عقيل يختار الجسر*

ملهم الملائكة
2020 / 4 / 16

لم يختر عقيل الأزيرق سحنته السمراء التي آلت إليه من أسلافه الزنجباريين الذين وصولا البصرة من عهود قديمة، ولم يختر صوته الأجش الجهور الذي ما أنفك يحاول أن يلطّف غلظته بالكلام همساً دون جدوى، ولم يختر قامته الفارعة وهي تميّزه عن كل جمع ينضوّ إليه، ولم يختر أمّه وأباه وأشقاءه وشقيقاته، كما لم يختر زوجته المتحدرة من نفس سلالته الزنجبارية التي نزحت من البصرة إلى السهل الرسوبي السومري في جنوب العراق (فقد تحددت زيجته سلفاً بموجب انتمائه العرقي والعشائري والاجتماعي)، وهكذا وجد نفسه أباً لثلاث لآلئ سود تزاحم ضوضاؤهن محاولات الهدوء والتأمل التي يحاول أن يحرزها في بيته المكتظ بالساكنين.
كبر عقيل الأزيرق وكبرت همومه واتسعت مساحة تأملاته فشرع يراجع تاريخه واختياراته وهو يحاول أن يرسمها وفقاً لقناعاته، وكلما طرق باباً وجده موصداً، إذ ليس بيده أن يغير سحنته السمراء الداكنة، وما كان يستطيع أن يقصّر قامته، أما تاريخه فيلازمه كظلٍ ثقيلٍ لا فكاك منه، والحال نفسه مع زوجته السمراء القصيرة وأمه وبيته. صار الاختيار هاجساً يقلق حياته ويربك مسارها، صار همّا ملازماً يعذب نهاراته وتوقاً مزمناً يؤرق لياليه.
ذات صباح ربيعي بغدادي ساخن، أفاق ليجد الحريق يجتاح مدينة الفقراء ذات الاسم الحائر في ضاحية بغداد الجنوبية الشرقية، الناس في الشوارع يرفعون البيارق والرايات والبنادق والسكاكين، لقد قرروا أن الوقت قد حان ليعقدوا اختيارهم، باب الاختيار الموصد الذي طالما قرعه ليجيبه الصدى والرنين الفارغ، انفتح فجأة أمام صوت الجموع الهادرة راكضة في أزقة المدينة الفقيرة وشوارعها، انفتح لعقيل وهو لا يدري كيف يختار، يضع قدماً خارج البيت (باب البيت دون مستوى الزقاق) فتظل قامته المديدة معلقة بين الخارج والداخل (إنما يخيّر نفسه بين أن يخرج وأن لا يخرج)، ليس سهلاً أن تلغي كل حياتك في لحظة واحدة.
الباب موارب وهو موجة حائرة لا قرارة لها، تعبره الجموع وهي تهدر، مئات البيارق السود والحمر والخضر والسيوف والبنادق تركض فوق رؤوس الحشود في شوارع وأزقة المدينة وهو باقٍ دون بيرق أو سيف أو قرار.
وأخيراً وجد القرار، فحمل بيرقاً أسود وسيفاً ورثه عن جده، وخرج يعدو كما لم يعدُ من قبل.
اختيار عقيل لم يرق للسلطة فأطلقت عليه وعلى الحشد المختار النيران، وتفرّق الناس في كل اتجاه، كلٌّ يركض باتجاه يرى فيه الخلاص، وركض عقيل جنوباً، ما برح يعدو أياماً وليال حتى وصل أرض أجداده، الماء والبردي والمشاحيف في كل مكان، جنةٌ من قصب يغفو فيها الهور هادئاً ليلتفّ على أسرار وغوامض تمتد لقرون سحيقة خلت.
امتدت به الأيام وهو يمخر الماء في زورق نحيف مثل قصبة، زاده السمك والطيور والخبز والحليب وزوادته بندقية هرمة باعها له عمه الساكن على أطراف الماء. لا يزور أقاربه إلا ليلاً. الجواسيس في كل مكان وللسلطة عيون تتكاثر وتزداد بتفاقم الفقر والحاجة والعوز. صارت الأيام أشهراً وامتدت الشهور أعواماً، وعقيل راضٍ باختياره، وحيداً يلتحف السماء ويتسد البردي.
ضاقت السلطة به وبالرافضين معه ذرعاً فأرسلت طائراتها تحرق الهور بالنابالم، ولم يبق أمامه سوى اختيارات ثلاث، أن يبق في زورقه فيحترق مع القصب والبردي، أو أن يسلّم نفسه للسلطة فيلغي اختياره ويعترف بفشل لا يقره، أو أن يرحل شرقاً ليخرج إلى الأبد عن قبضة السلطة وعن ربيع العائلة والقبيلة.
الوقت حصار والهور الشاسع يضيق ليصير جدولاً من لهيب، الوقت سجن يحدد اختياره بالدقائق، الوقت حاجز تفتيش، مشنقة، منطقة محرمة، أرض محروقة، الوقت يحاصره والنار، والسلطة تطارده كفريسة يتيمة تائهة. تغرب الشمس وتبقى الحرائق تضيء المياه، والأسماك المسكينة تطفو ميتة فوق الماء، ومن عجب أن الماء لا يطفئ حرائق النابالم! الماء يشتعل وعقيل يريد أن يقرر.
في الصباح يعبر الحدود إلى بلدٍ يأمل أن لا يصادر قراره ولا يلغي اختياره، يودع شمس وادي الرافدين، يودع التاريخ ويودع قمم كردستان وممالح الفاو ورمال الناصرية وضفاف دجلة في سامراء التي تذهب لذراع دجلة، وفي بغداد التي تطبق عليها مثل شفتين مضمومتين على قبلة، يعبر الحدود إلى وطن مقترح.
في باحة مرقد السيدة معصومة يجلس قريباً إلى السماء، بعيداً عن الدنيا، قريباً إلى نفسه، تعانق روحه رخام الضريح البارد فيجد علياً يبتسم له والبيرق الأسود والبندقية الهرمة والماء المحترق، يجد اختياره يرقد هادئاً خلف شباك الضريح الغارق بالنور الأخضر. يفرح عقيل في قرارته إذ استطاع أن يتحدى تاريخه الذي لم يختره.
كل أقرانه وأصدقائه هنا رجال قرارات صعبة، الكل مختار والكل عاشق والكل سعيد يمسّد برفق تاريخه وماضيه ليخط بيراعه شكل غده. الكل يلتمس أبوب السماء ويخال طعم الغيث فيها بطعم القصائد ورحيق جنتها مثل شهد يعبق بعطر القداح والطلع والحنطة.
في نفس المكان يجلس عقيل بعد أعوام، يعود ليمسك بالحبل الممدود من السماء إلى الأرض، يعود ليجالس ساكن المرقد، هذه المرة القرار ليس بيده، هذه المرة سيرتبط جزء من نفسه مباشرة بالسماء، إذ أن بضعة منه تكاد أن تلج الحياة، فامرأته التي اختارها ملء إرادته دون التفات للحدود الاجتماعية والعرقية والعشائرية التي كانت تأسره في بلده البعيد القريب تضع مولودها الأول، وعقيل يغرق في أزمة الولادة الجديدة (هل سيكون الوليد لؤلؤة سوداء، هذا محتمل لكنه غير أكيد فالأم الجديدة بيضاء مثل الثلج).
هل يكون المولود ذكراً؟ كم يشتهي أن تهبه السماء ولداً. يمسك بالشباك المذهّب والناس يتزاحمون حوله ويتدافعون بالمناكب، يغمض عينيه (لا يدري لماذا يغمض عينيه كلما أمسك بالشباك) ويقول في نفسه "يا سيدتي هبيني ولدأً فاسميه رضا، يا سيدتي يسّري لامرأتي ولادتها، يا سيدتي اخترتكِ عنوان غربتي، فكوني لي أهلاً ووطناً".
طلعت شمس الصباح لتستحم بها المدينة بكسل، الدكاكين تتثاءب وهي تفتح أبوابها، الشوارع تنفض ندى الليل عن أسفلتها، الشجر يفارق الليل باكياً والدمع ندى. وعقيل ينتظر صابراً مثل أرض صادية تنتظر أول طل الخريف. هو لا يفكر في أزمته المالية الحادة ولا بالبطالة المفاجئة التي حلّت به في هذا الوقت العصيب، ولا بإيجار المسكن الذي ينبغي أن يسدده بعد أسبوع ولا باحتمالات انهيار السلطة في بلده البعيد الذي يحب. لا يدخل كل ذا وذاك ضمن همومه الآن، ما يهمه فعلاً هو أن يسمع جواب السماء للنداء الذي وجهه إليها من حرم معصومة في هدأة الليل.
الآخرون إذ يتذكرون الغيب يسرفون في تبسيطه فيصير شيخاً طيباً عاجزاً أليفاً لا يقوى إلا على الفقراء والضعفاء، الله عندهم رب العجائز واليتامى، أو أنهم يهوّلونه فيجعلون منه سلطاناً جباراً متغطرساً طاغياً لا يقارن به الطغاة والعتاة والجبابة، الله عندهم ربّ الأقوياء. وكل هذا لا يروق لعقيل، فالغيب في كل مكان وفي كل كائن ولكل مخلوق ومع كل انسان، الله الذي يعرفه يعتني بالصخور المهملة الوحيدة في أعالي الجبال، ويعتني بالنمس والحشرات الضعيفة البسيطة وبالأشجار العطشى في الصحارى والفيافي وبالمحار الساكن في أعماق البحار وبالسمك الصغير الدقيق الأعمى الراقد في قعر الأوقيانوسات وبالماء البسيط الذي يجري في كل مكان تكون فيه الحياة، فإذا انقطع جريانه تجود به السماء. الله يعتني بالمنسيين من الناس في الملاجئ والمشافي والسجون، الله محبة وحنان ووداد ووفاء وكرم وعطاء غير مردود، تماماً مثل الأمهات المحبات ( ألم تره يخصهنّ بالجنة؟)، ولأنه واثق بوجوده، مطمئن لجوده فقد وفى نذره واسمى ابنته الرقيقة الناعمة (رضيّة)، وابنته بيضاء مثل ثلوج القمم وعيناها لازورديتان وفمها صغير كفستقة.
بعد شهرين، جاء بها وبأمها إلى مرقد سيدة الغرباء، غرباء ثلاثة يوحدهم الشباك المقدس في عناق إنساني سماوي يضمّ بضعاً من الأرض وبضعاً من السماء، والحبل الرابط بينهما قد استكان هادئاً كجسر من نور يصل الأرض بالسماء ليعبر عليه العاشقون.
حزيران 2002
*هذه قصة ثائر اسمه أبو حوراء المذخوري، أحد المشاركين في انتفاضة عام 1991 في العراق وقد روى لي التفاصيل وطلب أن أكتبها في قصة، فكتبتها له وحاولت أن أجعلها تشف عن كوامن نفسه.