. ويجنح إلى سرد الخبر إحياء للذاكرة الجماعية أو صياغة الخبر بالدرس والتحليل.
وللإخبار جرى أن تعمق غليل الفضول باقتناء وثيقتين سليمتين تحيطان بالنظام العرفي لإحدى القرى الزراعية المحصنة بجبال الأطلس الكبير الشرقي، قرية «تدركلوت». ولقد صار المجال مفتوحا للمقارنة بين السائد من الرواية الشفاهية والتقليد، وما تبطنه الوثيقة من قيم الواقع المعيش والمعتاد. فالوثيقتان سليمتان لا خل يشوبهما ولا بياض ولا بتر.
عرفت قرية «تدركلوت»، الكائنة على الضفة اليمنى لواد زيز، والتي يطل عليها جبل «بو إحميدن» من جهة الجنوب، و«أسامر ن تدركلوت» من جهة الشمال، نظاما عرفيا يُحَبِّر التفاصيل الصغيرة ضمن الكل. فالكل صيغة تكمن في وحدة القبيلة، والفضاء العمراني للقرية، والعرف، بما هو نسق من المواد، والتفاصيل الصغيرة تزّاور إلى تقييد بعض الحريات الفردية، سؤلا في تحقيق العصمة والوقاية والمنعة.
وانطلاقا من مراد الانغلاق أسس عرف «تدركلوت» لمجموعة من القيم بعضها لا يعزب عن الحقل الديني قيد أنملة وبعضها قيم جرت ملاءمتها لتحقيق الوُصلة مع المحيط الثقافي القبلي. فالعرف، على مستوى الشكل، لا يحيد عن مؤسسة الجماعة السلالية، والشيخ، وترتيب القيم الملاءَمة بشكل منسجم وثقافة الوسط، لكنه على مستوى المضمون يحمل بعض الاستثناءات، إن هي إلا سمة الهوية الثقافية لقرية «تدركلوت»، وما يميزها بحوض زيز الأعلى. لقد زرى عرف القرية على مجموعة من السلوكات التي ما فتئ النص الديني يكرهها، أو يحرمها في أسوأ الأحوال، ويمّم المراد نحو الانغلاق الثقافي والتحصين.
لا نعلم اليوم الذي استُطر فيه عرف قرية «تدركلوت»، وانتظم في وثيقتين قاومتا الدهر إلى حين تسليط الضوء عليهما من لدن الأستاذ علي بوشيعان، في ذلك اليوم الذي حُمل فيه على إنجاز بحث لنيل الإجازة في التاريخ، بمدينة فاس المغربية. هنالك ثبت أن الولي عبد المالك التدركلتي استقر بواد زيز، ولَجّ به الهم ليختار مجالا وظيفيا يحوي المحطب ومورد الماء، كما فعل العياشيون الذين أتوا بعده، أهل الزاوية العياشية. ويفيدنا الصديق رجب مشيشي أن الولي عبد المالك ينحدر من عبد السلام بن مشيش كان لثم ترب أحد المواضع الخصبة بواد زيز في حدود سنة 1478 ميلادية. وزودني الصديق رجب بوثيقة مخطوطة تعرب عن صحة انتساب الولي عبد المالك إلى المشيشيين. ومعنى ذلك، أن بناء قرية «تدركلوت» تزامن وعصر الدولة الوطاسية بالمغرب، وحصل قبل تشكيل اتحادية «أيت ياف المان» القبلية بجبال الأطلس الكبير الشرقي. ويبدو أن التوترات التي شهدتها المنطقة، ابتداء من نزول «بني أحسن» واحة «تيعلالين» الباردة، وصراعهم مع صنهاجة المحيط، كما زعم الحسن الوزان، أو مع زناتة كما زعم مارمول كاربخال، ومرورا بالصراع بين الزاوية الدلائية والدولة العلوية الناشئة، ثم الصراع بين «أيت حديدو ن زوليت» وأيت يزدك، بالكاف المعطشة، بواحة «تيعلالين»، ثم تمرُّد الشيخ إبراهيم يسمور اليزدكي، بالكاف المعطشة، كل ذلك أدى إلى تعميق وطر التحصين لدى سكان القرية والاستمرار في مواجهتهم الارتياب الكائن في الشرق والغرب. وبعبارة أخرى، علّمت المنعطفات التاريخية سكان قرية «تدركلوت» أن يتجردوا من طابع الحران في وسط ما انفك يستقبل وفودا بشرية في مسيرها من الجنوب إلى الشمال. ولمواجهة الثبور الوارد في كل حين وجب التحصين. هنالك اختير اسم القرية «تدركلوت»، وهي كلمة مركبة من ثلاثة أفعال، كلها أوامر بصيغة الأمر، بالأمازيغية: «أدَرْ»، «أكْل»، «أوتْ»، معناه طأ، طأ، اضرب. والتاء في أول الكلمة الأمازيغية تفيد التأنيث. فما معنى الكلمة المركبة «تدركلوت»؟
حينما يجري بناء الأسوار بالتابية، على الطريقة التقليدية السائدة بالجنوب المغربي، في الحال، وهي سمة البناء في مغرب ما قبل الاستعمار الفرنسي، يبدأ ماهن البناء «لمعلم» في تنصيب «التابية»، وهي قالب خشبي يتكون من جناحين «أفريون» بالأمازيغية، يربطهما جناح صغير عرضه يداني عرض الجدار المراد بناؤه. وقبل ذلك، يجري إعداد تراب مبلل، دام عليه البلل طيلة يومين كاملين. وفي المرحلة الأخيرة يحصل حشو القالب بالتراب ودكه بالمدك، «المركز» بالأمازيغية. ولضمان صلابة الجدران لترقى إلى مستوى التحصين المطلوب أُمر البناؤون، بموضع «تدركلوت» بالدك بقوة والوطء، وتكثيف الضرب بالمدك، فنشأ تركيب الكلمة الأمازيغية «تدركلوت».
وبموازاة تحصين القرية كان تحصين العرف، وإرساء نسق من القيم يدرأ القذر بجميع صيغه، كاللُّدّ في المشاجرة والمخاصمة، والفحش، وخرق عرف القرية ووحدتها السوسيومجالية، كما مقت عرف القرية كل خسيس متهاون في الحفاظ على كرامته ومروءته. وذرأ العرف، بموازاة ذلك، الفضاء المنكوس الخالي من الشوائب.
ليجري تمحيص عرف قرية «تدركلوت» وهو في وثيقتين إحداهما متممة للأخرى، وذلك لاستخلاص مواقف جديرة بالانتباه، مواقف متضمنة في العناصر التالية:
ـ يركز عرف قرية «تدركلوت»، في البدء، على الوئام بين أفراد القرية، ويُذعن كل فرد ليعنو لقيم العرف ومواده، بما هي ملزمة. ويبكت بجزاء «نصاف» وغرامة كل من حادى عن الطريق ونكّب. إنه نموذج لضمان السلم القبلي في مغرب ما قبل الاستعمار الفرنسي، فلا تخاصم ولا ضرب باليد أو بالسلاح أو بالرجل.
ـ شمل الجزاء، فوق ذلك، العنف الرمزي كرمي التفل على الشخص، ومد الأصبع الوسطى، وتدنيس العرض والإهانة بفاحش الكلام.
ـ تحصين المروءة والرجولة من العناصر الراسية في العرف، «فمن سمى أحد بتسمية المرأة» فعليه أن يدفع غرامة تداني مثقالين اثنين، أي: ما يداني ستين درهما مغربية، في الحال. ويجازي العرف أولئك الذين ورّبوا في الخلوة لممارسة المثلية الجنسية.
ـ تشديد العقوبة على سرقة البساتين ورشقها بالحجارة.
ـ قيم الوئام تسري على النساء. بيان ذلك، «إن تخاصمت النساء» فجزاؤهن «كمثل الرجال»، ويجري الجزاء على السرقة في الحقول. جمُلت الالتفاتة للنوع الاجتماعي في عرف القرية لولا أنه يجرس بالمرأة إذا ورّبت وازاورت، إن لم يأخذها، في هذه الحالة، أخذا وبيلا.
ـ تعد الغَرّة ظرف من ظروف التشديد في عرف قرية «تدركلوت»، كنحو غفلة النوم وغفلة غسو الليل. فمن «مد يده لأحد في النعاس بالسرقة أو بالفُحشة»، أي: ممارسة الجنس عليه (عليها) «فعليه خمسة مثاقيل»، بعملة المغرب قبل الاستعمار الفرنسي.
ـ تكييف العرف الدنيوي لخدمة التصوف الديني بعض أركانه. لذلك حدب إلى الوساطة وإصلاح ذات البين بين الأشخاص. وفي حال ما ورّب أحدهم ونقض الصلح، ودعا خصمه إلى الفلا، أو اقتفى أثره وتبعه إلى عقر داره، ينزل عليه جزاء مقدر بعشر مثاقيل.
ـ القرية والقبيلة والعرف كلٌّ مغلق محصن. فلا يجوز الاستنجاد بالأجنبي بأية صيغة. «فمن ذبح على البراني»، أي: الأجنبي «فعليه عشرة مثاقيل». فالاستعطاف بالجزور يفيد الخروج عن تحصين القبيلة، بما هي مؤسسة عرفية ذات سلطة رمزية.
ـ درء الاعتداء على الغير بأرجاس، كرمي جيفة قرب مسكن الغير، أو التبرز بباب داره، أو جلب الكلاب، عمل غير صالح. فمن يفعل ذلك يجازى بغرامة قدرها عشرة مثاقيل.
ـ الجماعة السلالية تشكيلة من أربعة أعضاء. كل عضو يمثل عشيرة تنحدر من قبيلة القرية. ينتخب الأعضاء السلاليون شيخا من بينهم. والتمثيلية العشائرية في حد ذاتها حقيقة واقعية قعساء. ومن يبتغي الانتماء لغير عشيرته يُجازى بغرامة عشرة مثاقيل، كالذي سرق في القبيلة وسفه الجماعة السلالية.
ـ ضمان السكينة ببساط القرية والاستقرار يفيد إعطاء المضمون الفعلي والواقعي لكلمة «تدركلوت». فلا يقبل إدخال «البراني» للقرية. ومن فعل، ونتج عن ذلك أن أحدث «البراني» خلافا بين أفراد القرية، فقد خصص له العرف جزاء خاصا، عشرة قناطير قمحا. فالفعل زيغ يضرب التحصين، ليس إلا، ويمس بسوء تماسك أفراد القرية.
ـ بذل الجهد للدفاع عن مصلحة القرية عمل حسن يُجزى به الفاعل. وفي حال ما إذا مس المدافع عن كرامة القرية قرح ما، فإن القبيلة تتحمل ذلك.
ـ نص عرف القرية على درء بيع الممتلكات للأجانب، حرصا على الانغلاق وحفاظا على الثروة بين أفراد القرية، كما لو كانوا عشيرة واحدة. وفي الإجراء ترسيخ وجيه للعلاقة بين الإنسان والأرض. كدأب جل قبائل جبال الأطلس الكبير الشرقي، التي تؤسس العلاقة من نوعها على الدم.
ـ وسع العرف بعض الحريات الشخصية، فلا يمكن للفرد أن يعاشر امرأة خارج مؤسسة الزواج. ونعت العرف المرأة التي تقبل أن تُضاجع خارج مؤسسة الزواج بأنها فاجرة، أي: قحبة بالمعنى الواضح للكلمة لدى المغاربة. وخص العرف الفاعل بجزاء يداني خمسة مثاقيل.
ـ حدد العرف المحلي ما يمكن نعته بالتقادم الجنائي. فكل تأخر في إخبار القبيلة بالمضارة التي حاقت به يلغي جدوى قضيته، ويفرغها من المضمون.
ـ يعطي العرف اللفيف العدلي، الشهادة المحبرة التي صدقها العدول شرعية وصدقا لا يقبل الخرق. وبالتالي لا يحق لفقهاء القرية القيام بمهمة التوثيق. ومن يفعل ذلك تجري مؤاخذته. فهل كان سكان القرية يتجهون نحو «مدغرة» للإشهاد أم يعرجون شمالا نحو الزاوية العياشية حيث يقيم القضاة؟
ـ ينظم عرف القرية خفر القوافل التجارية وحراسته واحترامها، أي: الزطاطة حسب التعبير المغربي أو «طاطا» بالأمازيغية. ويستفاد من ذلك انقطاع سكان القرية لتجارة القوافل، لقربها عن الطريق التجارية سجلماسة فاس.
ـ جاوز عرف القرية بين مرجعيتين الدينية والعرفية في تقديره للتحرش الجنسي، أو مواجهة المرأة بما فحش من الكلام. وفي هذه النازلة وجب على المرأة إثبات مضايقتها بشهادة شهود، حسب المرجعية الدينية، وإلا تحمل على إحضار من يؤدي القسم تصديقا لادعائها حسب العرف السائد في المنطقة.
ـ يشمل العرف اختصاصا مجاليا، من مدخل خوانق زيز بموضع قصر زعبل، إلى مدخل فج «تكندوزت»، بالكاف المعطشة. فمن زلّ من سكان القرية في ما وراء هذا المجال لا يلزمه العرف المحلي.
وختاما، يستفاد من تضمين فصل من فصول العرف القبلي لقبيلة أيت يزدك، بالكاف المعطشة، حول آداء اليمين بالأضرحة أن عرف قرية «تدركلوت» وضع في حدود منتصف القرن 19، أو تعرض للتعديل إثر استقرار قبيلة أيت يزدك، بالكاف المعطشة، بزيز العالي. وأما ما يثير الانتباه في عرف القرية تغافله عن تجديد المؤسسة العرفية، الجماعة السلالية، والإشارة بالاسم إلى العشائر الممثلة للقرية.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار