هل سيتكرر عالم ثلاثينيات القرن20؟

رابح لونيسي
2020 / 4 / 12


يركز العالم اليوم كل جهوده على تجاوز وباء كورونا لإنقاذ حياة البشر، وهو ما سيتم بفضل جهود العلماء لإيجاد الدواء كما نجح من قبل لويس باستور وروبرت كوخ وغيرهم في مواجهتهم للأوبئة المعدية، لكن ما يؤسف له هو ما موقع مجتمعات منطقتنا من كل هذا النقاش والمجهود العالمي حول مواجهة هذا الوباء لإنقاذ البشرية، لكن هذا لايعني أبناء منطقتنا المهاجرين المساهمين في هذا النقاش العالمي، كما بينت ذلك زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى مخبر ديدي راهول، لكن لو لم ينتقل هؤلاء إلى الغرب أين وجدوا البيئة الملائمة لتفجير طاقاتهم العلمية لضاعوا في بلدانهم الأصلية المعروفة بتضييعها لعبقرياتها من طرف أنظمة يتحكم فيها الجهل ومعادية للعقل ولكل فكر عقلاني وعلمي ومشجعة للدروشة والخزعبلات كي تبقى في السلطة، هذا إن لم نذهب أبعد من ذلك، فنقول أن هناك تواطؤ من هذه الأنظمة العميلة للغرب في معظمها لدفع طاقاتنا البشرية للهجرة إلى الغرب مقابل مصالح مادية وسلطوية.
ففي الوقت الذي أنشغل فيه العالم بإيجاد حلول وأدوية لمواجهة هذا الوباء العالمي تناسى الجميع ومنهم خبراء المستقبل التساؤل عن ماذا سيحدث بعد إنحسار هذا الوباء، فقد أشرنا في مقالات سابقة بأن تحولات كبرى ستحدث، بل إمكانية قيام حضارة جديدة معتمدة تماما على تكنولوجيا الإتصالات لتجنب التقارب والإحتكاك بين البشر كي لاتنتقل العدوى، أي فرض التعامل عن بعد في كل المجالات، لكن سيكون ذلك في حالة إستمرار هذا الوباء مدة طويلة جدا، لكن في حالة العكس، فإن تغيرات وتحولات أخرى ستحدث على الصعيد الإقتصادي، فكلنا نعلم اليوم توقف نسبي لعمليات الإنتاج، مما سيؤدي إلى أزمة إقتصادية حادة ونقصان المواد الإستهلاكية، وممكن نشوب صراعات مسلحة على المتوفر من هذه المواد، خاصة الغذائية منها، وقد بدأت مظاهر ذلك بداية من المستلزمات الطبية قبل إنتقالها إلى مواد أخرى من خلال قرصنة بعض الدول للمستلزمات الطبية لمواجهة هذا الوباء.
سيعرف العالم بعد إنحسار الوباء أزمة إقتصادية حادة شبيهة إن لم تكن أكبر بكثير من أزمة 1929، فإن كانت هذه الأخيرة تدخل ضمن الأزمات الدورية للرأسمالية العالمية التي تحدث بعد كل سنوات بسبب طبيعة الرأسمالية ذاتها المبنية على العرض والطلب، وكنتيجة لتضخم الإنتاج بسبب قلة الطلب سينشأ كساد إقتصادي، فتغلق المصانع، وتنتشر البطالة كما وقع في ثلاثينيات القرن20، لكن ما يعرف عن الرأسمالية العالمية أنها كلما دخلت في أزمة أو هددها خطر تعرف كيف تخرج منها بأسلوب أو بآخر، فتنقذ نفسها، وعادة ما يصحب ذلك تحولات كبرى النظام العالمي والعلاقات الدولية، فالأزمة الدورية الأولى للرأسمالية التي جاءت بعد عقود من بدايات الثورة الصناعية في النصف الثاني من القرن18 أنتجت الإستعمار الأوروبي الحديث بكل صراعاته وبإحتلال عسكري لبلدان ضعيفة بحثا عن الأسواق والمواد الأولية ومناطق للإستثمار حسب تحليل البريطاني هوبسن في كتابه "في الإستعمار" عام 1902، وكذلك لنين في كتابه "الإستعمار أعلى مراحل الرأسمالية"، أما أزمة عام 1929، فقد أنتجت الحرب العالمية الثانية بعد صعود أيديولوجيات فاشية مستغلة تلك الأزمة الإقتصادية كما وقع في ألمانيا مع هتلر الذي وصل إلى السلطة في1933 بإستغلال البطالة والبؤس الناتج عن تلك الأزمة إضافة إلى الإهانة التي ألحقت بالمانيا في مؤتمر فرساي1919، ونجد نفس الأمر تقريبا في إيطاليا مع موسوليني الذي وصل إلى السلطة في 1922 مستغلا الأزمة الإقتصادية التي عرفتها إيطاليا بسبب الحرب العالمية الأولى.
فقد كانت الأزمات الإقتصادية والإجتماعية أحد الأسباب الرئيسية لصعود الأيديولوجيات الفاشية إلى السلطة التي ستهدد السلم العالمي فيما بعد، فهذا السيناريو غير مستبعد في عدة دول بعد إنحسار وباء كورونا وظهور أزمة إقتصادية حادة، ومن الدلائل على ذلك عودة خطاب عنصري مخيف في عدة دول وسماعنا للبعض من صناع الرأي في الغرب يتحدثون عن القيام بتجارب علاجات ضد كورونا على الأفارقة كأنهم فئران تجارب في ظل صمت العالم، وهو في الحقيقة مجرد بداية صعود لتفكير عنصري إستعماري فاشي جديد يحتقر الشعوب الأخرى كما كانت تحتقرها النازية الهتلرية في ثلاثينيات القرن20، ويخشى أن يزداد هذا الفكر العنصري والإستعلائي إنتشارا إذا نجح الغرب في إيجاد الدواء لكورونا، فيسعى إلى إبراز ذاته أنه منقذ للبشرية وأنه أعلى ذكاء من الآخرين، خاصة أن البعض في منطقتنا يساعدونهم على ذلك ويعطون لهم مبررات دون وعي منهم، فهل من المعقول أن يتحدث العالم عن علماء الطبيعة والتكنولوجيا ويتناقش عن طرق لمواجهة هذا الوباء في الوقت الذي يركز البعض عندنا على ما يسمونهم ب"علماء الدين" الذين سيطروا على الفضائيات بدل العلماء الحقيقيين، فتجدهم يتحدثون عن الوباء وكيفية مواجهته لدرجة تكريس فكرة أن العالم هو عالم الدين، بل يتناقش البعض عندنا للأسف الشديد عن صيام رمضان من عدمه مستعينين في ذلك بما يسمونهم بعلماء الدين كأنهم هم الأطباء الذين يعرفون هل فعلا الصيام يؤثر سواء سلبا أو إيجابا في الحد من إنتشار وباء كورونا. أننا إذا واصلنا على هذا التفكير سيحتقرنا العالم أكثر، وسيضعنا في الدرجة الدنية من الإنسانية، وهو ما سيعطي مبررات للغرب لإستعمارنا لأننا لانستحق الحياة في نظرهم، وأننا عالة على البشرية، خاصة إذا أستغلت الأزمة الإقتصادية والإجتماعية لنشرالأفكار المتطرفة المنتجة للإرهاب عندنا كما وقع في ثمانينيات القرن ،20 مما سيعطي مبررات أكثر للغرب لإستعمارنا من جديد لمواجهة الإرهاب العالمي، فهذا كله سيدفعنا إلى التساؤل: ألا يمكن أن تحل الرأسمالية العالمية أزمتها الجديدة الناتجة عن وباء كورونا بإستعمارنا من جديد كما فعلت في القرن19؟.
فإن كانت أزمة1929 أحد أسباب الحرب العالمية الثانية في أوروبا فإن هذه الأزمة القادمة بسبب وباء كورونا ستؤدي إلى حرب في شرق آسيا، فكل العالم يلاحظ الصعود الصاروخي للصين الشعبية إقتصاديا منذ سنوات بفعل الإصلاحات التي جاءت بعد وفاة ماوتسي تونغ المبنية على تشجيع الإستثمارات الخاصة والجماعية، بل تم دفع رجال السلطة أو ما يسميهم اليوناني كاستروياديس بالبرجوازية البيروقراطية، وهم الذين أستفادوا ماليا من نفوذهم أثناء حكم ماوتسي تونغ إلى الإستثمار في القطاعات المنتجة بدل إسترجاع الدولة لما نهبوه من أموال بأساليب ملتوية، وتم ذلك بنفس طريقة دفع الأمبرطور الميجي في اليابان للساموراي إلى الإستثمار في الصناعات بعد1868، مما حول اليابان إلى قوة صناعية مثل الصين اليوم التي أصبحت جالبة للمستثمرين بما فيهم الأمريكيين بسبب رخص اليد العملة والسوق الواسعة.
أن حديثنا عن الصين واليابان يدفعنا إلى تسجيل ملاحظة مهمة جدا، وتتمثل في تعاطف شعوب منطقتنا مع الصين الصاعدة اليوم كما تعاطفت مع اليابان عندما أنتصرت على روسيا القيصرية في1904، حيث كتبت الكثير من القصائد الشعرية في ذلك، وعلى رأسهم حافظ إبراهيم، ويعود هذا التعاطف إلى أفعتقاد بانها من شعوب الشرقن هذا من جهة، ومن جهة اخرى إلى وجود رغبة للإنتقام من الغرب ومن روسيا القيصرية المستعمرة لبلاد إسلامية آنذاك، ولايهم ان تم ذلك بواسطة اليابان في الماضي والصين اليوم،فلنشر أن شعوب منطقتنا ليست لها عداوة تاريخية مع هاتين الدولتين، فهذه الرغبة في الإنتقام من الغرب أسبابها دينية، وكذلك تاريخية كالإستعمار والحروب الصليبية وغيرها، إضافة إلى إعتقاد شعوب المنطقة، بأن هذا الغرب هو سبب تخلفها وبؤسها، فهذا الموضوع يحتاج إلى تفصيل أكثر ليس هنا مجاله .
لكن ما يخشى من هذا التعاطف هو أن يتخذ كذريعة غربية لإستعمارنا أيضا كحل لأزمة الرأسمالية العالمية كما وقع في القرن19، فلنضع في ذهننا مقولة صموئيل هنتنغتون في كتابه "صدام الحضارات" أين يحذر الغرب من تحالف الحضارتين الإسلامية والكنفوشيوسية(أي الصينية) ضد الغرب، ألا يخشى إتخاذ ذلك ذريعة ومبرر لغلق طرق المواصلات ومنع الطاقة والأسواق عن الصين الشعبية التي أصبحت منافسة قوية للولايات المتحدة الأمريكية في إطار الصراع حول الزعامة العالمية، فمن غير المستبعد أن يكون هذا الوباء سببا لعداء علني للصين، خاصة بعد الترويج أنها وراء فيروس كورونا الذي تمكنت من القضاء عليه بعد مدة في الوقت الذي لازال العالم يصارعه في كل مكان، وما يدعم لهذا الترويج هو تحول الصين إلى المصدرة الرئيسية، إن لم نقل الوحيدة لكل المستلزمات الطبية لمواجهة الوباء، فكانها حضرت لذلك منذ مدة طويلة، كما ربطت أثناء هذا الوباء علاقات قوية مع عدة دول في منطقتنا، وعززت مكانتها لدى شعوبها.
ومن الممكن جدا في حالة صعود قوي للصين، فتهدد زعامة أمريكا للعالم أن تلجأ هذه الأخيرة إلى إشعال حرب عالمية في شرق آسيا شبيهة بالحرب العالمية الأولى أو الثانية في أوروبا، فما لايعلمه الكثير هو أن العلاقات الدولية في شرق آسيا تشبه إلى حد كبير العلاقات الدولية في أوروبا القرن19 المبنية على توازن القوى المتصارعة الذي حدد في مؤتمر فيينا1818 على يد النمساوي مترنيخ، ويخص هذا التوازن خاصة كل من فرنسا وألمانيا مع دولة جزيرية تلعب دور الحكم للحفاظ على هذا التوازن الأوروبي، وهي أنجلترا بحكم موقعها كجزيرة منعزلة يهددها أي محاولة لسيطرة دولة واحدة على أوروبا القارية.
أن هذا الوضع الأوروبي في القرن19 هو القائم اليوم في شرق آسيا، فمن يعتقد أن الصين بإمكانها الصعود إلى الزعامة العالمية، فهو مخطيء في حساباته لعدة أسباب، وعلى رأسها أن الصين محاطة بعدة دول معادية لها لأسباب تاريخية وحدودية وجيوإستراتيجية، ومنها اليابان والهند والفيتنام دون نسيان تايوان التي هي عبارة عن قاعدة عسكرية أمريكية، وأي صعود للصين معناه إختلال هذا التوازن الذي تحرص عليه أمريكا بتواجدها في المنطقة عسكريا، خاصة في اليابان وتايوان، فقد سعت أمريكا بنصيحة من بريجنسكي وكيسنجر للعب دور التوازن في شرق آسيا وإحتواء الصين، لكن لو أصبحت أمريكا مهددة في الزعامة من الصين، فإنها ستتخلى عن حفاظها على هذه التوازنات في شرق آسيا، مما سيؤدي إلى حرب عالمية بين هذه الدول المتصارعة في المنطقة، خاصة أن الصين لها طموحات كبرى مثل طموحات ألمانيا قبل 1945 في أوروبا، وهو ما سيحطم الصين في النهاية، وتخرج أمريكا مستفيدة مرة أخرى كما استفادت من الحرب العالمية الثانية التي دمرت أوروبا.