قراءة في رواية يافا تعد قهوة الصباح

رفيقة عثمان
2020 / 4 / 14

رفيقة عثمان-فلسطين
قراءة في رواية: يافا تُعد قهوة الصّباح، للكاتب أنور حامد، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر- بيروت، 2012
رواية "يافا تُعدّ القهوة" صدرت عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر- بيروت، تقع الرواية في مئتين وسبع صفحات، من القطع المتوسّط. ظهر في أعلى الغلاف بأنّ الرواية مُرشّحة لجائزة البوكر لعام 2013.
تصدّر الغلاف صورة فوتوغرافيّة لمدينة يافا من جهة البحر، على خلفيّة زرقة السّماء، والبحر يظهر ليلا؛ وفي أسفل الغلاف صورة ظل لشخصين: ( امرأة ورجل) جالسين بشكل معاكس، في ليلة ظلماء؛ من تصميم حنين حامد.
اهتم الكاتب في بعث التاريخ الميّت وإعطائه صوتًا من جديد، اختار أسلوب روايته بواسطة رسائل للزمن الآتي، والتي استلمها من صديقه الفيسبوكي بهاء، الذي اقترح على الراوي تسليمه مذكرات ورثها من جدّه فؤاد الذي عاش في يافا في أربعينيّات القرن الماضي، قبيل احتلال فلسطين عام 1948.
يُعتبر هذا الأسلوب أسلوب "الفلاش باك" flash back استخدم الكاتب أسلوب الرجوع الى الورء- الاسترجاع – من الأساليب المعروفة لكتابة الأحداث من الزمن الماضي للحاضر، في رحلة خياليّة عبر الزمن. وسرد الروائي الأحداث القديمة التي عاصرها المواطنون الفلسطينيون في يافا بفترة زمنيّة محدودة، خاصّةً أثناء الاحتلال البريطاني، وقبيل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. هنا راعى الروائي حامد عنصري الزمان والمكان في روايته. من خلال مذّكرات طبيب فلسطيني من يافا تخرّج من بيروت بعد النكبة، هذه المذكّرات استلمها الراوي منير من صديقه بهاء الساكن في عمّان. تحدّثت هذه الرواية حول قصّة حب دارت بين ابن البيك فؤاد والشابّة بهيّة بنت الناطور، الذي عمل في خدمة البيك أبوسليم، والتي صوّرت الحياة الطبقيّة الاجتماعيّة في تلك الفترة الزمنيّة.
اهتم الروائي في إظهار الحياة الاجتماعيّة، وعرض السّيرة الغيريّة لعائلة فلسطينيّة من يافا، وكشف العادات والتقاليد، وطبيعة العمل للنساء والرّجال، كيفيّة التعامل والتواصل بين رب الأسرة البطل الرئيسي في الرواية: "البيك أبو سليم" مع الأجانب، ومجاراتهم في السّهر والأستضافة، والانفتاح الاجتماعي على هذه الطبقة؛ كما كان يستضتيف الجنرال البريطاني وأسرته في بيته، ويشارك معهم شرب الخمر، والاستمتاع بالرقص، والجلوس مع النساء. بينما تجلّت هذه الشخصيّة بدعم الوطنيين الفلسطينيين المُطاردين من قِبل الجنود الإنجليز وحمايتهم في بيته. هذه الشخصيّة كانت ذات وجهين نقيضين، مهمّتها إرضاء جميع الأطراف في آنٍ واحد، وبنفس الوقت كان ذا شخصيّة حازمة ومُحافظة، نحو أبناء أسرته وخاصّة النساء منهن.
لم يهتم الكاتب بإبراز النواحي السياسيّة بشكل واضح، والمعاناة التي لاقاها الفلسطينيّون جرّاء وجود الاحتلال على أرض يافا، بل قام بالتلميح لها بشكل بسيط جدّا، عندما أبدى استياءه من صديقه اليهودي الذي يُبحر بسفينته التي يُصدّر بها البرتقال لخارج البلاد، وعند عودة السّفينة يُحضر معه مهاجرين يهود جُدد من أوروبا الى فلسطين. المواقف الوطنيّة في الرواية كانت باهتة وضئيلة؛ يبدو بأنّ الكاتب اكتفى بتصوير الحياة الاجتماعيّة اليوميّة لحياة أهل يافا.
خابت توقّعاتي، من هذا الجانب الضعيف الذي لم يبرز كما كان يجب أن يكون. بإمكان الراوي الإبحار بهذا المجال، خاصّةً عندما ساهم الإنجليز في التمهيد والتحضير لتسليم فلسطين للمُحتلّين الجدد.
من الجدير بالذكر، دمج الكاتب الواقع الفلسطيني في يافا بالتحديد، بالتواصل مع شخصيّات من ديانات مختلفة مثل: المسيحيّة نحو الميجور وعائلته، واليهوديّة مثل الخواجا إسحاق وعائلته، والإسلاميّة . مثّلت عائلة البيك أبوسليم، شريحة السكّان الفلسطينيين من طبقة الأغنياء، وصوّر عاداتهم وتقاليدهم في ذلك العهد، حيث كانت الأسرة تقليديّة في كل مناحي الحياة. أبرز فيها الكاتب مدى التقيّد بالعادات والتقاليد لدى السكّان المسلمين، بينما التمتّع بالحريّة والانفتاح لدي الباقين خاصّةً لدى النّساء، من جهة طريقة اللبس، والتعليم، ومخالطة الرّجال، والمهام المُلقاة عليهن.
كان البحر ملاذا للعاشقين والشعراء، للبحّارة وللفقراء والأغنياء، استقطب الحزن والفرح، لكافّة الفارّين إليه، ليلا ونهارًا. كان البحر معبرًا للمسافرين لبلاد الشّام وخاصّة بيروت، التي تعلّم فيها فؤاد ابن البيك.
الرحلة الخياليّة التي قام بها الراوي، لم تفِ تماما بعرض الحياة الاجتماعية من الدّاخل، كما لو كان الراوي من نفس المدينة. يافا لم تمثّل أندية وبارات وسهرات ليليّة للمطرب عبد الوهاب والمطربة أم كلثوم، وليست أماكن وأسواق وحارات وجوامع وكنائس فحسب؛ بل يافا أعظم بكثير من هذا وذاك.
ابدع الكاتب في عرض عنصر الخيال، بسرد الأحداث المكثّفة حول العلاقات والمشاكل التي حدثت خلال فترة محدودة في يافا؛ أثناء غيبوبة البطل وهلوساته التي كشفت أحداث الرواية كاملةً. ناهيك عن اسلوب الاسترجاع في السرد، هذه التقنيّة الفنيّة أضفت تشويقًا لقراءة الرواية.
تخلّل عنصر التشويق لهذه الرّواية؛ لاحتوائها على عنصري الخيال والحبكة المتمثّلة في صعوبة العلاقة بين الشاب الغني والشابّة الفقيرة بنت الناطور. كما كُتب على الغلاف الخلفي: " يا ربّي لماذا رست بي أحلام النوارس ولم تمنحني أجنحتها؟ أنا أجيد العوم لكنني لا أحسن التحليق، حدودي القصوى بضع مئات من الأمتار تبقيني أسيرة الشاطئ، لا تبعدني عن مدينتي ولا تحرّرني من أسيجتها."
تمثّلت العاطفة في الرواية، بأشكالها المختلفة من: عاطفة الحب، والكراهية، والبغضة والحرمان والفرح.
لغة الرواية بسيطة وسلسة جدّا، حيث افتقرت النصوص الى الصيغة الأدبيّة، وقد قربت إلى الأسلوب التقريري اكثر. دخلت في الرواية بعض العبارات باللهجة العاميّة، لم تُنقص من قيمة النصوص، بل أضافت إفادة لمعرفة اللهجة الفلسطينيّة في تلك الحقبة الزّمنيّة.
استخدم الكاتب بعض الأغاني الشعبيّة، المُتداوَلة في الأعراس والمناسبات السعيدة كما ورد صفحة 92 في عرس طارق بن أخ البيك في بيت جن." يلا يا شبلي بالله عليك جلّخ موسك وخفّف ايديك – لا توجع العريس احسن ادعي عليك – واحلق يا حلاق بالموس الذهبيّ – واحلق يا حلاق – واتمهّل يا حلاق تاتيجي الاهليّة – تمهّل يا حلاق – زينو يا مزيّ تحت في التينة – يا ميمتو فرحانة ميمتو حزينة – زينو يا مزيّن بموس الذهب – لا توجعو يا مزين عشنو عزب.". صفحة 96 "، " لأعد الألف والميّة واجيبك عداري يا أميرة" ، لاعد الخمسمية مع الميتين واجيبك عداري يا كحيلة العينين."
انتقى الكاتب مقطعًا من قصيدة للشاعرة لمى الناطور تناصّا " ارتيموس تبكي انوثتها، ارتيموس تفتح قلبها عنوة وترمي القفل بين الموج. ارتيموس ترمّم قلبها بما تبقّى من حلم. تلملم الشّظايا وترفع العمدان...". ، بالمناسبة حظيت لمى الناطور بإهداء خاص من الروائي في بداية الرواية. الإهداء: " الى لمى الناطور التي ألهمني جنونها الجميل بهيّة بنت الناطور، فكانت لعبة الأسماء.. ومجازات الأقدار".
عنوان "يافا تُعِدّ القهوة" يبدو أنّ الكاتب هدف من ورائه، بأنّ يافا تُمثّل محطّة تستقبل الزائرين، والوافدين من كل البلاد العربيّة، مُرحّب بهم، وأن يافا مدينة مضيافة لكل زائريها. القهوة عند العرب ترمز للضيافة.
من العنوان أجد بأن يافا تستحق العمق أكثر، ممّا سرد الكاتب في روايته، من خلال ما لمسته من القراء، هنالك بُعد جغرافي ما بين الكاتب والرواية.
انّ حبّي لمدينة يافا بشكلٍ خاص، ومعرفتي بتفاصيل أماكنها وأسواقها، وهوائها النقي، وسفنها القديمة الصدئة الراسية على شواطئ يافا، تسلب خيالي نحو ربّانها الحقيقيين، الذين هُجّروا مع عائلاتهم قسرًا إلى كافّة البلاد العربيّة. بيوت يافا القديمة والمغلقة أبوابها، تجعلني أقف لجانبها وأتلصّص من نوافذها؛ لأرى محتوياتها، من الأثاث المنزلي، وأدوات الصّيد وغيرها من محتويات شخصيّة ما زالت تنتظر مالكيها. وراء كل بيت حكايات وحكايات، خلف البيوت المتراصّة وجنائنها، مساجدها وكنائسها وسجنها المعروف ما زال محتفظا بمعالمه وتاريخه العريق. كل هذا دفعني لقراءة هذه الرواية، والتي قلّلت من توقّعاتي في فحواها؛ وتجاهلت بطولاتها وأمجادها العريقة، بحيث لم تكن الرواية عميقة.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي