بعض مضحكات ومبكيات السجن..

حسن أحراث
2020 / 4 / 8

وأنا أتابع ما ينشر، خاصة عبر الفايسبوك، بغثه وسمينه، وبحسنه وسيئه، لاحظت الكثير من الحديث أو التعليق على "اللهطة" أو اللهفة على اقتناء المواد الغذائية و"الكمامات"، وأشياء أخرى قد لا تكون ذات قيمة. لقد حرك ذلك في داخلي بعض المواجع؛ أو للدقة، استفز ذاكرتي لتعود سنوات الى الوراء إبان الاعتقال، وبالضبط سنة 1985 بالسجن المدني بمدينة اسفي. كانت مجموعتنا حينذاك (مجموعة مراكش 1984) موزعة على سجون اسفي والصويرة ومراكش (السجن والمستشفى).
ولتوضيح سياقات هذا البوح، لابد من عودة "خفيفة" الى ما قبل تشتيت المجموعة.
كانت مجموعتنا تتكون من 44 معتقلا سياسيا. ونظرا الى تباين المواقف والتقديرات السياسية قبل الاعتقال وبعده، تشكلت اصطفافات في صفوفها وأسفرت على العموم عن ثلاث فرق.
وبدوره، توزع فريقنا قسرا بعد استشهاد الرفيقين بوبكر الدريدي ومصطفى بلهواري وتوقف الطور الأول من معركة الإضراب عن الطعام على سجني اسفي والصويرة ومستشفى ابن زهر (المامونية) بمراكش. وشاء "حظي" أن أكون الممثل الوحيد لفريقنا بسجن اسفي بعد فترة طويلة بمستشفى المدينة محمد الخامس.
بعد التحاقي بالسجن وبعض الرفاق الآخرين الذين كانوا مضربين عن الطعام، وجدنا أنفسنا ضمن فريقين وداخل زنزانتين.
سأتطرق هنا الى فريقنا الجديد، وبالضبط الى "مضحكة" و"مبكية"..
- المضحكة "المبكية":
كما هو معلوم، كانت ظروف وإمكانيات عائلاتنا مختلفة. وجل العائلات كانت في وضعية اقتصادية واجتماعية صعبة. وكانت صورة التفاوت تتضح من خلال محتويات القفة الأسبوعية لكل عائلة، علما أن بعض العائلات كان يتعذر عليها التنقل بانتظام الى مدينة اسفي.
داخل زنزانتنا، كنا في بداية الأمر نتدبر تغذيتنا بشكل جماعي. كنا نتناول وجباتنا وفق محتويات "قفف" العائلات كقفة واحدة، بالإضافة الى ما كان يعممه السجن من وجبات اعتيادية (البيضانسي ومشتقاته).
والمضحكة هي احتجاج بعض الرفاق في وقت لاحق على "لهطة" رفاق آخرين. أقصد السرعة التي كان بعض الرفاق يتناولون بها الطعام، لدرجة أن الرفاق "المتأنين" لا يستوفون نصيبهم (ما تيشيط ليهم والو).
وكحل لهذه "المعضلة" الخبزية، توزعنا الى فريقين بوجبات متساوية. وكان "حظي" ضمن الفريق المتأني...
- المبكية "المضحكة":
الى جانب توزيع الأكل، كنا نوزع كذلك السجائر بالنسبة للمدخنين. وكان النصيب اليومي لكل مدخن منا عشر (10) سجائر.
شخصيا، لم أكن أطلب من عائلتي توفير السجائر، من جهة لأني كنت قد أقلعت عن التدخين سنتين قبل اعتقالي، ومن جهة أخرى لأن ظروف عائلتي لا تسمح بإثقال كاهلها بعبء إضافي. وللإشارة، فعندما كان فريقنا الأول ملتئما، لم تطرح هذه المشكلة بالمرة، نظرا لتفهم الرفاق، حيث كنت مساهما بقدر ما الى جانب عائلتي قبل الاعتقال.
والمبكية هي عندما أخبرت بأن الرفاق المدخنين قرروا استثنائي/حرماني من حصة السجائر. "تفهمت" الأمر لأن عائلتي (التي كانت بالكاد توفر قفة السجن) لم تكن تمدني بالسجائر.. لكن الدمع تجمد في عيني وأحسست ببرودة سكين تسري في جسدي المنهك.. فقاومت، نعم قاومت وقررت لحظتها الإقلاع عن التدخين.. رب "طعنة" نافعة...
طبعا، كانت لخلفية وحيثيات القرار صلة بالمواقف السياسية...
ورغم ذلك، فلم تكن الخاتمة محزنة، لأن بعض معتقلي "الحق العام" الذين كنت على صلة مستمرة بهم، وبعد علمهم بالواقعة، كان لهم الدور الكبير في تغذية صمودي وتحمل قرار الرفاق القاسي. كان الاحتضان قويا ودافئا وعبروا عن استعداهم لتوفير العدد الكافي من السجائر، خاصة وأني كنت أدخن سجائر "كازا سبور" الرخيصة. ولأني قررت الإقلاع عن التدخين، لم يتوانوا في مفاجأتي كل زيارة أسبوعية ببعض "الشهيوات" اللذيذة التي كانوا يتوصلون بها من طرف عائلاتهم...
وكان "الخلاص" عند التحاق بعض رفاق فريقنا الأول، الطاهر الدريدي ونور الدين جوهاري. وبعد ذلك، أي في أبريل 1985، سافرنا ورفاقنا بسجن الصويرة، كمال سقيتي والحسين باري وأحمد البوزياني، على مراكب الإضرابات المحدودة واللا محدودة، مع ما رافق ذلك من محن وعذابات داخل السجون والكاشوات والمستشفيات...
إنه عالم السجن والإضراب عن الطعام، إنه الحجر القمعي.. إنها ضريبة النضال.. فإما أن تصمد أو تنهار...
إنها تجربة سجنية مليئة بالمبكيات والمضحكات...!!