هل تملك محكمة الجنح سلطة التدخل تمييزاً بقرار قاضي التحقيق بالإحالة؟

سالم روضان الموسوي
2020 / 4 / 11

يرى اغلب من كتب في فقه أصول المحاكمات الجزائية إن محكمة الجنح لا تملك سلطة التدخل تمييزاً بقرار الإحالة الصادر عن قاضي التحقيق، لان هذه السلطة منحت لمحكمة التمييز الاتحادية بموجب أحكام المادة (264) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل ومحكمة الجنايات بصفتها التمييزية على وفق أحكام المادة (265) أصول جزائية في القرارات الصادرة عن قاضي التحقيق وفي قرارات محكمة الجنح الصادر في دعاوى المخالفات، ويقصد بالمخالفات الجرائم التي لا تزيد عقوبتها عن الحبس لمدة ثلاثة أشهر وعلى وفق حكم المادة (27) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، ومن ثم منحت صلاحية التمييز في قرارات محاكم الجنح ومحاكم الأحداث في دعاوى الجنح إلى محكمة الاستئناف بصفتها التمييزية وعلى وفق أحكام قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 104 لسنة 1988 المعدل، وهذا الحصر في سلطة التدخل التمييزي شكل عائق أمام محكمة الجنح في تدارك النقص الوارد في قرارا الإحالة الوارد إليها من قاضي التحقيق، فضلاً عن عدم وجود مكنة لها في الطعن بهذا القرار أمام محكمة الجنايات بصفتها التمييزية لأنها ليست بطرف من أطراف العلاقة الذين منح لهم الحق حصرا في الطعن التمييزي وعلى وفق أحكام المادة (249) أصول جزائية، وتستمر محكمة الجنح أحيانا في إجراءات المحاكمة مع وجود النقص ويبقى ذلك الأمر لحين الطعن في القرار النهائي، إلا إذا تم الطلب بالتدخل التمييزي من إطراف العلاقة ومنهم الادعاء العام، وكثيراً ما يستنجد قاضي محكمة الجنح بزميله القاضي المنتدب للادعاء العام لطلب التدخل من محكمة الجنايات في قرار الإحالة، لكن محكمة الجنح لا قدرة لها على فعل ذلك، إلا أن لمحكمة الجنح بعض السلطة في التدخل بقرار الإحالة الصادر من قاضي التحقيق في الدعاوى الموجزة وهي تلك الدعاوى التي تكون فيها مادة الاتهام مخالفة وعلى وفق أحكام المادة (134/ب) أصول جزائية، وفي هذه الحالة يكون لقاضي محكمة الجنح سلطة إعادة الدعوى إلى محكمة التحقيق لإكمال ما تراه محكمة الجنح وعلى وفق أحكام المادة (204/آ) أصول جزائية التي جاء فيها الآتي (ذا وجدت المحكمة في دعوى المخالفة المحالة عليها بصورة موجزة إن الجريمة المسندة إلى المتهم جنحة فلها إن تنظر الدعوى بصورة موجزة أو غير موجزة مع مراعاة الفقرة (ا) من المادة 134 أو تقرر إعادتها إلى قاضي التحقيق لإجراء التحقيق الابتدائي فيها وفق الأصول. وإذا وجدت إنها جناية فعليها إعادة الدعوى إلى قاضي التحقيق لأجراء التحقيق وفق ما ذكر) وبموجب هذه المادة فان محكمة الجنح تمارس اختصاص محكمة الجنايات بصفتها التميزية المتعلق بالتدخل التمييزي لان قرارها بإعادة الدعوى إلى محكمة التحقيق هو ذاته القرار الصادر عن محكمة الجنايات بصفتها التمييزية الذي يكون في نتيجته إعادة الدعوى إلى محكمة التحقيق، باستثناء عبارة لها حق النقض وإنما تقرر إعادة الدعوى بعد بيان السبب والسند القانوني لهذا القرار، ومن خلال نص المادة (204/آ) أصول جزائية نجد إن محكمة الجنح لها إن تقرر إعادة الدعوى الموجزة فقط في حالتين وعلى وفق الآتي :
1. إذا وجدت محكمة الجنح إن التهمة المسندة للمتهم لا تشكل مخالفة، وإنما جنحة فلها امرين، إما أن تستمر في نظرها وتكمل التحقيق فيها على وفق الصلاحية الممنوحة لها في بإكمال ما تراه مناسبة من إجراءات تحقيقية وقبل الدخول في مرحلة المحاكمة وعلى وفق أحكام المادة (163) أصول جزائية ، وإما أن تعيد الدعوى إلى محكمة التحقيق لإجراء التحقيق الابتدائي فيها وفق الأصول، على اعتبار إن إجراءات الدعوى غير الموجزة في مرحلة التحقيق تجيز لقاضي التحقيق إحالة المتهم على محكمة الجنح دون أن يجري التحقيق فيها وعلى وفق أحكام المادة (134/ج) أصول جزائية، وفي هذه الحالة يكون لمحكمة التحقيق سلطة إعادة الدعوى إلى قاضي التحقيق لإكمال التحقيق فيها باعتبارها جنحة ومن ثم ربطها بقرار إحالة جديد، وهذا هو ما يسمى بسلطة التدخل التمييزي التي عرفها جانب من الفقه والذي يتقارب مع نص المادة (264/آ) أصول جزائية فكان تعريف الفقه القانوني لسلطة التدخل التمييزي بأنه (صلاحية تدقيقية يمنحها القانون لمحكمه ما تتولى بموجبه تدقيق أية دعوى جزائية صدر فيها حكم أو قرار أو تدبير أوامر من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الادعاء العام أو أي ذي مصلحة من أطراف الدعوى)، والقرار الصادر عن محكمة الجنح يأتي بعد تدقيق الدعوى الموجزة من المحكمة ذاتها ومن تلقاء نفسها، لذلك فإنها في هذا الباب لها حق الاختيار في إعادة الدعوى وهو ما يماثل التدخل التمييزي وبين قبول الدعوى والسير بها وهذه صلاحية جوازية.
2. لكن ليس للمحكمة أي جواز في عدم إعادة الدعوى إلى محكمة التحقيق إذا ما وجدت إن التهمة المنسوبة إلى المتهم المحال في الدعوى الموجزة بأنها تشكل جناية، لان الشق الأخير من نص المادة (204/آ) أصول جزائية جاء فيه الآتي (وإذا وجدت إنها جناية فعليها إعادة الدعوى إلى قاضي التحقيق لأجراء التحقيق وفق ما ذكر) وفي هذه الحال يجب على محكمة الجنح إعادة الدعوى إلى محكمة التحقيق لربطها بقرار إحالة جديد وعلى وفق ما رسمته محكمة الجنح، والسبب في ذلك لأنها لا تملك صلاحية إحالتها إلى محكمة الجنايات، مثلما تفعل في سائر الدعاوى التي تنظرها بدعوى غير موجزة، لان هذه الصلاحية وردت حصراً في الدعاوى التي تكون مادة الاتهام فيها جنحة وليس مخالفة والتي تنظرها المحكمة ابتداءً بدعوى غير موجزة وان محكمة التحقيق كانت قد قررت إحالتها بدعوى غير موجزة، لان نص المادة (139) أصول جزائية قد منحت محكمة الجنح صلاحية إحالة الدعوى غير الموجزة فقط إلى محكمة الجنح دون سواها، لان النص ورد حصراً على الدعاوى غير الموجزة أما المخالفات فإنها تمثل وعاء الدعاوى الموجزة، فلا يجوز لمحكمة الجنح أن تحيلها إلى محكمة الجنايات إذا ما رأت إنها تشكل جناية وليس مخالفة، وإنما عليها إعادة الدعوى إلى قاضي التحقيق لربطها بقرار إحالة جديد وهذا ما أشار إليه الشق الأخير من المادة (204) أصول جزائية.
ومن خلال ما تقدم فان لمحكمة الجنح سلطة التدخل التمييزي بقرار الإحالة الصادر عن قاضي التحقيق بالنسبة للدعاوى الموجزة فقط، لكن ما وجدته من خلال مطالعتي لعدد من الدراسات والبحوث الأكاديمية هو ضرورة تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية بضرورة منح محكمة التحقيق سلطة التدخل بقرارات قاضي التحقيق المتعلق بالنقص الواردة في البيانات الوجوبية المطلوب ذكرها في قرار الإحالة والمشار إليها في المواد (131 و 132) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وذلك لضمان حق المتهم في السرعة بإجراء محاكمته، واختصاراً للوقت وتقليلاً للكلف الاقتصادية سواء المتعلقة بالمحاكم أو بأطراف الدعوى، وهذا يوجب التفات السلطة التشريعية إليه لان التعديل لا يكون إلا بالتدخل التشريعي.
القاضي