الولايات المتحدة الأميركية لم تكن يوماً إمبريالية

فؤاد النمري
2020 / 4 / 8

قراءتي العلمية الماركسية للتاريخ بوقائعه المشهودة تقول لي أن أميركا لم تكن يوما إمبريالية .
عامة السياسيين ومنهم سواد الشيوعيين الذين لم يتعلموا الماركسية على حقيقتها لا يحسنون قراءة الناريخ قراءة علمية وهم لذلك يفشلون فشلاً ذريعاً في صياغة برنامج سياسي يتواءم مع واقع التاريخ في مسار تطوره .
فكرة "الوطن" التي تستولي على رؤاهم ورؤى الوطنيين والقوميين السياسية وتحددها والإدعاء تبعاً لذلك أن القوى الاجتماعية الوطنية قادرة على تحديد مسار التطور الاجتماعي بعيداً عن مختلف القوى الدولية المحيطة، لم يعد مثل هذا الوطن موجوداً في العالم .
الحقيقة الكبرى الأولى التي استوقفت ماركس وبنى عليها كل نظريته العلمية في التطور الإجتماعي هي أن العالم ومنذ أن أشرقت في سمائه شمس النظام الرأسمالي غدا وحدة واحدة متكاملة غير قابلة للتجزئة أو التشطير وغدت فكرة الوطن المستقل عن كل الأطراف المحيطة والدولية فكرة قديمة تجاوزها التاريخ، وأن أي نظام مستقبلي بديل للنظام الرأسمالي لا بد وأن يكون نظاماً عالمياً أيضاً .

بناء عليه يترتب على مختلف السياسيين مهما كانت توجهاتهم وتنوعت ايديولوجياتهم أن يترسموا مسبقاً النظام الدولي القائم في العالم قبل أن يعلنوا برنامجهم السياسي . السياسي الذي يفشل في تشخيص النظام العالمي لن ينجح في تحديد البرنامج الوطني الصحيح فالطبيب الذي يفشل في تشخيص المرض سيقشل في معالجتة .

ما اقتضى التوقف عند هذه المقدمة هو أن بعض الرفاق استهجن مني القول بأن ما من حقيقة على الأرض تشي بأن الولايات المتحدة الأميركية كانت يوما دولة إمبريالية . هذه حقيقة أساسية كبرى يتوجب اعتمادها على الدوام كيلا تملأ الفضاءات برامج سياسية جوفاء فارغة لا قيمة لها على الإطلاق .
ثمة أحزاب شيوعية وغير شيوعية مفلسة تتأسس برامجها السياسية على تكريس نضالها لمقاومة الإمبريالية الأميركية . مثل هذه البرامج لا تختلف عن الإتجار بالأفيون بعد أن انهارت الامبريالية بكل أجناسها في سبعينيات القرن الماضي وأن لم يكن هناك قط أية إمبريالية أميركية .

أعود لأؤكد أن قراءتي العلمية الماركسية للتاريخ بوقائعه المشهودة تقول لي أن أميركا لم تكن يوما إمبريالية ..
- في يناير 1918 وقف الرئيس الأميركي وودرو ويلسون يخطب في الكونجرس مؤيدا لحكومة لينين تفاوض الألمان في برست لوتوفسك لعقد معاهدة سلام مطالباً بانسحاب جيوش ألمانيا من روسيا ومساعدة روسيا لأن تأخذ دورها الدولي في سلام عالمي . وكان لينين في العام 1916 قد أدرج الولايات المتحدة في جدول الدول الامبريالية لكنه لم ينسب إليها أية مستعمرات، أدرجها كدولة رأسمالية لا بد أن تتطور نحو الامبريالية .

- لو كانت أميركا إمبريالية في العشرينيات لما كانت أزمة كساد 29 التي حطمت الرأسمالية الأميركية حتى التراب، ثم جاء الرئيس روزفلت ينقذ النظام الرأسمالي وظل الشعب الأميركي يصطف في طوابير الشوربة حتى العام 37 وخلال تلك السنوات الثمانية حتى نسبة الرأسمالية لم تكن سمتها المناسبة .

- ما يجدر ذكره في هذا السياق هو أنه عندما عارض تشيرنشل إنزال النورماندي قدم الجنرال ايزنهاور كتاب استقالته للرئيس روزفلت يقول فيه .. "لست على استعداد لمشاركة تشيرتشل في خيانة حلفائنا السوفييت " .

- في مؤتمر يالطا فيراير 45 وعد روزفلت صديقه ستالين بقرض يساوي 10 مليار دولار لدى انتهاء الحرب وقبل أن يتوفى روزفلت في 12 ابريل 45 كتب في مفكرته يقول .. "سيبني ستالين وليس تشيرتشل عالما يسوده الديموقراطية والسلام" .
ويذكر للرئيس روزفلت أنه في ديسمبر 43 لم يقبل أن يستضاف في طهران إلا في السفارة السوفياتية خارقا بذلك كل حدود البروتوكول .

- خلف روزفلت في ابريل 45 مجرم الحرب ترومان وهو من كان رأسماليو الحرب قد فرضوه على روزفلت نائبا له في دورة انتخابه للمرة الرابعة ؛ فكان أن أسس ترومان لسياسة جديدة تقضي بتكريس كل مقدرات أميركا لمقاومة الشيوعية .
في العام 47 أقر مشروع مارشال وأنفق 12.5 مليار دولار في اوروبا الغربية لمقاومة الشيوعية وهي تساوي اليوم 300 مليار .
وفي العام 47 أيضاً أقام دائرة المخابرات السي آي ايه لمقاومة الشيوعية .
في العام 49 أقام حلف شمال الأطلسي المعادي للإتحاد السوفياتي .
في العام 51 دخل الحرب في كوريا لمقاومة الشيوعية .

- ما كانت أميركا لتدخل الحرب العالمية الثانية لولا العدوان الياباني على بيرل هاربر ولم تقوَ أميركا ومعها بريطانيا على مواجهة اليابان في شرق آسيا .
لم تستسلم اليابان جرّاء القنبلتين في هيروشيما وناغازاكي في 6 و 9 أغسطس، لم تستسلم إلا في 2 سبتمبر 45 بعد أن أباد الجيش الأحمر كامل جيوشها البرية في منشوريا، حوالي مليون جنديا .

- ما إن انتهت الحرب في كوريا حتى بدأت أميركا حربها على فيتنام .
- حرب أميركا على الشيوعية 1951 - 1975 لا أعتقد أنها كلفت أميركا أقل من 15 ترليون دولار .
- ما إن انتهت الحرب في كوريا حتى بدأت أميركا حربها على فيتنام . حرب أميركا على الشيوعية 1951 - 1975 لا أعتقد أنها كلفت أميركا أقل من 15 ترليون دولار . لا الأحكام الإمبريالية ولا الرأسمالية يمكن أن تتحمل مثل هذه الخسائر، وتنتهي حروب أميركا على الشيوعية أخيراً بهزيمة فاضحة في فيتنام الجنوبية .
- ما يقطع بأن حروب أميركا على الشيوعية لم تكن حروباً استعمارية بحال من الأحوال هو أن أميركا بعد أن وجدت أن حروبها على الشيوعية قد انتهت إلى الفشل الذريع فكانت حيلتها الأخيرة هي زرع النظام الرأسمالي في دول شرق آسيا، في النمور الستة وفي الصين وباتت أميركا نفسها سوقاً مفتوحة للبضائع الصينية والشرق أسيوية
فكيف يمكن والحالة هذه نسبة الامبريالية لأميركا وهي اليوم أكبر مستورد في العالم للبضائع ورؤوس الأموال كما أنها أكبر مدين في العالم تتجاوز ديونها 23 ترليون دولار، وأن 70% من موازنة الدولة الاتحادية هي سندات أجنبية .

ولإجمال الصورة على حقيقتها نستقرئ التاريخ وهو الذي لا يًستَحكم غيره . يقول لنا التاريخ أنه بوصول ريتشارد نكسون للرئاسة في نهاية الستينيات كانت خزائن المال في أميركا فارغة تماماً وقد أحرقت حرب فيتنام كل ما غصت به من أموال، ولم يعد نظام الإنتاج يعود بأموال تغطي نفقات الحرب في فيتنام مما اضطر إدارة نكسون في العام 71 لأن تعلن انكشاف الدولار والخروج من معاهدة بريتون وودز (Brettonwoods) 1944 التي تستوجب غطاء النقد بالذهب .
في عامي 72 و 73 اضطرت إدارة نكسون أن تعلن رسمياً ثلاث مرات خفضاً لقيمة الدولار (Devaluation) وقد خسر الدولار حوالي 40% من قيمته في أسواق الصرف . ذلك يعني رغم كل التأويلات المنختلفة أن النظام الرأسمالي قد انهار في أميركا وأن دورة الانتاج الرأسمالي (نقد – بضاعة – نقد) لم تعد تتحقق وتعود بفضل القيمة في قيمة البضاعة أكثر من قيمة النقد في أصولها . تلك هي حقيقة حسابية لا تحتمل التأويل . انهيار النظام الرأسمالي في أميركا جعلها أسوأ حالا من الاتحاد السوفياتي رغم انكفائه على النظام الاشتراكي منذ العام 53 .
أن تجتمع الدول الرأسمالية الخمس الكبرى (G 5) على مستوى القمة في رامبوييه في نوفمبر 1975 وتعلن كسرها للقانون الدولي وأن القيمة (Value) تتأصل في نقودها وليس في البضاعة المجسدة لقوى العمل لم يُجدِ سوى أن يبعث قوى كاذبة في الدولار الأميركي .
اليوم تحكم أميركا العالم بقوى كاذبة هي الدولار الأميركي . ومن المفيد في هذا المقام الوقوف أمام واقعة تاريخية بالغة الأهمية ومع ذلك يغفلها الكثيرون وحتى المؤرخين .
في 4 مارس آذار اجتمع مجلس الأمن الدولي للنظر في اقتراح مقدم إليه يقضي بوقف اطلا ق النار في حرب تحرير الكويت بعد أن كانت الطريق مفتوحة أمام القوات البريطانية والأميركية إلى بغداد بعد هزيمة قوات الحرس الجمهوري العراقية غرب العراق . كان القرار المفاجئ لمجلس الأمن هو رفض القرار بالإجماع بما في ذلك صوت المندوب السوفياتي . بعد نصف ساعة من إعلان ذلك القرار اتصل غورباتشوف على الخط الساخن بجورج بوش مهدداً بتوجيه انذار نهائي للولايات المتحدة إن لم يتم وقف اطلاق النار قبل مرور نصف ساعة . كان الغريب في ذلك التهديد هو إعلانه مباشرة على التلفاز والإشارة إلى أن التهديد موجه من قادة الجيش السوفياتي المجتمعين في الكرملين في اجتماع مستمر وليس الإنذار من غورباتشوف (!!) فكان أن أمر جورج بوش بوقف اطلاق النار وكان اجتماع خيمة سفوان بحضور المندوب السوفياتي يفجيني بريماكوف . كان ذلك قبل شهور قليلة من تفكك الاتحاد السوفياتي