كورونا وازمة النص التشريعي

سالم روضان الموسوي
2020 / 4 / 15

كورونا وأزمة النص التشريعي
إن جائحة كورنا التي باغتت العالم بكل أصنافه ومسمياته لم يكن احد قد تحسب لها ووضع لها ما يمكن لصدها أو التقليل من مخاطرها سواء في المجال الصحي أو في غيره، وفي مجال القانون والتشريع كشفت لنا تلك الجائحة العوز في التشريعات التي تعالج الأوضاع القانونية التي فرضتها على المجتمعات، ولم يقف ذلك العوز عند القانون الوطني بل حتى على مستوى القانون الدولي والمعاهدات والاتفاقيات الدولية وخير مثال على ذلك أزمة الاتحاد الأوربي وعجز الاتفاقيات المنبثقة منه عن معالجة أثارها التي اشتد بأسها على بعض الدول مثل ايطاليا واسبانيا وغيرها، أما على مستوى المنظومة التشريعية في العراق فقد كشفت لنا عن نقص شديد في التشريع والقواعد التي تنظم العلاقات القانونية وفي كل مجالات القانون تقريباً، فإنها بينت عجز التشريع عن كيفية معالجة حظر التجوال وأثاره على قواعد المرافعات في المحاكم، كما بينت عجز التشريع عن معالجة آليات انعقاد المؤسسات التشريعية والية التصويت مثل مجلس النواب ، وفي مواضيع أخرى سأعرض لبعضها على وفق الآتي :
1. قواعد المرافعات في الدعاوى المدنية : إن تلك الجائحة لم تمكن المشرع العراقي من أن يلمم أوراقه ويصدر قانون ينظم حالة الحظر الصحي وضرورة التباعد الاجتماعي ومنها منع التجمع في المحاكم، مما أدى إلى توقف حركة النقل وعدم تمكن أطراف الدعاوى من الوصول إلى المحاكم كما أثرت على أجراء التبليغات القانونية، وحالت دون وصول أصحاب الطعون إلى المحاكم لتقديم طعونهم ضمن المدة القانونية، وهذه الأوضاع لم يلتفت إليها القانون، لان ما متوفر يعالج حالات قطع المرافعة ووقف المدد وليس منها أثار تلك الجائحة، مما دعا مجلس القضاء الأعلى إلى الاجتهاد بإصدار بيان لوقف المدد حفاظاً على حقوق المتقاضين وحسناً فعل ذلك، لان السلطة التشريعية في العراق تتبع إجراءات طويلة الأمد لإصدار تشريع يعالج الأوضاع فضلاً عن معاناتها هي أيضاً من عدم قدرتها على الاجتماع والتصويت، وهو ما كان قد فعله المجلس ذاته في عام 2003 عندما اصدر بيان اعتبر فيه الفترة من تاريخ بدء العمليات العسكرية لقوات الاحتلال ولغاية انتهائها بمثابة وقف للمدد لضمان الحقوق، وذلك لعدم وجود سلطة تشريعية قائمة في حينه، باستثناء فترة الحرب التي جرت في عام 1991 فعندما بدأت العمليات الحربية اصدر مجلس قيادة الثورة المنحل في حينه قرار بالعدد 48 لسنة 1991 الذي جاء فيه الآتي (أولا- يوقف سريان جميع المدد القانونية بما فيها المدد المتعلقة بالطعون في الأحكام والقرارات المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 (المعدل) وقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 (المعدل) أو في قانون أو نص آخر اعتبارا من تاريخ بدء العدوان الأمريكي الصهيوني على العراق في 17/1/1991 . ثانيا- يخول وزير العدل إصدار بيان بإنهاء العمل بالأحكام المنصوص عليها في الفقرة (أولا) من هذا القرار ويحدد فيه تاريخ استئناف سريان المدد القانونية عند زوال الظروف الموجبة . ثالثا- ينفذ هذا القرار اعتبارا من تاريخ 17/1/1991).
2. قواعد وإجراءات التحقيق والمحاكمة : لاحظنا إن تلك الجائحة قد أثارت الخوف من تفشيها في صفوف الموقوفين والمحكومين المودعين في السجون والاصلاحيات ومراكز الشرطة، مما دعا القضاء العراقي إلى تفعيل إخلاء سبيل المتهمين الموقفين بكفالة أو بتعهد شخصي في التهم التي يجوز فيها إخلاء السبيل بكفالة ، وأصبح ذلك الأصل والتوقيف هو الاستثناء على خلاف ما كان عليه الوضع قبل حدوث تلك الجائحة، كما تم تفعيل آلية الإفراج الشرطي للمحكومين، فضلاً عن سعي السلطة التنفيذية إلى إصدار عفو خاص للمحكومين عن بعض الجرائم، وهذا المسعى المشترك بين السلطات الثلاث أدى إلى تقليل عدد الموقوفين والمحكومين في السجون والمواقف، ومع ذلك لم يؤثر على الأمن الاجتماعي ولم يحصل أي خلل في منظومته الاجتماعية ، فكان لهذه الجائحة الفضل في كشف تصور غير صحيح بإن التوقيف يعزز من حماية المجتمع، وإنما أصبح عبء على الدولة والمجتمع فضلاً عن أثاره السلبية الأخرى لذلك اقترح الاستفادة من أثار تلك الأزمة الصحية الوبائية والعمل على تغيير وتعديل قواعد التحقيق والمحاكمة ومنها على سبيل المثال تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 79 لسنة 1971 المعدل بحيث لا يجوز توقيف أي متهم في مرحلة التحقيق والمحاكمة، وإنما يبقى حر طليق لحين الحكم بإدانته من قبل محكمة الموضوع المختصة، ويكون له مطلق الحرية في متابعة الشكوى المقدمة ضده وهذا يوفر لنا أمور كثيرة منها حقه في الدفاع الذي اعتبره الدستور حق مقدس على وفق أحكام المادة (19/رابعا) من الدستور النافذ، كما انه سيتمكن من البحث عن أدلة البراءة بحرية اكبر ، وفي حال عدم امتثاله لقرارات القاضي باستقدامه للتحقيق يكون لقاضي سلطة احضاره جبراً مثلما يحصل في قانون التنفيذ وبعد احضاره وتدوين إفادته يخلى سبيله، وهذا يبعد عنه شبح الابتزاز من بعض ضعاف النفوس ويقطع دابر الرشوة والفساد وان كان نسبياً، ويقلل من نفقات الدولة لان كل موقوف أو محكوم تنفق عليه الدولة في المأكل وبعض بدلات السجن والطبابة وغيرها وكهرباء وماء وتبريد وهذه تشكل قيمة مالية كبيرة في الميزانية العامة للدولة وبالإمكان معرفة مقدار التخصيصات من خلال المبالغ التي تدفع إلى المتعهدين في التغذية وستجد إنها مبالغ خيالية، وبذلك سنقلل تلك الكلف إلى الحد الذي يظهر أثره الايجابي على الموزانة العامة وفوائد أخرى كثيرة، على ان يستثنى من ذلك بعض الجرائم ذات الخطر الجسيم على المجتمع مثل الجرائم الإرهابية وجرائم القتل والخطف وجرائم الفساد والاعتداء على المال العام، ويذكر إن المنظومة التشريعية العراقية فيها مثل هذا التشريع والمتمثل بقرار مجلس قيادة الثرة المنحل رقم 101 لسنة 1999 الذي يمنع توقيف المرأة في الجرائم العمدية سواء في مرحلة التحقيق أو المحاكمة وعلى وفق النص الآتي (أولا - لا يجوز توقيف المرأة المتهمة بجريمة غير عمدية خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة حتى صدور قرار او حكم فاصل في الدعوى. ثانيا -لا تعد حالة رقود المجنى عليه في المستشفى أو وفاته بسبب جريمة غير عمدية مانعاً يحول دون إطلاق سراح المتهم في تلك الجريمة بكفالة في مرحلتي التحقيق والمحاكمة حتى صدور قرار أو حكم فاصل في الدعوى)، كذلك في موضوع استجواب المتهم أو الشاهد عن بعد سواء في مرحلة التحقيق أو المحاكمة، لابد من تعديل النصوص لمواكبة التطور التقني في مجال استخدام الدوائر التلفزيونية، وفي القانون العراقي يوجد نص مماثل ورد في أمر سلطة الائتلاف المنحلة العدد 13 لسنة 2004 الذي شكلت بموجبه المحكمة الجنائية المركزية ومازال ساري المفعول وتعمل به المحاكم الجنائية المركزية في العراق وقد ورد هذا النص في الفقرة (6) من المادة (10) من الأمر أعلاه التي جاء فيها الآتي (يجوز للمحكمة الجنائية المركزية ان تتلقى شهادة شاهد غير موجود في العراق عن طريق وسائل الاتصال المسموعة والمرئية أو تكنولوجيا الاتصالات المماثلة)
3. القواعد القانونية الموضوعية: ويقصد بها القواعد القانونية التي تنظم المعاملات بين الأفراد أو بين الدولة والأفراد في مجال العقود ، لان ما موجود من نصوص في القانون المدني العراقي أو غيره تكاد لا تغطي الحاجة الملحة لمعالجة أثار تلك الجائحة، مما دعا مجلس الوزراء إلى إصدار قرار بوقف المدد في العقود، وقد ثار جدل قانوني عن مدى مشروعية هذا القرار وهل يسري على القطاع الخاص أم يقف عند العقود الحكومية، لذلك لابد من إعادة النظر في تلك النصوص بما ينسجم والتطور القانوني في مجال العقود.
4. على مستوى عمل السلطة التشريعية فإنها عجزت عن إيجاد سند قانوني يتيح لها عقد جلسات التصويت عن بعد وعبر دوائر تلفزيونية مغلقة أو عامة، لذلك لابد من تعديل النصوص القائمة حتى نتجاوز تلك الأزمة الوبائية وبدون تعطيل لعمل أهم مؤسسة من المؤسسات الدستورية.وأوضاع قانونية أخرى تأثرت بتلك الجائحة وقف التشريع عاجز عن إيجاد الحل والمعالجة، مما اضطر القائمين على شؤون البلاد إلى الاجتهاد لإيجاد السبيل لمعالجته.
لذلك أصبح من الضروري أن تشكل لجنة من ذوي الاختصاص في السلطات الثلاث لدراسة تلك الآثار والبحث عن وسائل قانونية تعالجها وتعالج عقابيلها وكذلك التحسب لها إن حصلت مستقبلاً لا قدر الله.
القاضي