أولى خطوات تجديد الفكر الديني في الإسلام : كفى ترهيباً للخلائق من خالق إسمه الرحمان !

أحمد إدريس
2020 / 4 / 17

« لا أدري لماذا لا يطير العباد إلى ربِّهم على أجنحة من الشَّوْق بدل أنْ يُساقوا إليه بِسِياط من الرهبة ؟ إنَّ (…) البشر لن يجدوا أبرَّ بهم و لا أحنى عليهم من الله - عز و جل. » (محمد الغزالي، "جدِّد حياتك"، 1962)



رسالة المسلم الأساسية في الوجود هي تعريف و تحبيب الخالق إلى الخلق لا ترهيبهم دون كلل أو ملل من أهوال النار و عذاب القبر !

في البداية أؤكِّد أنه لا قيمة للعناوين، عندما تنمحي و تغيبُ المضامين : العناوين الدينية أقصد و التي لا اختيارَ إرادياً حقيقياً فيها لعباد الله، عَدا أفراد قِلة سمحت ظروفُهم بذلك و مِن هذه الأخيرة أنهم وُلدوا في بيئاتٍ تكفُل حرية الإعتقاد و تمنح للجميع إمكانِيةَ البحث الهادئ و الإطلاعِ و الدراسة الموضوعية لِكُل الفلسفات و العقائد، و لا تُكلَّف نفس إلاَّ وُسعها كما هو مقرَّر بهذه العبارة في كتاب الله.

أنا على يقين تام بأن الذين شرَّفوا إنسانِيَّتهم مِن أهل الخير أياً كانوا سيلقون جزاءً حسناً "يوم ينفع الصادقين صدقُهم" لأن رب العالَمين شفوق حليم عادل كريم شكور و مِن المحال أن يُضيع أجر المُحسنين. الخطأ قد يَصدُر بطبيعة الحال من أهل الخير و الإحسان، و رُبَّما يكون في مجال الإعتقاد و عُذر الجميع في ذلك أنَّ ملاك الوحي لم يتجلَّ لِكل إنسان لِيُخاطِبَه بِلُغتِه الأم، الخطأ الذي يَقعُ من هؤلاء سيُقابِلُه بالتأكيد عَفوُ الرحمان : "ليس عليكم جُناح فيما أخطأتم به و لكِن ما تعمَّدت قلوبُكم و كان الله غفوراً رحيماً" (قرآن). لا أتصوَّر على الإطلاق أن الله سيُؤاخذ فاعلاً للخير ـ ما زاره ملاك من السماء و لا تلقى خطاباً مباشراً من الله ـ لِمُجَرَّدِ أن مُعتقده بخصوص الله قد يكون غير مُوَفَّق…

نعم بعضُ فاعلي الخير و تاركي الشر أنكروا وجود الخالق و لَكِنْ ليس جحوداً مِنهم أو استِكباراً، و إنما لأسباب يَجِب التَّمَعُّن فيها مَلِياً و أخذُها على مَحْمَل الجِدِّ - على رأسِها حجمُ معاناة الكثير مِن المخلوقات آدمِيَّة كانت أم لا -، سَيُجادل هؤلاء عن أنفسِهم يوم يَمثُلون بين يدي هذا الخالق و سيحكم فيهم بِعدله و برحمتِه أيضاً : "يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها و تُوَفى كل نفسٍ ما عمِلت و هم لا يُظلمون" (قرآن). إذن كل إنسان سيُجادِل عن نفسِه بين يدَيْ الرب، و الظلم مُنعدِم تماماً في المحكمة الإلهية ؛ و لا جدوى مِن التباهي بالعناوين الدينية، لأن كُلَّ واحد مِنا سيُحاسَب على أفعاله و حسب. العِبرة عِند ذوي الرَّشاد بِزكاة القلب و حُسن الإرادة و شرف المبادئ و نُبل الغاية و صلاح العمل، الكافر هو مَن لا يسمع نِداءَ ضميره في غالِب الأحيان و قد يَصِلُ به الأمر إلى التَّجَرُّد مِن إنسانيته، و كلُّ ذلك في القرآن و لَكِنْ مَن يَتدبَّرُ بِعُمق و بِعقلٍ مُتحرِّر مِن وِصاية أيِّ مَخلوق هذا الكِتاب الفذ ؟

القرآن الكريم نَعَتَ مَن لا يَستحِق الجنة بأوصاف أذكرُ مِنها ما يلي : "منَّاع لِلخير"، "يَدُع اليتيم و لا يَحُض على طعام المِسكين"، "مُعتد أثيم". الكافِرُ المَلوم المَمْقوت في القرآن تِلْك بعضُ ميزاتِه و خِصاله، و في الأمة المُسماة إسلامية التي أنتسب إليها أُطلِقت هذه الصفة على جميع المُغايرين في المُعتقد بلا تمييز، أبراراً أكانوا أم أشراراً و بالتالي ساوينا بَيْنَ الخبيث و الطَّيِّب. و القرآن يُعلِن : "لا يستوي الخبيث و الطَّيب". و هو يَعِدُ أهل البِر و الإحسان، كُلَّهم دون استثناء، بالإحسان من إِلَهٍ لا يظلم أحداً : "هل جزاء الإِحسان إلاَّ الإحسان ؟". هذا كلام من سَمَّى نفسَه الرحمان ـ و هي إحدى دُرَر سورة الرحمان ! فالذي بِكُلِّ ما في وُسعِه يَجْتنبُ السوء و يسعى للخير، مِن إلهٍ عادِلٍ سمَّى نفسه بالشكور كيف لا يلقى الخير ؟ و الذي يرحم من في الأرض، كيف لا يرحمه من في السماء ؟

نحن أمة رسولُها وُصف بأنه بُعث رحمة للخلق كافة و مع ذلك ما تَوَرَّع العديد من مرشدينا الدينيين عن فعل شيء لا أجد له وَصفاً في كل القواميس : لقد لقَّنونا و غرسوا في أذهانِنا أنَّ الخيرَ الذي يفعله في هذه الدنيا غيرُنا - و لو كان إيجادَ علاج لِداءٍ فتَّاك أو مشروعاً ما ينفعُ خَلْقاً كثيراً، و لو كان إطعامَ سُكانِ قارَّةٍ بكاملها أو حتى إنقاذَ كافة الكائنات - لن يُجديهم شيئاً في الآخرة فهُوَ حَسَب زعمِهم لا قيمة له في ميزان ربِّنا. أهذه هي البشارة الكبرى التي جاء بها للأنام خيرُ الأنام مِن عِند واجِب الوجود و واهِب الحياة ؟ ثُم تجدهم بعد ذلك في غاية الحسرة و الألم لأنَّ أغلب مُوَاطني العالَم لم يفهموا و لم يكتشفوا حتى الآن أن سعادة الدنيا و الآخرة لن ينالَها إلاَّ مَن إعتنق هذا الهبل… هذه مِن ضِمن الأفكار و التصورات التي نتوارثها على مَرِّ الأجيال و التي يستحيل أن يقوم عليها مجتمع سوي.

وجيه و ذو كرامةٍ عند الله كلُّ إنسان يسعى للخير. و لا ضَيْر إن لم يُكتب له الظَّفَر لحظة مجيئه إلى هذه الدنيا بعنواننا الديني - الذي وُلدنا عليه و لكِنْ قليلون مِنَّا مَن يرتقون إلى مُستوى معناه و مُحتواه… المجرم الشِّرير الذي قد يكون شيخاً مُعمَّماً هو آخِر مَن يستحق تسمِيَّة مسلم. و هو مَن يقول - إن مات على هذه الحال - غداً يوم القيامة : "يا لَيتني كُنْتُ تُراباً" (قرآن). الله، الذي خلق الناس لِيَبلُوَهُم أيُّهم أحْسَنُ عملاً، قال : "أفنجعل المسلمين كالمجرمين ؟ ما لَكُم كيف تحكمون ؟". هذا ما يُقرِّرُه القرآن الكريم.

و إنَّ في الظاهرة الطبية المعروفة اليوم تحت إسم تجربة الإقتراب من الموت ـ لا حصر للدراسات و الأبحاث حولها - لَذِكرى لِمَن فتح لها بابَ عقلِه و أصغى لِلذين عاشوها هنا و هناك بِسَمْع القلب. لِيَعلمْ المُوشك على مفارقة الحياة الدنيا أنه لن يَجِد في انتظارِه وحشاً رهيباً سادِياً عديم الإحساس، و لكِنْ رباً مُتفهِّماً قد سبق حِلْمُه غضبَه كما أخبر هادي الإنسانية، أمَّا ما ورد في القرآن مِن وعيدٍ شديد بنارٍ حامية، فإن الغاية مِنه ردعُ العُتاة و إيقاظُ القلوب النائمة، و ليس أنْ يُزرَع في أذهانِنا أنَّ إلهنا أقسى مِن كبار جلادي الإنسانية، لأن العُقوبة في الدار الآخرة هي لِلَّذي يَستحِقُّها فِعلاً و لا أرى أنَّها تتعارض مع رحمة الخالق.

فالرحمة الربانية التي وَسِعت كلَّ شيء، كما ذكر القرآن، ستشمل بِطريقةٍ أو بأخرى جميعَ الخلق. تأكيداً لِهذه الرُّؤية نَجِد أنَّ القرآن، في مَعْرِض الحديث عن الرجوع الحتمي إلى الخالق، يُؤكِّد أنَّنا جميعاً سَنُلاقي الرَّحمان : "إن كُلُّ من في السَّماواتِ و الأرض إِلاَّ آتِي الرَّحمان عبداً". لقد وجدتُ في تجارِب الإقتراب مِن الموت التي عاشها خَلْقٌ كثيرون مِن مُختلف الأجناس و الثقافات - بدأ الحديث عنها مُنذ عقود و إنَّ فيها لآية لأولي العقول - خيرَ مُؤكِّدٍ لِما يَعِدُ به هذا الكلامُ الرباني و مُحفِّزاً لإعتماد خِطابٍ ديني أكثر سماحة و رأفة و إنسانية. لِذا أنصحُ بالإطلاع الجاد على هذا الموضوع المثير و الهام للغاية، الذي ما زال عندنا مُحاطاً - إلى حد ما - بجدار سميك من الصَّمت، لِكَي نظل في هلعٍ و خوف و جزعٍ من عذاب القبر إلى يوم القيامة !

و الحق أن الواقع أثبت فشل كُلِّ محاولاتِ سَوْقِ العباد إلى ربِّهم و بارِئهم بهذا الأسلوب، بالترهيب منه بَدَلَ التشويق إليه، و خطابُ التخويف مِمَّا سَيَعْقُبُ موت الجسد فقد فاعِلِيَّته و قدرته على التأثير في النفوس. إنَّ الموت ما هو إلاَّ ولادة جديدة و لَكِنْ في عالَم الروح و انتِقالٌ إلى مرحلةٍ تالِيةٍ في سِياقِ وجودٍ لامُنقطع مُنتهاهُ عند الله. الله الذي مِن دون أدنى شك و بالتأكيد هو أرحمُ بكثير مِما يتصوَّر المؤمنون…

أهل الإحسان و الإرادة الخَيِّرة الطيِّبة و الساعون للإصلاح في الأرض لا خوف عليهم البتَّة عند الله، يوم يقِفُ الجميع بين يديه فينفعُ الصادقين صِدْقُهم، مِن بين هؤلاء أناس نُسمِّيهم بمنتهى الوقاحة "كفاراً" و نَحْن دونهم وعياً و خدمة للغير و استقامة، و يَمحقُ الكاذبين كِذْبُهم أياً كان في هذه الحياة مقامُهم، حتى لو كانوا فيها مُبجَّلين كرجال دين و ربما أدعياء وصاية خاصة على ضمائر العباد بإسم الله. هذا ما علَّمتنيه الحياة و مُعايشة البشر و أمَّا مَن أحسبُه مُخطئاً في مسألة الإعتقاد و إن أنكر وجود خالق للكون، فأنا لا أُعطي لِنفسي الحق في أن أحكُمَ عليه و أقول له أنت كافر و مصيرُك جهنم، بل أترك ذلك للذي يعلم بواطن العباد و نواياهم و بَواعِثَهم الحقيقية، عِلماً أنَّ مِن أعظم و أخطر أسباب هجر و تطليق ناس كثيرين للدين الدجالون مِمَّن نصَّبوا أنفسَهم وكلاء عن خالق هذا الكون.

التديُّن الزائف المغشوش أضر بالبلاد و العباد مِن عدم الإنتماء الإسمي لأي دين. و ما أكثر غير المُلتزِمين بالمراسم و الطقوس و الشعائر الدينية، مَن وجدناهم أزكى مسلكاً مِن أُناس هم في الظاهر شديدو التديُّن. المُتديِّن الحق لا يمكن إلاَّ أن يسعى في هذه الحياة ليكون رحمة للعالَمين : حتى المخلوقات الغير آدمية - حيوانات و جمادات - تطالُها و تشملها هذه الرحمة !



« لقد طرأ على المسلمين كثير من الدَّخن ذهب بجمال دينهم و طمس معالم الإنسانية فيهم، فنريد أن نُصفِّي أذهاننا من الغَبَش و نُطارد القسوة من قلوبنا ؛ لِنَعلم، وَفق تعاليم ديننا الأصيلة، أن لليد الممدودة قوة كبرى - و رُبَّ ابتسامة أقوى من السلاح -، و أن ما يجمع البشر أكثر مِمَّا يفرِّقهم لأن الذي يُحاسبهم على عقائدهم - صحيحة أو فاسدة - هو الله تعالى يوم القيامة ؛ و (…) نُشعرَ الآخَر أننا نُحِس بفرحه و حزنه، نُحِب له ما نُحِب لأنفسنا، نحن و إياه في مركب واحد هو مركب الحياة الدنيا، يُمكن أن نقطع الرحلة معاً. » (عبد العزيز كحيل، "إنسانية المسلم" - مقال على الإنترنت -، 2017)

« إذا لم تَكُن، أيها المسلم، في قلبك و فكرك و عملك، رحمة للعالَمين، فأنت على طريق غير طريق رسولك محمد - صلَّى الله عليه و سلَّم -، فقد قال له ربه الذي أرسله : "و ما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالَمين". » (عصام العطار)

« الرحمة كلمة صغيرة، و لكِنْ بين لفظها و معناها من الفرق، مثل ما بين الشمس في منظرها و الشمسِ في حقيقتها. لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع و لا مغبون و لا مهضوم، و لأقفرت الجُفون من المدامع و اطمأنت الجُنوب في المضاجع، و لَمَحَتْ الرحمةُ الشقاء مِن المجتمع كما يمحو لسان الصبح مِدادَ الظلام. (…) أيها السعداء أحسِنوا إلى البائسين و الفقراء، و امسَحوا دموع الأشقياء، و ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء. » (مصطفى لطفي المنفلوطي، "التراحم"، 1907)