رقصة الجسد في فراغه الباهت..ديوان -المرأة ذات الوزن المرح ..قصائد إيروتيكية - لرانيا خلاف بقلم / مؤمن سمير.مصر

مؤمن سمير
2020 / 4 / 14

جريدة "أخبار الأدب "المصرية عدد يوم الأحد 16 فبراير2020
يبدأ الديوان الصادرة طبعته الأولى عن دار "أزمنة" بالأردن 2020 بعتبة الغلاف الذي يقدم معادلاً بصرياً دالاً للعنوان ،حيث نتلمس روح أنثى تنبت لها أجنحة فيخف ثقل جسدها الفعلي وترتدي وزناً آخر رمزياً هو خفة الفن وحريته في التحليق عبر التخييل وعبر الأفكار ،أو في محاولته لاختراق كثافة الجسد وثقله وكسر مركزيته الرمزية وإعادة صياغته جمالياً من جديد.. وبعد العنوان الكبير نلتقي بعنوان أصغر يصرح بأن هذا الديوان عبارة عن قصائد إيروتيكية بالتحديد، وبهذا تتكامل الدلالة بين اللافتتين وينكشف الهم والمقصود والمعنى المراد إيصاله وهو أن مجلى الفن الذي ستتحقق الذات عبره ومن ثَمَّ تظهر خفتها وسعادتها ،هو الشعر ولا شيء آخر ، الشعر الحسي القريب الذي يزيح من طريقه كل غلالات الخوف وتعاليم المجتمع والواقع المحافظ بنيةً وبنياناً، وذلك كما يشير "أوكتوفيوباث" في "اللهب المزدوج" إلى أن:"الشعر يضفي الإيروتيكية على اللغة والعالم معًا لأنه هو نفسه ضرب من الإيروسية في طريقة اشتغاله".ثم ننتقل إلى عتبة الإهداء الذي يحدد أن الكتابة في هذا الديوان ما هي إلا محاولة استعادية للحظات السعادة التي هي لحظات الحب بمعنى الاتحاد والاندماج ولمس الداخل والتعاطي معه وأن الأماكن والأزمان التي وشمها الحب هي التي تبقى كأثر في المخيلة وفي الروح ..أثر أو وشم ثابت في حفره واختراقه لكنه خفيف في تماهيه مع قيم أخرى ليكشفها ويعيد تشكيلها من جديد .. بعد ذلك تحمل القصيدة الأولى ما يمكن اعتباره إعلان الشعرية الأوضح أو ما يعد تمثيلاً رمزياً لقيامها بأخذ يد القارئ نحو سكة الكتابة وتهيئةً وعييةً تمكنه من التعاطي مع ألعابها التي ستظهر على هيئة قصائد ، إنها تقدم أنثى تعيد اكتشاف ذاتها عن طريق الفن وتدرك وتلمس بالقصيدة ،كيف أنها تدلف إلى العالم من منظور أنثى تتوق للحب والتواصل الإيجابي مع الآخر عن طريق اللقاء الحسي أياً كانت صورته وهيئته وتجلياته ،حيث يزيل الحواجز التي خلقتها الأقدار ويعري الأوهام ويضع البشر أمام مراياهم.. وهكذا ندرك أن الفن هنا كاشف ومجلى للذات وأن الداخل المختبئ خلف السطوح لن يتموضع في هذا الوجود إلا عن طريق تلك القصائد وأن اللعب الفني المرتبط بهذا الشعر يهدف لغاية الكشف التي ستستتبع تحرراً ودلوفاً من بوابة البصر إلى قصر البصيرة ..
وتطوف بنا الشاعرة عبر تجليات عدة لهذه الذات الأنثوية التواقة للانطلاق ومن ثَمَّ التحقق والاكتمال فحيناً نراها ملاكةً تتقمص أرواح الشياطين بعدما صاروا عجائز وتمارس أدوارهم وتكشف أن إحساس الجحيم والجنة ما هو إلا أوهام تحلق بين طرفين متحفزيْن للتساؤل والإشارة لصراع الذي هو طورٌ من أطوار العلاقات وطريق للتعرية والكشف بما يسمح به من حالة العصف وتبادل الأدوار والتقمص واللعب حتى لو تزيَّا بزي وجودي.
وتارة تكون الشاعرة نخلةً تحتاج مداعبة تنأى بها عن الخشونة والفظاظة ،تحتاج قدراً من الرقة حتى نلمس قلبها المملوء بالجمار وبالطاقة التي تهب اللذة العارمة ولكن فقط لمن يستطيع فك الشفرات وهدهدتها ..
وحيناً تكون سمكةً دائخة في المسافة بين التأهب وبين لذة الوصول للالتهام الذي هو الالتحام الكامل حد التلاشي أو زجاجةَ نبيذ تضئ الدنيا عندما ينجح الآخر في أن يمسِّد أسرارها ومداخل كينونتها أو نجمةً مؤرقة تشهد على انحسار الرحيق وتوثقه بالدم أو شمساً تتصلب على جسدٍ ترهقه الرغبة لحد انكشاف الروح الخ ، لنعدو وراء كل هذه الوجوه ونلمس في كل مرة طرفاً صغيراً من اكتناز مفهوم الأنوثة الخالقة تارة والمخلوقة تارة أخرى، الفاعلة حيناً والتي ترضى في أحيانٍ بدور آخر ملغز وملئ بالمساحات القادرة على دفع عربة الحياة وتلوينها أو حتى دفعها دفعاً نحو المقصلة..
إن الإيروتيكية هنا ليست علاقة بين طرفين هما الذكر والأنثى ولكنها حالة وحشة وجودية عارمة تمتلئ بها الأيام وتؤدي بها إلى أن تكون دائماً على وشك الانفجار، الانفجار الذي يُعَقِّبُ لهاثاً عالي الصوت يدوم بعد إفراغ النار الحارقة التي تلهب الأحشاء.. البطلة هنا جزء من حالة قمع عامة تجعلها تتوق للتعري الدائم ، من ملابسها التي هي رمز لرغبة الثقافة في كبت أشواق الجسد والروح، ومن جلدها ذاته ، ذلك الذي فصَّلته الميثولوجيا من طبقات تاريخية سميكة تحمل أعماراً من المراقبة والتلصص على رغبات الذات التي هي صنو تنفسها وكينونتها .. كل هذا يخلق من البطلة عيناً تراقب على الدوام وأنفاً تشم ويداً تلمس لتجمع سَلَّة الملامح والتفاصيل آخر الليل وتخلق منهم بشراً تتسلى بتنفيذ رغباتهم وحيناً بقتلهم وتمزيق لحمهم لتقبض على مشاعرهم البكر وتلمس صدقهم قبل أن يتلوث أو يتحور..
إن التعامل مع العالم بحسية وحساسية مشاعرية وروحية لا ينبع فقط من حالة أنثى تتوق لذَكَرها البعيد سواء كان بعيداً حقاً أو كان وهو الأصعب - قريباً بعيداً معاً ، وإنما من حالة أعمق وأقدم ترجع فيها الإيروتيكية إلى عهد الكهوف والأساطير والتراث الشفاهي والمدون والمصور، وللجرأة في التعامل مع الطبيعة والكائنات التي تتنافس مع الإنسان وترافقه أيضاً وصولاً للذة الاكتشاف وخرق الغموض الذي يحيط بالأفكار والأحلام نحو تلمس النور الحقيقي..
إن نظرات تلك الأنثى عندما تخترق المكنون وتخلع رداءً تلو الآخر ،تكافئ من يحفر ويحفر ليصل إلى الكنز ويلمس الجوهرة ..لماذا لا يمزق الآخر كل الزيف والمسافات والأفكار المتراكمة ليلمس مكنون تلك الأنثى أو بالأحرى هذه الذات المؤرقة ؟ لماذا لا يتقمص ولو في أحيانٍ خاطفة روح الصياد الأسطوري العظيم الذي يذوب ريشها أمام عَرَقه المُضمَّخ بالحنان الخام ، ليتيح لها الاندماج في الكون وطفولته واستعادة الجدات أو الإلاهات اللاتي لا يغيب وشمهن أبداً على الجلد والروح ؟ إن الأنثى هنا هي الروح التي تجوب الكون لتجد عزاءها وتسليتها وطمأنينتها واكتمالها، والآخر ما هو إلا هذا الجسد الذي يظل ناقصاً طالما غابت عنه روحه النابضة..
لكن هذه الذات لا تكتفي بصيغة المتعامِلة الدائمة مع دقائق ونبضات الكون بحسية عارمة أملاً في إرضاء نهمها للاكتشاف والتحقق والارتواء والنظر وإعادة النظر، وإنما تعود مرة بعد أخرى للثورة على تلك الأنوثة في صيغتها الأرق و تقلب عملتها للوجه المضاد، للصيغة التي تميل لامتلاك ناصية الفعل بالكامل ،والتي يحلو لها النظر للحياة بوصفها غابة وحلبة للصراع حيث الحب معركة هزلية لأنه لا ينتهي لثمة يقين وحيث الآخر مجرد محارب ذابت أكاليل غاره عندما دخل في قلب الأتون .. معركة دائمة ،المصلوب فيها أبدي والجلاد ساخرٌ عظيم ومُسْتَلَب ، والأحدث – دفعاً لملل يهل دائماً وطول الزمن- أن يكون الصراع ثلاثياً فيكون هناك رجل وامرأتان تتحدان لترجح كفة الميزان، فالآخر أمام هذا الجسد الواحد ذو الأذرع الأربعة والسوأتان والعيون المتناثرة ، لا بد سيراجع دوره التاريخي ويعيد تأويله و ينحني أمام وجهٍ يتماهَ مع الجبروت ،الناعم الحاد في الآن ذاته ..
لكنك عندما تدير وجهك لكل هذه الدراما الموَّارة ستجد وجهاً آخر وأصيلاً في هذه الذات الأنثوية الحقة ،إنه وجه الحزين القابع في قوقعته العظمية مُبعداً كل إرادة وقوة فاعلة على طول ذراعه وملتحفاً بنفسه المكتفية والمتوحدة فتنعي هنا أطفالاً ضائعين سقطوا من رحمها إلى ظلام البالوعات وبؤسها ، لنلتقي بأنثى تحول صراعها مع آخر متعين إلى صراع مع وضعية الأنثى في تكوينها البيولوجي ،سواءً أكانت الأنثى إلهة تجلب الفصول للأرض أو مجرد امرأة ، فتبرز أمام أعيننا في القصائد أو في وعينا بالأحرى ،قضايا البكارة التي ترمز للثقافة التي تضع الأنثى تحت سؤال دائم ومرعب، و أسئلة المرة الأولى للجنس وأتون الخصوبة والحمل والولادة والدورة الشهرية الخ ،كخلفية لا فكاك عنها ، تؤكد أصالة الجسد و واقعيته بالنسبة للمحاربة العظيمة أو لهذه الشاعرة التي تتزيَّا بالقصائد لتعيد الرسم من جديد أو حتى لتلك الروح الباحثة عن مجرد تربيتةٍ في ليلةٍ شتوية..
و للاختيار التشكيلي نصيب لافت في الحضور الإيروتيكي بمعناه الواسع ومتعدد الطبقات في هذا الديوان ولا عجب في ذلك فالإيروتيكية وجدت مجلىً واسعاً لها منذ العصور الموحشة في الحفريات الجريئة على الكهوف ثم على معابد بعض الديانات مروراً بالتماثيل الإغريقية وليس انتهاء بلوحات التصوير الزيتي في القرون الحديثة ، فالإبداع التشكيلي بما هو خلق ،فهو كشف للمستور وهتك للمحرمات في محاولة نفسية لإعادة صياغة الأجساد والأرواح عبر لملمة الأجزاء والأفكار والخيالات والأحلام المتناثرة ودمجها مرة ثانية عبر منظورات مختلفة، فتقدم الشاعرة في قصيدة "بين جناحيْ نعامة "المتماهية مع عمل للخزاف خالد سراج ، نصاً يدخل بحالة الأنوثة المفتقدة لدفء الاحتواء ،حيث اختارت البطلة الوقوف عارية بين جناحي نعامة ،لكنها لم تتمكن من الطيران ولا الارتواء ،بالضبط كالنعامة التي تمتلك جناحين لكنها لا تطير، وبالرغم من أن النعامة وهمية إلا الفزع القديم والخوف الدائم حقائق لا سبيل للتملص منهما، والشظايا التي تتكون منها نفسية الذات المضطربة ،ملموسة وتدمي للآن.. و كذلك قصيدة "المرأة ذات الوزن المرح"التي تفاعلت بها مع لوحة للفنان حسام صقر،حيث تبني مرآةً متخيلة لنفسها وتحدق، فترى أرطالاً من اللحم تصفه بالنيء الذي لم ينضج على نار الارتواء والشبع ،وتلمس روحها كذلك كيف أن الرجال عجزوا عن فك شفرات هذا الجسد والدخول من بوابته المدفونة بين الساقين ،المقموعة والمختفية في المسافة ما بين ستائر اللحم وتجاهل أو جهل ذلك الآخر، مما يخلف الندوب التي لا تنمحي أبداً ..و قصيدة "كالبرتقالي في ألفته" التي تفاعلت بها مع عمل آخر للفنان حسام صقر وكشفت فيها بجلاء عن رؤيتها لوضعيتها في هذا الكون وفي سر غرامها بالعالم الذي يتأتى على هيئة تشكيل ،فعندما تترك نفسك لِلَونٍ ما فإن هذا اللون يستعير دور الآخر الفاعل الذي تتوق إليه حتماً ويصيبك ساعتها باللذة وهي لذة آمنة وقابلة للتحوير الدائم والخلق، وعندما تمتلك تلك القدرة على الولوج في ذلك العالم الواقع بين التخييلي والواقعي فإنك تكون قادراً على التفكيك، تفكيك أجزاء نفسك المبعثرة ،بداية من الأعضاء المنقوشة على الكهوف إلى الأعضاء الحية التي قد تموت إذا لم يحدث لذراتها البناء الهادئ وفق كتالوج التعافي الروحي المتوهج على الدوام ...
في النهاية ، هل الاستسلامُ الكامل لشبق الأجساد والأرواح يُقدّمُ للشاعرة الدّفءَ والأمان، ويصنع لها حياةً تماثل ما تتمناه لنفسها حيث تحقق وتلمس ما تراه اكتمالاً ويخلق لها واقعاً لا يضغط على كوامن الإنسانية داخلها فيجعلها تصطدم بفكرة أنها قيمة مهدرة وسط مجتمع مهووس بالقمع؟ الإجابة هنا هي النفي ، حيث الاكتمال الوقتي الممتع لأقصى حد ،والذي ترصده القصائد بشغفٍ عبر الولوج للتفاصيل وإحصاء الذبذبات والدقات- من المحتم ستظهر حقيقته كمجرد نتوء وسط نهر الحياة ، كقيمة عابرة تجرح أكثر مما تساهم في الالتئام لأنها تفتح أفق التساؤل المر: لماذا لا يدوم الإحساس باللذة ولماذا يبدو الاكتمال على الدوام قصير العمر .. تقع الشاعرة على الدوام وسط موجات الملل الحاد وتحت ضغط الشعور بآلية قاسية حقاً لأنها بروحٍ منزوعة، لتعاني حيناً من الإحساس بالافتقاد والبحث الممض عن ترطيبٍ حيٍّ لأحاسيسَ تشرق على الدوام حتى أنها تُجهدها، وحيناً آخر من لحظات الاكتمال العظيمة في حد ذاتها لكنها لا تعدو إلا أن تكون رقصاتٍ بديعةً في فراغٍ بارد..