تطورات الحجة الغائية: من بالبوس الرواقي الى داروين (2)

يحيى محمد
2020 / 4 / 13

العلم الحديث والغائية
يمكن تقسيم علاقة العلم بالحجة الغائية الى جانبين: احدهما يندرج في صميم المنهج المتعارف عليه، فيما يندرج الاخر على حافة هذا المنهج لارتباطه المباشر بالحجة اللاهوتية. وهما جانبان لا يخلوان من بعض الارتباط. وتفصيل الحديث عنهما سيكون عبر هذه الحلقة وحتى نهاية البحث..

المنهج العلمي والغائية
من المعلوم انه قبل النهضة العلمية الحديثة كانت العلوم التجريبية خاضعة لفلسفة ارسطو والمسلمات الدينية، وكانت فكرة العلل الاربع هي المعول عليها في دراسة هذه العلوم، لكن الحال تغير منذ هذه النهضة، اذ اصبح المنهج العلمي كما رسمه فرانسيس بيكون يستبعد العلل الغائية والقضايا التي لا تخضع للتجارب والملاحظات، ضمن ما يعرف بالقضايا الميتافيزيقية. كما اصبح العلم مديناً للمنهج الاجرائي كما يتمثل في الملاحظة والتجربة والاستقراء. وكان من السهل تطبيق ذلك منذ البداية على العلوم الطبيعية المادية كالفيزياء والكيمياء، اما مسار علم الاحياء فقد اختلف عن ذلك تماماً، فلم يكن من السهل التخلي عن طابعه الغائي، وكان حينها في نزاع مع النهج الآلي او الفيزيقي واستمر الجدل بينهما ردحاً من الزمن، ومن ثم تمخض الحال الى التخلي عن التصور الآلي والنهج الاختزالي الفيزيقي، كما استبدل مفهوم الغائية بالوظيفية التي هيمنت على التفكير البايولوجي خلال القرن العشرين وحتى يومنا هذا..
ومن حيث التفصيل؛ ان التزام العلم بالطريقة الاجرائية الصرفة مع استبعاد القضايا التي لا تخضع للتجربة والملاحظة ولّد نزعة الية ميكانيكية صرفة. وقد يكون في وقت ما من الاوقات ان هذه النزعة مناسبة للمنهج العلمي لدى العلوم الطبيعية على شاكلة الفيزياء والكيمياء. فبدون هذه النزعة قد تنفذ العناصر الروحية والنفسية الى العلمين المشار اليهما مثلما كانت الفلسفات القديمة تميل الى ذلك.. لكن هذه النزعة قد امتدت الى علم الاحياء، فاصبح لا يختلف عن العلمين السابقين، بل ان مرده اليهما.. وبالتالي فمن وجهة نظر المذهب الالي انه لا توجد فوارق جوهرية بين المادة الحية والجامدة.
وقد كرس ديكارت هذه النزعة من عدم الفصل؛ عندما اعتبر الكائنات الحية باستثناء الانسان عبارة عن آلات مادية خالية من الروح.
لقد قابل التطرف الآلي الذي كرسه ديكارت ظهور مذهب جديد يدعى بالحيوي vitalism، ومن ثم شهد القرن السابع عشر والقرنين الذين تلاه تأرجحاً بين النزعة الالية والفيزيقية من جهة، والنزعة الحيوية من جهة ثانية. لكن الغلبة في اغلب هذه المدة كانت لصالح المذهب الحيوي.
وهناك من يلقي المسؤولية على ديكارت واتباعه الذين كرسوا المذهب الآلي خلال القرن السابع عشر ومن ثم الفيزيقي الاكثر تخصصاً باعتباره مبنياً على جملة قوانين راسخة، وهما في جميع الاحوال قد جعلا الكائنات الحية لا تختلف عن المادة الجامدة كآلات خالية من النفس او الروح، ومن ثم لا غنى من ان تخضع لقوانين الفيزياء والكيمياء فحسب. وهم يتهمون المذهب الغائي بأنه يشبّه الطبيعة بالانسان ومصنوعاته. ويقر المبدأ التفسيري العام للفيزيقيين باختزال ما في الكائن الى دائرة النشاط الميكانيكي للذرات. وهذا ما جعل تفاسير هذا المذهب تتصف بالسذاجة والقصور. فغالباً ما جاءت تصريحات الفيزيقيين في تفسير الظواهر الحياتية طبقاً للطاقة وحركة الذرات، وهي بالنتيجة اختزالية دون ان تفسر شيئاً من العمليات الحيوية للكائنات الحية. فالعلم المتعلق بهذه العمليات يصبح من وجهة نظر المذهب الاختزالي اشبه بجمع الطوابع حسب الوصف الذي ادلى به ارنست رذرفورد لكل علم باستثناء الفيزياء.
فمثلاً كتب دي بوا ريمون عام 1872 يقول: “ان فهم الطبيعة رهين بشرح كل ما في العالم من تغيرات كما احدثتها حركة الذرات”. كما ان عالم الكيمياء الفيزيائية ولهلم استوالد عرّف قنفذ البحر بانه “تجمع كميات من الطاقة ترابطت ثم استقلت”.
ان قنفذ البحر الذي تم تعريفه بانه مجرد طاقة متجمعة؛ كان السبب في تحول احد الفيزيقيين الى المذهب الحيوي، فقد قام عالم الاحياء والفيلسوف الالماني هانز دريش (1867-1941) بتجربة على هذا الحيوان واستنتج منها أن الحياة لا تدار بواسطة قوانين فيزيائية كيميائية، مستدلاً على ذلك بانه عندما يقطع المرء الجنين فان كل جزء ينمو إلى بالغ كامل.
ان اهم ما امتاز به المذهب الحيوي هو اعتقاده بوجود شيء لا تمتلكه المادة الجامدة، فمنذ اواسط القرن السابع عشر فما بعده، كان يعتقد ان هناك شيئاً حيوياً مائعاً يتوجب دراسته رغم خفائه، كالذي اكد عليه العالم الطبيعي الالماني بلومنباخ اواخر القرن الثامن عشر، فهو من هذه الناحية لا يختلف عن الخفاء الذي تمتاز به عدد من الحقائق الفيزيائية كالجاذبية مثلاً. وفي اوائل القرن التاسع عشر حاجج العالم الكيميائي جونس يعقوب بيرزيليوس Jöns Jakob Berzelius بأن هناك قوة تنظيمية يجب أن توجد داخل المادة الحية للحفاظ على وظائفها. لهذا توقع الكيميائيون الحيويون أن المواد العضوية لا يمكن تصنيعها من مكونات غير عضوية. كذلك قبل منتصف القرن التاسع عشر (بين 1833 و1844) كتب جوهانس مولر Johannes Müller كتاباً عن علم وظائف الأعضاء أظهر فيه التزاماته بالحيوية، وحدد السبب الذي يجعل المادة الحية تختلف عن المادة اللاعضوية وعبر عنها بالقوة الحيوية. وقد اصبح كتاب مولر رائداً ككتاب مدرسي في هذا المجال لجزء كبير من القرن التاسع عشر.
وبذلك اضحت هذه القوة بديلاً عن فكرة (المائع الحيوي) كتفسير لا غنى عنه لمظاهر الحياة المختلفة.
وقد لاقت فكرة القوة الحيوية لدى مولر قبولاً وترحيباً لدى الكثير من العلماء، ومن ثم اعتبر هذا المفهوم اقرب الى حقيقة البرنامج الجيني منه الى التفسيرات الضحلة التي قدمها الفيزيقيون من تلامذته المتمردين عليه، كالذي استعرضه عالم الحيوان والتاريخ الطبيعي ارنست ماير في كتابه القيم (هذا هو علم البايولوجيا).
وسواء فكرة المائع الحيوي او القوة الحيوية، فان سمة المذهب القائل بذلك تتسم بالغائية. فقد اعتبرت القوة الحيوية التي سادت ردحاً من الزمن علة تستهدف انتاج المظاهر الحيوية والسلوكية المختلفة لدى الكائنات الحية. الامر الذي يميزها عن المادة الجامدة. وبالتالي فان مذهب القوة الحيوية يتسق مع فكرة الحجة الغائية التي يدعو اليها اللاهوتيون، مثلما يتسق المذهب الالي والفيزيقي مع الفكر المادي واستبعاد القضايا الميتافيزيقية. لذلك ذكر ارنست ماير بان كتابات معظم الحياتيين فيها ارتباط واضح بالمذهب الغائي.
ومن الاهمية بمكان الاشارة الى انه ليس كل من يؤمن بالمنهج الالي يستلزم انكار اللاهوت او نفي تأثيره تماماً. فمن المعلوم ان علماء النهضة العلمية وعلى رأسهم نيوتن وغاليلو كانوا يطبقون النهج الالي في تصوراتهم ونظرياتهم حول الطبيعة وقوانينها الفيزيائية، لكنهم في الوقت ذاته يؤمنون باللاهوت. فالتفسير الآلي لم يمنع من الاعتقاد بوجود الاله، لكنه اله متعال يفترض ان لا يتدخل في تفاصيل الطبيعة، بل يكتفي فقط بالنفخة الاولى للنشئة الكونية. ومع ان علماء الطبيعة الميكانيكيين لم يكونوا جميعاً مخلصين لنهجهم الالي المعتمد على استبعاد الافتراضات الميتافيزيقية، الا ان المبدأ العام كان يدعو الى هذا الطرح، لذلك اعاب لابلاس على نيوتن وسعى الى تصحيح الرؤية الكونية بعيداً عن افتراضات الاخير الميتافيزيقية في التدخل الالهي المستمر لتصحيح المسار الكوني كما في النظام الشمسي، رغم انه لم يكن منكراً للاله كما قيل.
وعموماً ان المسار العام للعلوم الطبيعية اخذ ينظف ما يطلق عليه اله الفجوات، وبقي الخلاف محصوراً فقط حول النشئة الكونية إن كانت تحتاج الى اله ام لا.
كذلك ليس كل من يؤمن بالمنهج الغائي يقتضي منه الاعتقاد باللاهوت او مطلق الاله. فمثلاً ان توماس ناجل هو مفكر طبيعي لا مادي، فرغم انه ملحد لكنه في كتابه (العقل والكون) الصادر عام 2012 اعلن عن افلاس المادية بما فيها المادية الداروينية، ورأى ان في الطبيعة غائية جوهرية متأصلة دون حاجة لافتراض الالوهة. فالطبيعة بنظر ناجل اكثر من مجرد مادة، وهو يصف القوانين الغائية كقوانين تنظيم ذاتي للمادة في الاساس، وهي تختلف عن القوانين الفيزيائية والكيميائية، باعتبارها ليست حتمية، بل تسمح بكثير من الحرية للطبيعة لتُظهر الصور الغائية. وناجل من هذه الناحية يتفق مع بعض الالهيين الذين يرون ذات الشيء من ان الغائية هي خاصية متأصلة في صميم الطبيعة، وهي نظرية نجدها لدى بعض علماء القرن التاسع عشر من معارضي الفكر الدارويني مثل ريتشارد اوين، ويشاركهم في ذلك بعض العلماء المعاصرين المؤيدين لفكرة التصميم الذكي مثل مايكل دنتون.
لقد شهد القرن التاسع عشر احداثاً مثيرة متعارضة ازاء كل من المذهب الحيوي والفيزيقي. فبعضها قد مثّل انتكاساً للمذهب الحيوي، فيما كان البعض الاخر نصراً معززاً له. فبعض التجارب جاءت على خلاف توقعات هذا المذهب وتعزيزاً للمذهب الفيزيقي المعارض له، وادى ذلك الى انهاء سيادته الممتدة على طول المدة منذ عام 1780 وحتى عام 1828، وإن لم يتم القضاء عليه. فقد جاءت تجارب انتاج اليوريا التي قام بها فردريك فولر عام 1828 على خلاف اعتقاد المذهب الحيوي باستحالة انتاج المواد العضوية من مواد غير حية.. وهي تجارب قد اثرت على الاعتقادات المتعلقة بنشأة الحياة، حيث المتصور ان هذه النشأة امر سهل للغاية من خلال تفاعل عدد من العناصر الكيميائية الضرورية ضمن ظروف بدائية خاصة. ومع ذلك لم ينتهِ وجود المذهب الحيوي رغم النكسة الموجعة التي احدثتها تجارب فولر.
كذلك ان لظهور كتاب (اصل الانواع) لتشارلس داروين عام 1859 اثراً صادماً للاطروحة الحيوية ومجمل التفاسير التي تتبنى الاعتقادات الغائية. فقد كانت النظريات التي سبقت مذهب داروين تعتبر التنوعات الحية موجهة وغائية، سواء تلك التي تعترض على نظرية التطور، او التي تدعم هذه النظرية، مثل مذهب العالم الفرنسي لامارك الذي يعتقد بوجود دوافع حيوية داخلية تعمل على توجيه التطور.
وعليه فقد دشنت الداروينية تاريخاً جديداً في تفسير الحياة بالطرق المادية من العوامل الكيميائية والفيزيائية والبيئية ما لا يدع فرصة لافتراض العناصر الغائية والميتافيزيقية. وما زال اثرها قوياً حتى يومنا هذا..
يضاف الى ذلك انه في اواسط القرن التاسع عشر تمخضت الانتصارات في مجالي الفيزياء والكيمياء الى انبعاث فيزيقي جديد في البيولوجيا لدى المانيا لازدهار علم الحياة فيها. الامر الذي عزز عدم وجود فوارق جوهرية بين المادة الحية والجامدة. وخلالها برز علماء عديدون يهاجمون الحياتيين لاستشهادهم بالقوة الحيوية باعتبارها قوة ميتافيزيقية غيبية.
لكن في قبال تلك الانتكاسات اظهرت تجارب لويس باستور (1822-1895) انتصاراً للمذهب الحيوي، اذ تم القضاء على فكرة التحول الذاتي من المادة الجامدة الى المادة الحية، فالحي لا يأتي الا من حي.. وهي نتيجة صادمة للمذهب الفيزيقي، ومن ثم اظهرت هذه التجارب انها مكافئة لتجارب انتاج اليوريا من حيث اثرهما الصادم والمعاكس على المذهبين المتنافسين.
لقد ولّد الصراع بين النزعتين الغائية والفيزيقية بعض الاقتراحات الرامية الى وضع تفاسير متكافئة بين الجانبين المادي والغائي او الوظيفي.. كالذي استعرضه فيلسوف العلم ارنست نيكل. فمثلاً فيما يخص العملية الحيوية للتمثيل الضوئي يمكن التعبير عنها بتعبيرين متكافئين، احدهما غائي واخر فيزيقي، وذلك كالتالي:
التعبير الحيوي الغائي: “إن وظيفة الكلوروفيل في النبات هي تمكينه من أداء التمثيل الضوئي”.
التعبير الفيزيقي: “إن احتواء النبات على الكلوروفيل شرط ضروري لقيامه بعملية التمثيل الضوئي”. او القول: “لا يقوم النبات بعملية التمثيل الضوئي ما لم يحتو على كلوروفيل”.
ففي التعبيرين السابقين يوجد تكافؤ في ذات القضية، احدهما يشير الى الغائية الوظيفية والاخر يكتفي بصياغتها بشكل فيزيقي خالٍ من الوظيفة والغائية.
وعلى هذه الشاكلة يمكن التعبير عن قضية حيوية اخرى هي ما يتعلق بوظيفة الكريات البيضاء، حيث يمكن طرح عبارتين متكافئتين كالتالي:
التعبير الحيوي الغائي: “ان وظيفة الكريات البيضاء في الدم البشري هي الدفاع عن الجسم ضد العضويات الدقيقة الغريبة عنه”.
التعبير الفيزيقي: “ما لم يحتو الدم على عدد كاف من الكريات البيضاء فان الضرر يحل على انشطة الجسم العادية”.
ويلاحظ ان التعبيرين متكافئان. لكن بحسب ارنست نيكل فان هذا التكافؤ المقترح بين التفسيرين الغائي واللاغائي يواجه اعتراضاً اساسياً، وقد يكون جلّ علماء البايولوجيا على استعداد لقبول اعتبار التفسير الغائي يستلزم تفسيراً لا غائياً، بيد ان البعض منهم سينكر قدرة الثاني على استلزام الاول. ومن ثم لا يعد التكافؤ المقترح صحيحاً.
يبقى ان هذه مجرد تعابير لغوية ليس بالضرورة انها تطابق ما هو حقيقي، بدلالة ان العلماء يرفضون تطبيقها على القضايا الكونية، بحيث تعتبر كل قضية كونية معبرة عن تعبيرين احدهما غائي والاخر فيزيقي. ومن ذلك ان ما يعزى للشمس من وظيفة مثلاً هو امر ينافي العقل، فالشمس ومجموعتها لا تقيم اعتباراً للحفاظ على ذاتها عند التغيرات البيئية، فهي ليست كالجسم البايولوجي المستقل نسبياً عن البيئة. وبالتالي لا يحبذ الفيزيائيون اللغة الغائية، ويتعلق السبب جزئياً بخشيتهم من انه لو لم يتم جعلها دقيقة بشكل محكم عبر استعمال صياغات تكميمية فانها ستكون مدعاة لسوء الفهم؛ لايحائها بعمليات قصدية.
مع هذا ظهر منذ ستينات القرن العشرين وحتى يومنا هذا نزعات فيزيائية تدعم فكرة الغائية كتخطيط عام مسبق، دون ان يتعلق بالظواهر الجزئية للكون والحياة، باعتبارها تفتقد الى الحياة والقصد والوعي.
للبحث صلة..

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا