عن أي ماركسية نتحدث؟

إبراهيم محمد عالي لحبيب
2020 / 4 / 15

هناك منهج تبلور على يد أرسطو يدعى ب"المنطق الصوري"،أو "منطق السكون" هذا المنطق الذي يدرس المسائل كشيء ساكن،ويعتمد في دراسته هذه على أفكار مسبقة وجاهزة،هذا المنهج والذي حكم مرحلة مهمة من تاريخ البشرية والذي لا يزال يحكم العديد من المجتمعات والتيارات السياسية،تم تجاوزه مبدئيا عن طريق الفيلسوف "هيغل" الذي نظر لمنهج جديد ولو أنه أكثر تعقيدا،لكن مهد لفهم جديد،معتبرا المنطق السالف الذكر هو فقط شكلي وأولي لتناول مسألة ما،وأن الأساس في التناول هو البحث في عمق وجوهر المسائل.
هذا الفهم العام والمبسط الذي أشرنا له أدى بهيغل للوصول لمفهوم أسماه ب"الجدل" أو التناقض أو جوهر الشيء.

لكن من بعده سيأتينا ماركس ويقلب المعادلة،نافيا بكون الفكرة او المنطق الصوري أو الافكار المسبقة ستحدد لنا واقعا معينا،بل العكس صحيح،كيف إذا؟
هذا المنظور الجديد لفهم الواقع،يقوم على أساس أن هناك سيرورة دائمة،هناك تناقضات تحكم الواقع متجددة،هناك تراكمات تؤدي إلى تغيرات وبشكل دائم.
فالماركسية من هنا تحثنا إلى أن نرى الواقع بمجمل حركيته وبشكل مستمر، وعدم الوقوف عند تصور ظهر في لحظة معينة،وإلا فسنعيد إنتاج شكل جديد من الفهم القائم على منظور أرسطو ذاته،الذي سيؤدي حتما لإلغاء الجدل المادي كفاعلية ذهنية،بحيث سيتم تناول القضايا الواقعية حسب منظومات وقوانين جاهزة بل و سيتم قياس الواقع على أساسها.
إن جوهر الماركسية هنا يكمن في طريقة التفكير أو الجدل المادي،أي بشكل مبسط:
فهم الواقع وبلورة رؤى نظرية لكيفية تغيره وبالتالي هي تصور نظري يعبر عن مصالح طبقة معينة(لهذا يتم القول بأن الماركسية إيديولوجية الطبقة العاملة)،لكن الجوهري فيها أكثر هو عدم إرتباطها بواقع معين.
فالإيديولوجية بشكل عام حسب ما ذكرناه هي تحليل الواقع انطلاقا من الواقع ذاته،من جوهر تناقضاته،بالتالي انتاج تصور معين من لحظة معينة داخل المجتمع،فمثلا:
إنتاج طبيعة الثورة داخل هذا المجتمع.
إنتاج طبيعة الطبقات.
إنتاج طبيعة التغير ....
كل هذا سيؤدي إلى طرح البديل الذي يجب أن يطرح فالوقت ذاته.

المشكلة اليوم في عدم فهم ولبكة الماركسية،هي أن المنتوجات التي كانت نتاج تحليل الواقع عبر منهج مادي جدلي سواء من قبل ماركس أو إنجلز أو لينين .....
أصبحت تعتبر الرؤية المنهجية التي تحكم الماركسية لهذا بدأت تحدد هذه الأخيرة في جملة منظومات،وبالتالي أصبح هنا بداية لتفكك ولد تيارات مختلفة،متضاربة فيما بينها،وأصبح الحديث عن إنهيار وأفول هذه التيارات بمثابة سقوط الماركسية نفسها.
فيكفي اليوم أن تقول "أنا مارك..." دون حتى أن تكمل الكلمة لتسأل عن أي تيار أنت وأي توجه وأي......
إن اكبر دليل على الواقع الذي نعيشه الآن هو ما أكده لينين في إنتقاده لمفهوم "الثورة الإشتراكية" عند تروتسكي بإعتبارها أفكار وهمية تتناقض مع واقع زراعي لن يقبل بطرح ثورة إشتراكية،وما طرح هذه الفكرة إلا قصر في فهم الواقع.

وبالتالي يجب دائما عدم العودة للمنطق الصوري أو قياس الواقع على منظومات سالفة،لأنه فهم بعيد عن ما نظرت له الماركسية بفهمها للواقع عبر الجدل المادي.

هذا فقط من جانب عام سيساعدنا أكثر في فهم ما كان يفكر فيه الولي مصطفى السيد هل هو منطق جدلي مادي أم منطق صوري مقياسا على أفكار مسبقة؟؟
قد تطرقت سالفا لفكرة "تكييف الفكرة"،وما أحدثه الولي مصطفى السيد في المنطقة،محاولا إيجاد الحد الأقصى والمشترك النضالي ضد العدو الأشرس في المنطقة،كأن نقول إلى حد ما خلق"جبهة موحدة للنضال" عبر بوابة القومية التقدمية ونقيضها آنذاك الرجعية التي كان النظام السياسي القائم في المغرب طرفا فيها.
يعني هنا الولي لم يأتينا بأشياء خارجة عن الواقع، إنطلق من نمط قبلي حاول إخراجنا منها بسلالة عبر الإشارة بان هناك مكتسبات ومصالح قادرة على أن تعود للشعب أكثر مما تقدمه القبيلة،فأنطلق من تحليله البسيط للواقع وأنتج لنا أفكار تحررية، بها فهمنا سبل تحرير الأرض،إذا العقيدة في مجملها تختصر في:
*طبيعة النمط الذي يسود في هذه الأرض(بوثقة القبيلة وإلزامية الخروج منها).
*طبيعة التناقضات داخل المنطقة،(تحديد الأصدقاء والأعداء داخل المنطقة).
ثم بعدها:
*طبيعة وكيفية الثورة في الصحراء الغربية.
*وأخيرا طرح البديل الثوري لتغير هذا الواقع.
بهذا الفهم هل فهمتم لماذا نقول عن الولي أنه إعتمد على التحليل المادي الجدلي،معتمدا على الواقع كجوهر لترسيخ الأفكار،بعيدا عن منطق إسقاط قوانين جاهزة على شعب مازال لم يعرف حتى النقلة الأولى نحو التمدن.
إن إعتماد الشهيد الولي مصطفى السيد (مؤسس فكر جبهة البوليساريو)على هذا المنهج الذي أتى به ماركس هل يجعلنا إذا نقول عنه ماركسيا؟؟