ترامب... البطل الشعبي العنصري

مختار سعد شحاته
2020 / 4 / 12

شكل صعود الملياردير الأمريكي "دونالد ترامب" مفاجأة صاعقة لكثيرين في العالم وليس لملايين الأمريكيين الذين خرجوا إلى الشوارع رافضين نتيجة الانتخابات التي وضعته على رأس سدة الحكم لأكبر قوة عسكرية في العالم، وفي مشهد غريب على الشارع الأمريكي في هذه الزاوية –الانتخابات- كاد أن يتماهى البعض في تصوراته بأنه ثمة إرهاصات لثورة ستجتاح الولايات المتحدة بعد إعلان نتائج الانتخابات. فلماذا خرج هؤلاء الملايين الرافضين نجاحه قبل سنوات إلى الشوارع مطالبين بما يشبه الشعار العربي الذي اجتاح ما يُعرف ببلدان الربيع العربي (الشعب يريد إسقاط النظام)؟
هل يتم انتخاب ترامب مجددًا؟
قال توماس هيلاند إريكسون في كتابه "الغليان" ما نفهم منه أن التسريع هو المشكل للحركة العالمية، والتي صارت خارجة عن السيطرة تمامًا، وهو ما يجعل أي محاولة لإيقاف هذا التسريع بمثابة قرار بانهيار ضخم، فلا يد لأحد إزاء ما يحدث، وهو ما يجعلنا نفهم أن فوز "ترامب" إنما كان لقوة خارجة عن أي إرادة، فالرجل في النهاية تاجر في سوق الرأسمالية الخارج عن السيطرة المطلقة، التي تفرض طبيعة حركتها حالة من اللاحتمية والغموض الشديد، التي أزكاها مشاعر الخوف والغضب والتي أراها بالأساس هي ما دفعت برجل يأتي بخطاب شعبوي شديد العنصرية في كثير من مفرداته نحو الجلوس في البيت الأبيض، وهو ما أشارت إليه كثير من الاستطلاعات بأن تزايدًا واضحًا في مشاعر الغضب داخل الشارع الأمريكي باتت هي المسيطرة على قطاع عريض من هؤلاء الذين يعانون من حركة الرأسمالية المتسارعة التي لا يمكن السيطرة عليها، إذ هاجرت كثير من الصناعات إلى المكسيك وآسيا، فصارت مدنًا بأسرها تشبه مدن الأشباح، وهو ما زاد من نسبة البطالة، وسيطرة مشاعر الخوف والغضب. ربما تعيد أزمة كورونا قضية انتخاب ترامب لولاية جديدة إلى الواجهة بعد ما شهدته الولايات المتحدة من تصريحات ترامب وما يفعله من خطوات رآها البعض متأخرة جدًا إذا ما قورنت بدول أخرى سبقتها في مواجهة الوباء إلى الحد الذي يجعل الحكومة الامريكية تستولى على شحنات إغاثة طبية في طريقها لواحدة من الدول المنكوبة، بل وتفعل ذلك وتبرر له بمنطق وضمير مرتاحين للغاية. فهل يمكن لهذه التصرفات أن تعيد انتخاب ترامب من جديد كقضية ذات اولوية في عقل الناخب الامريكي بعد تلك الازمة وتفشي الوباء، وهل ستظل سياسات ترامب في عقل الناخب الأمريكي؟

موت الرجل الأبيض:
الحقيقة أن هناك ظرفًا آخر دفع بهذا الرأسمالي المتعصب يمكن أن نقرأه من خلال ظاهرة يسميها البعض "موت الرجل الأبيض الأمريكي"، فمع تزايد معدل الوفيات في هذه الشريحة داخل المجتمع الأمريكي، ومع تزايد حركة الهجرة نحو أرض الأحلام، وتولد شعورًا بالخوف أن يفقد العرق الأبيض الذي يتجه نحو أن يكون أقلية مستقبلية؛ بدأ البعض من أمثال "ترامب" استغلال ذلك في خطاب بدا مسيطرًا ومعتمدًا على هذا الخوف المتنامي خاصة في طبقة العاملين من الرجال غير المثقفين، والذين تملكتهم مشاعر الغضب والخوف نحو المؤسسات وسياساتها التي بخرت أحلام الكثير بعد أن خرجت الصناعات الكثيرة إلى خارج حدود الولايات المتحدة الامريكية. ويؤكد نعوم تشومسكي ذلك بقوله أن هؤلاء الغاضبين "الذين يعانون من الفقر، فهم غارقون في العجز والغضب، ولايجدون من يوجههم للتصدي للمؤسسات التي تدمر حياتهم والعالم، وإنما يجري توجيههم لتفريغ غضبهم نحو من هم ضحايا مثلهم"، وهو ما ولد تلك الموجة من العنصرية الفجة التي صعدت بالرجل إلى البيت الأبيض، ليضع الجميع في حالة من الدهشة حول إشكالية تلك البلد الكبرى التي اعتمدت على حركة المهاجرين بشكل كبير في بناء اقتصادها، وكيف تنامت عنصرية ما تجاه هؤلاء المهاجرين وصارت خطرًا على حرياتهم وحياتهم في أرض الحريات والأحلام.
القائد الشعبوي الجديد:
تزامن مع ذلك الصعود العنصري تصاعد اليمين المتطرف في أوربا، واعتماد صورة القائد "الشعبوي" المدافع عن أصالة العرق بادعاءات براقة وغير حقيقية، وهو ما زاد من التوتر والقلق في أوربا بل والعالم بشكل عام، إذ تم تقديم هذه العنصرية باعتبارها نموذجًا لذلك البطل "الشعبوي" الجديد الآن، والذي جعل البعض يصف الحداثة بأنها مشروع عنيف ومتطرف، بما ينتجه من تلك المشاعر المركبة من الخوف والقلق، وهو بالنهاية ما جعل أسهم الخطاب العنصري ترتفع، وجاء بترامب إلى رأس السلطة، وبات مؤشرًا لمجيء آخرين في دول أوربية، استثمروا في حالة الغضب، أطلقوا أحكامهم القاسية إزاء كل من يخالفهم عرقًا وتوجهًا وعقيدة، وهو ما يمكننا من فهم تلك الموجة العدائية تجاه المسلم في الغرب وأمريكا بشكل ما.
انقلاب رأسمالي كبير:
لقد ساعد الرجال غير المثقفين على ذلك الصعود العنصري لليمين المتطرف، والذي تزامن مع ما يمكن تسميته بانقلاب رأسمالي كبير، أمام عجز واضح للمؤسسات عن مقاومته، بل ويحميه دستور البلاد بشكل ما، وهو ما كوّن تهديدين أساسيين لصعود ترامب، الأول تمثل في تلك الوعود المتناقضة التي تصدر لخطاب وقف الهجرة والعداء للمسلم، وهو ما يتناقض مع نصوص الدستور التي تمنع ذلك، وأما التهديد الآخر فتمثل في دائرة المستشارين المحيطة بالرجل والتي أوضحت تصريحاتهم ومواقفهم بأنهم من دعاة نظرية المؤامرة، فتجيء تصريحاتهم فجة وصادمة، ولنأخذ لذلك مثلاً من تصريحات "مايكل فلين" –مستشار الأمن القومي لترامب- حول الإسلام ووصفه بأنه "السرطان الخبيث"، وأن سياسات أوباما جعلت الولايات المتحدة "مرتعًا للإرهابيين"، وعلى ذلك يمكن قياس تصريحات مجموعة المستشارين حول الرجل الذي يضع يده على أكبر ترسانة أسلحة في العالم، كما تفهم تلك التصريحات بشكل مباشر لا لبس فيه، بأن الإدارة الحالية للرئيس ترامب تدعم الديكتاتورية العسكرية وتمثل دعمًا للفاشية العسكرية في بعض الدول. لم يصل الأمر إلى ذلك إنما وانطلاقًا من نظرية المؤامرة وصل الأمر أن يصرح أحد مستشاريه بأن نظرية الاحتباس الحراري والتغير المناخي ليست إلا خدعة تم اختراعها من أعداء أمريكا –ويقصد هنا الصين- لأجل ضرب الاقتصاد الأمريكي.
نظرية المؤامرة وتهديدها المستمر:
لعل أخطر ما مثله فوز ترامب برئاسة الولايات المتحدة هو ما يمثله بعنصريته للديمقراطية الحقيقية التي يحميها الدستور، وكذلك الحالة الأنانية للحكم التي ترفض مجرد النقد والمراجعة، وما يبثه من خطاب ونظرة أحادية تجد لها صدى في عالمنا العربي بشكل خاص، مضافًا إليه ما يمثله الرجل من تهديد حقيقي للمؤسسات التي تعتمد عليها دولة مثل أمريكا، وهو ما يمثل تهديدًا لمفهوم دولة المؤسسات التي يحميها الدستور، وهو ما يهدد بإطلاق قوة غاشمة وباطشة داخل وخارج الولايات المتحدة، وبث حالة من التهديد المستمر لكل المخالفين لنظرية المؤامرة الكبرى التي يتبناها الرجل ومستشاريه.
ذلك كله سيلقى بظلال على العالم بشكل عام وعلى المنطقة العربية بشكل خاص، التي تتوسطها حكومة عنصرية في الكيان الصهيوني تتماهى مع ذهنيات مستشار ترامب للشرق الأوسط "وليد فارس" الموصوف بأنه "عراب إسرائيل" وصاحب الأطروحات المعادية للإسلام والمسلمين، وهو ما يمنح إسرائيل غطاءً ودعمًا لمزيد من التنكيل والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولن تسلم من تلك الحالة بلدان أخرى اعتمدت على سياسة الاستقطاب الشديد، ورأت في صعود متعصب مثل ترامب دعمًا لحكمها بصورة ما، وتزيد من فرص الانتهاكات لحقوق الإنسان والتنكيل بالمعارضين الذي يتدنى في أحد مستوياته كما فعل ترامب في خطابه في حفل التنصيب برئاسة الولايات المتحدة وأمام وسائل الإعلام.
السؤال الأهم، هل مثل هذا الرجل الرأسمالي الذي يرى في الجميع –ممن يرفضون سياساته وخطابه ويؤمنون بحقوق الإنسان والحريات- عدوًا يقف ضد طموحاته وسياساته، هل يمكن أن يسلم العالم من تهوره وعصبيته؟ وهل حان الوقت للعالم أن يقف لمراجعة كثير من المسلمات التي يتعامل معها الآن؟
أتمنى.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان