الطفل الذي لا يقتنع بأنّه ميتٌ ونحن أيضاً

فاضل متين
2020 / 4 / 10

ابن عمّي طفلٌ مشاغبٌ جدّاً ، منذ ولادته وهو لا يكفُّ عن تعذيب أُمّه، لم نألفه يوماً يتوقف عن اللعب والعبث بالاشياء ، يكسر بلور النوافذ ، يقتلع أصص الأزهار، يسرق البيوض من قنن الجيران ، ويعبث بأشياء أخوته. عدّة مرّاتٍ لاحقناه قصد معاقبته لكنّه طفلٌ لعوبُ ومحنك درج منذ سنوات على لعبةٍ جديدة، لعبة الاختفاء عنا خلسة. اغلبُ الظنّ إنّه يختبئُ في قبره لئلّا نترصده، لكنّه لا يلبث يعود مجدداً ليكمل لعبته المفضلة، ألا وهي العبث بنا، فمنذ أن أعتمد على ساقيه لم نجده يجلس يوماً، فيتسلق أشجار الجيران ويعيث ببيادرهم، يدخل زرائبهم ويشاكس دوابهم، وكثيراً ما يبعثر أدوات وعدّة حصادة والده قبل أن يتوارى، نعرف إنّه سيعيد الكرّة مرّةً أخرى فنتحصنُ له، غير إنّه ذكيٌّ، يعرف كيف يتوارى عنا فيلوذ إلى قبره الذي لا يتسع لسواه، يقول عمي ما كان لنا أن نسميه فاضل، الأجدى أن ندعوه المحنة. هي لعبته يبدو، إذ كل يومٍ يعود ليستئنف ما أنهاه، فيصعد سلّم الحصادة ويعتلي بسطة الجوالق ويلعب بمغالق مسكاب القمح قبل أن يتزحلق على مزرابها الجانبي، فيفتح عمي ذراعيه ليلتقطه، غير إنّه قبل أن يصل نهاية المزراب يختفي فتعود ذراعا عمي دائماً فارغتين منه .. لديه لعبةُ أُخرى لم يتوانى يوماً عن تركها، مع إنّنا ألف مرّة نبّهناه إذ يتّجه الى غطاس الماء ويسقي به أشجار جده إلى أن تذّبل من فرط الرواية، ويترك الماء ينساب إلى أن يجف البئر، ثم ما يلبث أن يتوجّه نحو أشياء أبيه فينثرها كيفما اتفق ثم يلوذ بالاختباء . يتنهد عمّي ويعدّ عدّته ويعيد ترتيب أغراضه بغضبٍ وحنق، يعرف إنّه فاضل من بعثرها، لكنّه لا يذكّر لنا حماقات إبنه كي لا يعود ويقضّ مضّجعه في الليل..
هو طفلٌ ثرثارُ ومشاكس جداً ، كل ليلة يأتي ليوشّوش في أُذُني أخته فيجبرها على السهاد ، ثم يتّجه نحو أبيه ليكمل دائرة عبثه، فيصبغ كلّ يومٍ شعرتين من شعره وذقنه بالابيض خلسةً وبعدها يرسم في وجهه خطوطاً عرجاء، وبسببه بات عمي الشاب ختياراً تدعو هيئته للرثاء ..
يقول الناس لهم إذا لم تتخلّصوا من هذا الولد فإنّه سيستمرّ بالعبث بحياتكم وستشكون من مشاكله حتى مماتكم. فيحاول أهله أن يتناسوه ويتخلّصوا من عنائه، لكنه طفلٌ عنيدٌ لا يُبارح ذاكرتهم ، ثم إنّه فوق تخريبه وطيشه وعناده، يتقمص عدة هيئات، كأن يقتحم وجدان أهله على شكل أغنية حزينة فيُعكّر أفئدتهم ويملأها غصّصاً، أو يحول نفسه إلى ملح يستقرّ في عيني أمه، فيسقط من عينيها دمعاً، فتكفّكفه بيديها، وتجمعه قطرة قطرة، وعلى راحة يديها تهدهده .. كانت أمه تقول : إبني أكبر من أخاكم مصطفى بسنة ونصف السنة ، لكنها ما عادت تقيس عمره بعمر أخي، بل تقيس أيّامه بعدد الدموع التي تُسقطها عليه ..
لدينا صورة لابن عمي معلقة على حائطنا ، بيده علم كردستان وبجانبه النيران ، هو مشاكسٌ أيضاً في الصور ، مرةً نجده يرسم بإصبعيه رمز النصر والشهادة، مرة يدير ظهره ويضحك، مرة يعبث بالنيران التي بجانبه ، يحدث أن يغادر الصورة ، رأيته قبل يومين يتحرك بخلسة اللص يلتفّ حول إطار الصورة وأنزلق إلى الأرض ثم أختفى ، لا أعرف الى أين مضى لكنني رأيته يعود مع أنبلاج الفجر. ولكي نمنعه من الهرب مرّة أخرى سوّرنا الإطار بالوشاح الاسود ، مع ذلك لا نظنه سيركن في مجثمه، ربما لأنّه لم يقتنع مثلنا إنّه ميت وعليه الركود في مرقده ..
مشكلة ابن عمي إنّه أحمقٌ أيضاً، إذ لا يكفُّ عن تمثيل مشهد استشهاده كل يومٍ امامنا، يقول عمي بأسى: أولم أقُل لكم كان علينا أن نسميه المحنة ؟! .........

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول