ايستوود في فيلم من اخراج ايستوود؛ كيف تنتصر على رئيس الولايات المتحدة

سمير حنا خمورو
2020 / 4 / 15

ايستوود في فيلم مَنْ اخراج ايستوود؛ كيف تنتصر على رئيس الولايات المتحدة
السُلطة المطلقة "Absolute Power"، فيلم بفرضيات لا يقبلها العقل، إذا تجاوزنا فرضية البداية غير المعقولة: لص يصبح شاهدًا على جريمة قتل أرتكبها رجال رئيس الولايات المتحدة السادي والمهوس جنسياً وبحضوره. وإذا كنا متسامحين مع نهاية مبسطة، ينتصر فيها لصاً مسنًا على كل الاشرار رغم ما يمتلكون من سلطة وقوة، وان يجعل احداث قصة لا تصدق قابلة للتصديق بمنحها حياة من خلال ممثلين موهوبين، استخدمهم لابراز شخصية اللص الذي يختلف عن اللصوص الآخرين. ومع هذا الفيلم يُشاهد بمتعة أداء الممثلين. وجمالية تصويرالمشاهد وحركة الكاميرا من قبل مدير التصوير جاك كرين، والمونتاج الذي قام به جويل كوكس، دون التفكير كثيرًا في تفاصيل والافتراضات غير المعقولة، وبالنسبة لي في الفيلم موسيقى تصويرية رائعة ومذهلة مَنْ تاليف ليني نيهاوس Lennie Niehaus رافقت وأغنت الاحداث.
يقدم المخرج كلينت إيستوود للممثل "كلينت" دورًا جذابًا وهو بهذا العمر، بعيدا عن أدوار العنف التي عرف بها كما في شخصية مفتشالشرطة هاري كالاهان. وقبلها في دور الكابوي في افلام "سباغيتي وسترن" للمخرج الايطالي سيرجيو ليون التي نالت شهرة واسعة، ومن ثم النهاية السعيدة التي لا مبرر لها. من الأمور المثيرة انه فيلم بوليسي سياسي، ولكن السياسة فيه دور ثانوي.

السُلطة المطلقة، فيلم من إخراج وتمثيل كلينت إيستوود، عرض عام 1997. اعداد عن رواية ديفيد بالداتشي، نُشرت عام 1995 وكانت الأكثرمبيعا في الولايات المتحدة. القصة عن "لوثر ويتني" لص محترف عجوز، كل من يراه يعتقد انه تقاعد عن اعمال اللصوصية، يمثل الدورإيستوود. يبدأ الفيلم بهدوء نحن في متحف لوحات لكبار الرسامين يفتح ابوابه يوم الاحد لدارسي وهواة الرسم، الكاميرا تركز على رجل عجوز يجلس على الارض يستنسخ التفاصيل من لوحة أمامه. لقطة كبيرة ليده المعروقة وهي ترسم، ثم ترتفع الكاميرا ببطأ نحو اللوحة ثم تعود الى وجهه، رجل غريب بهذا العمر وسط طلاب الفن، جالس يتفحص اللوحة مثل اَي طالب مجتهد.
الرجل العجوز يعيش وحيدًا، يجلس على الطاولة وهو يتناول عشائه مع قنينة خمر، يقوم بتقليب صفحات دفتر الرسم الكبير ويتوقف امام تخطيط لقصر في الليل من الخارج تقترب الكاميرا في لقطة كبيرة جدا، ومن ثم مزج على القصر الحقيقي ليلاً.

رجل يترك السيارة بعيدًا ونراه يفتح الباب بسهولة، يدخل يفحص جهاز الإنذار وللتشويق تنتقل الكاميرا ما بين الجهاز وبين اللص ويتمكن بمهارة قطع جهاز الإنذار المعقد في الثانية الأخيرة. يبدو ان اللص يعرف ما يريد، يصعد مباشرة لغرفة النوم الكبيرة وينجح ايضا في فتح باب مخبأ حيث يحتفظ اصحاب المنزل بالمجوهرات، يسرع بوضعها في كيس كبير ويفتح احد الأدراج فاذا به امام ملايين الدولارات مرتبة وجديدة، وهو يضعها ينتبه لصوت ضحكة أمرأة يتوقف لحظة، لا شيء ويستمر بتعبئة الكيس، ولكن فجأة تقترب أصوات رجل وعشيقته سكارى من غرفة النوم، ولا يجد أمامه غير الاختباء ومراقبة ما يحدث، امرأة شابة جميلة ورجل أكبر منها سنا، وَبَعد عدد من لقطات اغراء تقوم بها الشابة للرجل، فجأة تتغير تصرفاته ويصبح سادياً، يدفعها بعنف على السرير لممارسة الجنس معها، ويُظهر تصرفات غريبة تجاه عشيقته كريستي تمثيل "ميلورا هاردن" التي تحاول ان تحمي نفسها، وفجأة يصفعها بقوة وترد بصفعة، يغضب بشدة ويحاول ان يغتصبها، تمانع وتقاوم ولكنه يتغلب عليها تسقط على الارض ويحاول ان يخنقها، تزحف للتخلص منه وتمتد يدها لتبحث عن شيء ينقذها،تجد اداة فتح الرسائل على الطاولة تمسك بها وتطعنه في ساعده، يصبح اكثر شراسة، يستمر في خنقها، تتغلب عليه، وترفع يدها وكأنها تريد طعنه فِي صدره، واذا بعدد مَنْ الاطلاقات من الخارج الغرفة ترديها قتيلة. يظهر رجلين وأمرأة في الأربعينات تصدر أوامر بتنظيف المكان من اَي اثر وإزالة طبع الأصابع، وجعل الحادث مجرد سرقة للص فاجأته المراة فقتلها، تسأل الرجل، إن كان مارس الجنس معها، يقول مذهولا، لا اعرف، يتم فحص الفتاة وتلاحظ المرأة القوية، ان الرجل منهار، ويرمي من يده آلة فتح الرسائل وتسرع لالتقاطها ووضعها داخل كيس من النايلون، واللص شاهد رغمًا عنه على كل الحادث، يتركون غرفة النوم ويسرعون بوضع الرجل داخل السيارة. تفتح المرأة حقيبة يدها ويجن جنونها لقد نست السكين المذهبة التي عليها اثار بصمات أصابع ودم الرجل على الطاولة، تصرخ بأحد الرجلين بالصعود إلى غرفة النوم والعودة بها، في هذا الأثناء يخرج اللص يأخذ الكيس، ويتذكر ان الشابة نزعت قلادة من رقبتها و وضعتها في درج الطاولة، يأخذالقلادة. ويفتح النافذة ويشد الحبل وينزل خارج القصر، بخفة لا تتناسب وعمر اللص!، يصل الرجل الى الغرفة ولا يجد ما جاء للبحث عنه ويلاحظ النافذة مفتوحة فيسرع شاهرا مسدسه يشاهد شبح رجل يركض، يلاحقه الرجلان وبعد مطاردة طويلة في الغابة، ولكنه يستطيع ان يصل إلى السيارة يركبها ويختفي، الا ان احد الرجلين استطاع ان يلتقط رقم السيارة. ولكنهما يكتشفان فيما بعد ان السيارة مسروقة من مرآب للشرطة.

مَنْ هي الشابة القتيلة ومن كان معها ومن هم الرجلين والمرأة ؟
لم يخطر ببال "ويتني" انه اصبح مطلوبا لأقوى سلطة في اميركا، فقد شاهد بالصدفة وهو جالس في البار مؤتمرًا صحفيًا، يُعرض فيالتلفزيون لرئيس الولايات المتحدة آلان ريتشموند، تمثيل (جين هاكمان) والى جانبه رجل في الثمانينات من عمره، يتحدث فيه عن اللص الذي قتل الشابة "كريستي" زوجة صديقه ولتر سوليفان تمثيل "إي جي مارشال"، اثناء السطو على القصر الفخم. الملياردير الذي كان قد ساعده للوصل الى المنصب الرئاسي، بالدعم المالي وما لديه من علاقات وتأثير على السياسيين، ويقدم له وعدًا امام الصحفيين، بانه سيستخدم كلالإمكانات للقبض على القَاتْل والاقتصاص منه، يتظاهر الرئيس بالأسف والالم، مع ابتسامة خفيفية وخبيثة. وينتبه اللص الى وجود المراة والرجلين خلف الرئيس. إذن الرجل الذي كان في غرفة النوم هو الرئيس، والرجلين هما كولين وبورتون تمثيل (سكوت كلين، دنيس هيزبرت)،من ضباط حماية الرئيس والمرأة جلوريا راسل، تمثيل (جودي ديفيز)، مستشارة الرئيس، والأربعة كانوا حاضرين في مشهد، غرفة النوم، ويبحثون عن ضحية. فيشعر ويتني بالقرف والاشمئزاز والخوف. يجد نفسه هدفًا لكل اجهزة لشرطة العلنية والسرية.

يذهب الى حيث تمارس ابنته "كيت" تمثيل (لورا ليني)، رياضة الركض عادة، ويحاول اعادة العلاقة المتوترة بينهما ولكنها تجابهه بالرفض وتقول له اين كنت عندما كنت احتاج إلى أب، كان عمري اربعة سنوات وانت دخلت السجن، وعندما خرج عاشت مع أمها بعيدًا عنه وتدعيانها لا تعرفه، ونعرف انها درست الحقوق وأصبحت مدعية عامة.

وبعد ان نشرت كل الصحف عن جريمة قتل زوجة الملياردير "ولتر سوليفان" المقرب من الرئيس، يتلقى ضابط التحقيقات في واشنطن، سيث فرانك تمثيل (أيد هاريس)، أمرا بان يفعل كل ما في وسعه للقبض على اللص القاتل، وبعد البحث في الملفات اشهر اللصوص، يشتبه الضابط سيث فرانك في اللص "لوثر ويتني"، بانه وراء عملية السطو، ولكن هذا اللص منذ فترة طويلة لم يقم باي عملية سرقة بالإضافة انه لم يقتل أبدا من قبل. يذهب ليلتقيه حيث يرسم في متحف، ويستغرب كيف وجده بهذه السرعة، يدعوه الى البار ويقول له انه ترك السرقة وأنه رجل عجوز، ويسأله هل تصدق انني أستطيع ان استخدم الحبل للهروب من الطابق الثاني وانا بهذا العمر، واضع نظارات للقراءة وعندي جهاز تنظيم دقات القلب. ومع هذا لا يقتنع المحقق.

يحاول إفهام القتلة أن الامر لا يعنيه، وان يتركوه. ضمن جولة سياحية لعدد من الزوار إلى بعض جوانب التاريخية من القصر الجمهوري، نرى مرشدة تشرح للزوار أحداثًا تأريخية، ومن بينهم اللص ويتني متنكرًا، يغافل الحرس ويخرج مظروفًا يضعه على الطاولة معنونا الىالمستشارة، يجده احد الموظفين، ويحمله لها، تفتحه، واذا بها تجد داخله صورة بولارويد لسكين فتح الرسائل. كانت تلك وسيلته لتحذيرهم، ان يتوقفوا عن ملاحقته.

في البداية يقرر ان يختفي بعيدا، يذهب الى مزورة جوازات ويطلب منها اعداد عدد من الجوازات والهويات بأسمه، يعود ويتني إلى لقاء ابنته ويبلغها انه قرر ان يترك البلد. مباشرة تشك به بانه اللص، ولكنه ينكر اية علاقة له بالحادث. يجتمع رئيس الجمهورية مع مستشارته ورجليالحماية ويطالبهما ان يجدا اللص بسرعة وتصفيته حتى لا يقع بايدي البوليس.

يتصل المحقق فرانك بأبنة اللص، ولانه لا يملك امر قضائي بتفتيش بيته، يطلب منها ان يذهبا معًا الى بيت ابيها، وهناك تجد صورها منتشرة في كل مكان وبأعمار مختلف حتى لحظة تخرّجها من الجامعة، تفهم ان ولدها كان قريبا منها في كل مراحل حياتها، على عكس ما كانت تعتقد، يفهم فرانك تعلق الاب بابنته والعلاقة الحميمة التي تربطه بها، فيحاول ان يقنعها ان تتصل بابيها، لانه يعتقد انها تستطيع التأثيرعليه لكي يقبض عليه خوفًا من اطلاق النار عليه من قبل اخرين وقتله. وفي هذا الأثناء تضع اجهزة المخابرات تلفون كيت وتلفون المحقق المكلف بالقبض عليه تحت المراقبة.

بعد فترة تقتنع "كيت" وتتصل بوالدها وتعطيه موعدًا في مقهى يقع على ساحة كبيرة، ويستمع رجال الرئيس للمحادثة ويقرروا تصفيته بواسطة قناص من حماية الرئيس يختبأ في سيارة مع بندقية بمنظار.
كما ان الملياردير العجوز زوج الشابة، يستأجر قاتلًا محترفًا ويطلب منه ان يجد اللص وقتله مقابل مليون دولار، وهذا يتوصل بوسائله الخاصة بالموعد الذي حددته لأبيها أيضا، ويكمن في طابق فارغ في بناية مطلة على الساحة مع بندقية مزودة بمنظار ايضا، بالاضافة الىالشرطة بقيادة فرنك الذي بدأ يقع في غرام ابنة اللص...تصل كيت قبل الموعد بقليل ويتساءلون هل حقا سياتي، واثناء الانتظار ولصناعة التشويق والترقب، تنتقل الكاميرا بين القاتلين كل منهما يهيئ بندقيته وينظر في المنظار نحو الطاولة، وفجأة يظهر ويتني مرتديا رداءا طويلًا وقبعة ويقترب منها ويجلس، يخبرها مباشرة انه اللص ولكنه لم يقَتْل المرأة، والرئيس وحمايته هم القتلة، تطلب منه ان يذهب الى البوليس ويخبرهم بما شاهد، يقول لها هل سيصدقون لصًا أم الرئيس ورجاله؟ وفي هذا الأثناء القاتل المأجور يضبط فوهة البندقية ويضع أصبعه على الزناد استعدادا لإطلاق النار، يصادف ان يكون على واجهة العمارة المقابلة عمال لتغير لوح الزجاج وعند تحريكه لوضعه في مكانه تنعكس إضاءة ضوء الشمس، باتجاه وجه القاتل المأجور، في نفس اللحظة، وتنطلق الرصاصة، وبدوره القاتل الأخر كرد فعل على اثر سماع الطلقة الأولى يطلق الرصاص بإتجاه ويتني وكيت. تتركض الناس في كل اتجاه، ويصرخ ضابط الشرطة ان يتوقفوا عن إطلاق النار يتقدموا نحو الطاولة المقلوبة يجدون الفتاة مرعوبة مختبئة، والرداء الطويل والقبعة على الأرض، يأمر الضابط باغلاق كل مخارج الساحة، ولكننا نرى ضابطا تتابعه الكاميرا من الخلف يسير بهدوء ويدخل الى المطبخ المطعم ويخرج من الباب الخلفي، يستدير واذا به ويتني وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة وينجح بخداع القتلة والهروب من كل اجهزة الشرطة ويختفي.

وكتحدي ثاني، يرسل اللص الى المستشارة، قلادة الماس التي كانت تلبسها كريستي ليلة مقتلها وهي هدية الرئيس لعشيقته زوجة الملياردير، مع رسالة قصيرة مزورة بخط وتوقيع الرئيس ريتشموند، تفرح بها وتعتقد انه اخيراً انتبه لها، ويغازلها. وفي حفل راقص اقامه الرئيس تصل المستشارة متاخرة ببدلة سوداء، وهي في منتهى السعادة وعلى صدرها القلادة، تقترب من الرئيس في محاولة اثارة انتباهه إليها، معتقدة انها منه. ولكنه لا ينتبه، فتشكره على هديته، ورسالته الرقيقة، وتشير الى صدرها وهنا يجن جنونه ويطلب منها ان تراقصه، ويخبرها بغضب انها القلادة التي كانت تلبسها كريستي، ويطلب منها ومن رجال حمايته ان يلتقوا به في صباح اليوم التالي، ثم أمر رجليالحماية، كولين وبورتون بقتل كيت.

يتسلل ويتني الى شقة المحقق فرانك، ويخبره بحقيقة ما حدث ليلة مقتل زوجة سوليفان، وكان يتصور ان ابنته معه، ويفهم انهم سيحاولون قتلها. في هذا الأثناء، ما ان تقف "كيت" سيارتها على حافة منحدر، لتمارس رياضة الهرولة، وإذا بسيارة تقف خلفها يقودها تيم كولين منحماية الرئيس، يدفعها نحو المنحدر، تسقط السيارة وتصاب كيت بجروح خطيرة، ويسرع والدها لانقاذها، ترقد في المستشفى وهي غائبة عنالوعي، وعندما يعلم القاتل انها لم تمت يتنكر بملابس ممرض ويدخل الى غرفتها وبيده حقنة، ولكن يمسك به والدها ويتغلب عليه ويقتله بزرقه بالحقنة القاتلة.

ويقرر ويتني البقاء ومجابهة الجناة الحقيقيين. في المساء يتنكر بملابس سائق سيارة الملياردير، يخرج العجوز من مكتبه، يفتح له الباب ويركب، وفِي الطريق يلاحظ انه ليس سائقه المعتاد، يقول له ان السائق مريض وحل محله، وبدلا من إيصاله الى البيت يتخذ طريقًا اخر، ويعترف انه اللص الذي كان حاضراً وشاهدًا على ما حدث، ويطالبه الاخير بالدليل، يسلمه سكين فتح الرسائل المذهبة داخل كيس النايلون ويخبره بوجود بصمات أصابع ودم الرئيس عليها. ويطلب ملياردير ان يقوده الى البوابة الرئيسية للبيت الابيض، يدخل ويخبر الحرس انه جَاء لمقابلة "صديقه" الرئيس ريتشموند. وبما ان الحرس يعرفون علاقته برئيسهم يتركوه يجتاز كل الحواجز، ويصل إلى باب مكتب الرئيس، ريتشموند يفتح الباب مبتسما وفاتحا ذراعيه : ما الذي جاء بك ؟ ادخل. يُغلق الباب. وفي صباح اليوم التالي الخبر الرئيسي في نشراتالأخبار، ان الرئيس انتحر، وطبعا لا تكتمل القصة الا بقصة حب صامتة، بين المحقق الأرمل سيث فرنك وبين ابنة اللص‎ ظرِيف.