حضور بن رشد في تاريخ كل الأديان

رابح لونيسي
2020 / 4 / 15


يعتقد البعض أن الصراع بين النصيين والتأويليين موجودة في تاريخ الإسلام فقط، لكن في الحقيقة عرفت، وتعرف ذلك كل الأديان عبر تاريخها وتطورها، ومنها المسيحية واليهودية. نقصد بالنصيين الداعين إلى التطبيق والإلتزام الحرفي بالنص الديني، أما التأويليين فهم القائمون بتأويل النصوص الدينية حسب الظروف وجعلها تتماشى مع العصر وتتوافق مع العقل.
فإن كان مثلا الفيلسوف بن رشد معروف بمحاولته إيجاد توافق بين العقل والشريعة الإسلامية من خلال كتابه الشهير في ذلك، فإن اليهودية عرفت مثل بن رشد يتمثل في فيلو الأسكندراني الذي عاصر فترة ظهور المسيح، كما عرفت المسيحية شخصية أوريجين في القرن الثالث الميلادي، والذي تحول إلى التأويل وإيجاد تفسيرات توافق العقل لنصوص الأنجيل بعد ما كان من أشد النصيين لدرجة خصي نفسه إلا لأنه قرأ في أنجيل متى "أنه يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات، فمن أستطاع أن يتبتل فليفعل"، وأنحدرت من أوريجين كل من الآريوسية نسبة لتلميذه آريوس في الأسكندرية والنسطورية نسبة أيضا لتلميذه نسطور في سوريا، وكان سبب صراع تلميذيه آريويس ونسطور سياسي أكثر مما هو ديني، فهي الظاهرة التي نجدها دائما لدى تلامذة أي مفكر كبير إما بسبب تأويل فكره أو لأسباب نفسية أو صراعات سياسية، فمثلا الكثير من التيارات المتناقضة والمتصارعة قد أنبثقت عن تلامذة محمد عبده في مصر، فنجد مثلا لطفي السيد وسعد زغلول اللبيراليين كما نجد رشيد رضا الذي يعتبره البعض ممهد لظهور التيار الديني المتشدد في مصر فيما بعد.
فقد تعرض التأويليون والساعون إلى التوفيق بين العقل والدين إلى هجمات النصيين الملتزمين بالنص الحرفي للنص الديني، فكما أحرقت كتب بن رشد في الأندلس تعرض أتباع فيلو في تاريخ اليهودية وأوريجين في تاريخ المسيحية إلى نفس الأمر تقريبا، فقد كانت الفلسفة والتفكير دائما محل هجوم النصيين سواء بتكفيرهم أو إتهامهم بالأخذ من الفلاسفة الإغريق الوثنيين في نظرهم، كما يتم إتهام الوهابية والسلفية اليوم كل من يوظف العقل والتأويل التنويري للنصوص الدينية بأنهم كفار أو تغريبيين على أقل تقدير.
هذا ما يجرنا إلى الحديث عن الإنتقال الجوهري الذي حدث في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر مباشرة بعد إصطدام المسلمين مع الحضارة الأوروبية بعد حملة نابليون بونابرت على مصر في 1798 أين أكتشف المسلمون مدى تخلفهم مقارنة بأوروبا، ومنها فرنسا النابليونية التي جاءت إلى مصر بأسلحة جد متطورة لدرجة إعتقاد بعض المصريين أنهم من الجن حسب رواية الجبرتي الذي عاصر تلك الحملة، فقد أحدثت هذه الصدمة نوعا من نهضة وطرح سؤال: لما تخلف المسلمون وتقدمت اوروبا؟، وما هو السبيل إلى التقدم والخروج من التخلف؟.
أعادنا هذا السؤال إلى نفس صراع الإلتزام بالنص حرفيا أو التأويل والتوفيق بين العقل والنص الديني الذي طرحه بن رشد منذ قرون، لكن طرحت القضية هذه المرة بأسلوب آخر، فبدل البحث عن التوفيق بين الدين والعقل تم الإنتقال إلى التوفيق بين الدين وأوروبا بصفتها قمة التقدم والعقلانية التي أخذت جزء منها من كتب بن رشد التي تم تهريبها إلى فرنسا.
يرى النصيون الملتزمون حرفيا بالنص أن سبب تخلف المسلمين هو ما يعتبرونه إنحراف وتخل عن الإسلام، وأن الحل في نظرهم يكمن في العودة إليه كما كان السلف الصالح، ومن هنا تغيرت فكرة الإلتزام بالنص الديني بفكرة الإلتزام بما كان يقوم به السلف الصالح الذي كان يعيش عصرا ليس عصرنا، فمن هنا ظهرت السلفية والوهابية، ونجد طرح آخر يقول أن الطريق للتقدم هو في إتباع نفس الأساليب التي حقق به الغرب تقدمه، لكن السؤال المطروح لدى هؤلاء هو كيف لايتهمون بأنهم تخلوا عن الدين، فكان الحل لديهم في العمل على التوفيق بين الإسلام من جهة وما توصلت له أوروبا على الصعيد السياسي والإقتصادي والقوانين والمؤسسات وغيرها، أي إيجاد غطاء ديني لنقل ماتوصل له الغرب، وبتعبير آخر هو نقل هؤلاء فكرة توافق العقل مع الشريعة لبن رشد إلى صعيد آخر هو توافق الإسلام مع القوانين والمؤسسات الغربية.
يظهر ذلك بجلاء لدى محمد عبده الذي صاغ دستور ثورة عرابي في 1881 الذي لايختلف عن الدساتير الأوروبية، خاصة دستور الجمهورية الثالثة النيابي في فرنسا، كما نجد نفس الأمر لدى صياغة علماء دين إيرانيين لدستور1906 في إيران، ونجد نفس الأمر لدى خير الدين التونسي في كتابه "أقوم المسالك في معرفة أحول الممالك"، كما نقرأ لبن باديس في الجزائر الذي أثنى على كمال آتاتورك والشرائع التي تبناها في مقالتين له في الشهاب في شهر مارس1938، بل ذهب بن باديس إلى درجة القول بحق الشعب في التخلي عن الشريعة الإسلامية وتعويضها بالقانون الوضعي إذا أراد ذلك بحكم تطبيق النظام الديمقراطي على الشاكلة الأوروبية الذي دعا إليه بن باديس بوضوح معطيا لها غطاء دينيا بالإستناد على خطبة الخليفة أبي بكر الصديق الشهيرة عند توليه الخلافة، ليستخرج بن باديس 13مبدأ أعتبرهم من أصول الحكم في الإسلام الذي لاتختلف إطلاقا في نظره عن الديمقراطية الغربية، ويمكن لنا أيضا ذكر جمال الدين الأفغاني الذي لاحظ إنتشار الأفكار الإجتماعية في أوروبا على يد ماركس وتلامذته، ومنها فكرة الملكية الجماعية، فقال مقولته الشهيرة أن هذا موجود في الإسلام حيث قال الرسول محمد(ص) "أن الناس شركاء في النار والماء والكلأ"، فأستخرج من هذا الحديث مصطلح "الإشتراكية"، فلعل الكثير لايعلم ان كلمة الإشتراكية أول من أطلقها هو الأفغاني إنطلاقا من هذا الحديث، لأن كلمة سوسياليزم لو ترجمت حرفيا إلى العربية لكانت "العدالة الإجتماعية" وليس "الإشتراكية"، ولاننسى أن نذكر إشارة رفاعة الطهطاوي بقوة إلى قوانين نابليون، وقال أنها تتوافق مع فقه الإمام مالك، بل يمكن ذكر الكثير من ألأمثلة من مفكرين قريبين من فترتنا، فقد تحدث سيد قطب في كتبه، خاصة كتابه "معركة الإسلام والرأسمالية" عن الكثير من الأفكار الإشتراكية التي طبقها جمال عبدالناصر الذي كان معجبا به قبل أن تقطع العلاقة بين سيد قطب وبعض الضباط الأحرار بعد إنتقاله إلى الإخوان المسلمين وقبوله برئاسة تحرير مجلتهم "الإخوان المسلمون" بدل عضوية هيئة التحرير التي أسسها عبدالناصر، فبإمكاننا الإتيان بعشرات ألأمثلة عن محاولات التوفيق بين ما وصله الغرب من تنظيمات مؤسساتية وقانونية من جهة والإسلام من جهة اخرى، أي إيجاد غطاء ديني لتلك القوانين والتنظيمات المؤسساتية الغربية بتأويل النصوص الدينية.
وفي الأخير نقول مادام المسلمون يرون أن الإسلام جاء لخير البشرية وأن تطبيقه سينشر العدل والمساواة والحريات والتقدم، وأن إتباعه سيؤدي حتما إلى التقدم، فمادام الغرب هو المتقدم اليوم، فمعناه أن الغرب هو الأقرب إلى الإسلام وقيمه من مسلمي اليوم الذين يعيشون في تخلف كبير، فمادام لايوجد نموذج عملي معاصر يعبر عن الإسلام وقيمه ، فما عليهم إلا الأخذ بالمؤسسات والتنظيمات وغيرها القائمة في الغرب كي يكونوا أقرب إلى الإسلام الذي هو مثل أعلى يصعب الوصول إليهن ومادام لا يوجد أي نموذج عملي لمباديء الإسلام وقيمه إلا نموذج المدينة الذي اقامه الرسول(ص) في ظرف يختلف كل الإختلاف عن عالمنا المعقد جدا اليوم.