تطورات الحجة الغائية: من بالبوس الرواقي الى داروين (1)

يحيى محمد
2020 / 4 / 7

شهد عصرنا الحالي منذ اواخر القرن العشرين وحتى يومنا هذا جدلاً ملفتاً للنظر بين العلماء المختصين حول تفسير النظام الكوني والحياتي ان كان بحاجة الى مصمم ميتافيزيقي ام لا؟ ولهذا الجدل اهمية بالغة، اذ لأول مرة يناقش العلماء مسألة ميتافيزيقية لها مقدمات علمية دون ان تكون فلسفة خالصة.
فلقد تركز هذا الجدل حول ما تشهده الظواهر الكونية والحياتية من نظام يبدي الغرض والغائية ضمن ما يعرف بالتصميم الذكي Intelligent design. وعرفت الحجة بحجة التصميم، وهي تفترض ان للطبيعة غرضاً دالاً على التصميم استناداً الى النظام المعقد والمحدد بفعل التماسك الوظيفي الدقيق.. وهي نفسها تعرف بالدليل الغائي Teleological evidence، رغم ان لهذا الدليل صيغاً مختلفة دون ان تتخذ قالباً موحداً كما سنعرف..

الفلاسفة والغائية
قديماً اعتقد اغلب الفلاسفة بان النظام الكوني محكوم بالغائية، رغم انهم لم يعيروها اهمية كدليل مستقل على وجود إله او آلهة لهذا الكون. فالاعتقاد بالغائية شيء، والاستدلال بها على الالوهة شيء آخر. وربما يعود سبب ذلك الى ان فكرة الغائية تأتي بالتبعية بعد الاعتقاد بالالوهة، او لأنها ليست قطعية. وفي كلا الحالين انها لا تُطرح كدليل مستقل مثلما يُطرح غيرها من الادلة التجريدية عادة.
وللغائية ارتباط وثيق بالنظام الكوني والحياتي، وان الادلة الطبيعية المطروحة حول الالوهة تارة تشير الى النظام الكوني فحسب، واخرى الى الغائية فحسب، وثالثة الى كليهما بشيء من التداخل. فالعلاقة بين النظام الكوني والغائية هي ذاتها يمكن التعبير عنها بلغة البايولوجيا الحديثة انها علاقة بين البنية التكوينية والوظيفة.
ولهذا التمييز اهمية بالغة عند التعرض الى نمط الادلة المقدمة حول الالوهة، وهو ما يجب ان يقف عنده الباحث الفلسفي. وقديماً كانت هذه الاشكال الثلاثة تعرض بصيغة او اخرى، وقد يتعامل معها الباحث من غير تمييز.
لقد اعتاد الباحثون ان يردوا دليل الغائية من حيث الاصل الى الفلاسفة اليونانيين، وعلى رأسهم سقراط وديوجينس وافلاطون وارسطو وغيرهم. وعلى الرغم من ان هؤلاء القدماء قد تمسكوا بالغائية، الى ان ذلك لا يثبت انهم جعلوها دليلاً مستقلاً، فاحياناً يشار اليها كاعتقاد لا غنى عنه من غير دليل مستقل، او يشار اليها عند الحوارات المباشرة كأدلة اقناعية وليست منطقية او منضبطة، كما قد يشار الى جزئيات لها دلالة خاصة دون ان ترفع الى مستوى الدليل الفلسفي المستقل.
فسقراط مثلاً تعرض الى الغائية عبر حوار يشير الى جزئية خاصة كشاهد عليها، فهو يرى ان العين البشرية حساسة اتجاه ما حولها، لهذا اعدت الجفون مثل الابواب حيث تفتح وتغلق كلما لزم الامر. كذلك ان الفم الذي من خلاله يدخل الطعام يكون بالقرب من الانف والعينين لمنع كل ما هو مضر وغير مناسب للتغذية. وعليه انتهى هذا الفيلسوف الى القول وهو يخاطب ارسطوديموس Aristodemus : بان مثل هذه الاشياء لا يمكن ان تكون بفعل الصدفة وانما بفعل الحكمة والابداع.
وأرى ان غرض سقراط لم يكن الاستدلال على وجود الله او المصمم، بل على حكمته وحسن ابداعه، وانه نفى الصدفة بما يقابل هذه الحكمة، فحاله في ذلك حال الامام الغزالي في كتابه (الحكمة في مخلوقات الله) كما سنعرف.
كذلك قدّم ديوجينس Diogenes خلال القرن الرابع قبل الميلاد نصاً دالاً على النظام اقرب منه على الغائية كما بدت لدى بعض الباحثين الغربيين مثل باروBarrow وتبلر Tipler في كتابهما (المبدأ الانثروبي الكوني). فقد شعر ديوجينس بالاعجاب بالدورة العادية لفصول المواسم، معتبراً مثل هذا التوزيع لم يكن ممكناً من دون ذكاء، فكل شيء وجب ان يكون بقدر موزون؛ الشتاء والصيف والليل والنهار والمطر والرياح وفترات الطقس الجيد، وأشياء أخرى أيضاً، إذا درسها المرء عن كثب فسيتم العثور على أفضل ترتيب ممكن لها.
فالملاحظ هنا ان ديوجينس يؤكد اعجابه بالنظام المشهود الدال على الذكاء، وانه يتحدث عن بعض الجزئيات الكونية دون ان يربطها بغائية واضحة ولا بالوهة ميتافيزيقية. فبحسب فلسفته ان الاله يتمثل بالهواء الذي تتكون منه الاشياء قاطبة باشكال مختلفة، وقد سبقه في ذلك اناكسيمينس Anaximenes خلال القرن السادس قبل الميلاد، وهو حال ينسجم مع ما يعتقده اصحاب نظرية وحدة الوجود، اذ يعتقد ديوجينس ان الهواء يمتلك الحياة والذكاء، وكذا كان اناكسيمينس يرى ان الهواء إلهي وانه نفس الحياة.
وهناك شخصية اغريقية اخرى قد استعرضت فكرة النظام كدليل على الالوهة بما يختلف عن دليل الغائية. فالفيلسوف سلينياس Cleinias، وهو فيلسوف فيثاغوري كان صديقاً لافلاطون، رأى ان ما يدل على وجود الالهة؛ وجود الارض والشمس والنجوم والكون، والنظام المتزن لمواسم الفصول وتقسيمها الى سنوات وشهور.
***
ومن وجهة نظري ان اقدم صورة واضحة وصلتنا حول حجة الغائية هي تلك التي جاءت في كتاب الفيلسوف الروماني شيشرون Cicero (طبيعة الآلهة On the Nature of the Gods) خلال القرن الاول قبل الميلاد. ثم تكررت هذه الحجة بصيغ مختلفة لدى عدد قليل من الفلاسفة كان ابرزها تلك التي وردت لدى الفيلسوف اللاهوتي توما الاكويني (1225-1274) ضمن حججه الخمسة التي طرحها حول اثبات واجب الوجود، مستفيداً في ذلك مما ذكره ارسطو حول العلل الاربع للاشياء. كما وردت الحجة بصيغ اخرى لدى عدد من الفلاسفة المسلمين، كالذي سبق اليه يعقوب بن اسحاق الكندي (المتوفى عام 873م)، ومن بعده ابن رشد الاندلسي (المتوفى عام 1198م). أما في الفترة الحديثة فقد تعرضت الحجة المذكورة الى ساحة ساخنة من جدلية النقد والدفاع حتى يومنا الحالي.
لقد تضمن كتاب (طبيعة الالهة) حوارات استمع اليها شيشرون لدى عدد من الفلاسفة - المجهولين -دون ان يساهم في الحوار، وكما ذكر انه استدعي للحضور في مناقشات طويلة لدى منزل صديقه الخطيب كايوس كوتا Caius Cotta، وكانت الحوارات تدور بين صاحب المنزل كوتا والابيقوري كايوس فيليوس Velleius Caius والرواقي كوينتوس لوسيليوس بالبوس Quintus Lucilius Balbus. وينقسم الكتاب الى ثلاثة كتب او اجزاء، وقد فُقد قسم كبير من الاخير، وكان ابرز ما جرى في الكتاب الاول هو استعراض النظرية الابيقورية على يد فيليوس ونقدها بحدة من قبل كوتا، اما الكتاب الثاني فكان مخصصاً لاستعراض النظرية الرواقية ونقد الابيقورية من قبل بالبوس، رغم ان فقرات النص تبدي بان المتحدث هو شيشرون وليس بالبوس. في حين تخصص الكتاب الثالث لرد كوتا على بالبوس ومناقشة نظريته الرواقية. وقد ابدى شيشرون في اخر كتابه انه يرجح نظرية بالبوس الرواقية، وكما قال في كلماته الاخيرة: «النتيجة هي أن فيليوس يعتقد أن حجج كوتا أكثر صحة، بينما اعتقدت أن حجج بالبوس اقتربت مما بدا أنه الحقيقة».
وما يهمنا هنا هو ان الكتاب الثاني قد تضمن ذكر الحجج الغائية على التصميم، كما استعرضها بالبوس، دون ان يُعرف مباشرة انه المتحدث فعلاً لا شيشرون.
لقد قدّم بالبوس الحجة على الغائية والتصميم فوظّف فكرة الساعة والفنون البشرية قبل ان يوظفها علماء وفلاسفة النهضة الحديثة باكثر من سبعة عشر قرناً، فاستعرض نماذج من الاثار البشرية الدالة على الفن والذكاء؛ كرؤية تمثال، او صورة، او مسار سفينة من بُعد؛ حيث من المؤكد انها تتحرك عن طريق الفن، وكذا الساعات المهيئة بالفن والذكاء لا بالصدفة. واعتبر ان لهذه الامثلة دلالتها، وان منتجات الطبيعة تمتاز باكثر واروع من منتجات الكائن البشري. ومن ثم انتهى الى انه إذا كان الفن لا ينتج شيئاً من دون استخدام الذكاء، فكذا هو الحال مع الطبيعة لا ينبغي اعتبارها فاقدة للذكاء. فترتيب اجزاء الكون مجتمعة لا يمكن ان يأتي بالصدفة، وانما من خلال التوجيه والعناية الالهية.
لقد استشهد بالبوس بوقائع عديدة من ظواهر الكون للدلالة على العناية والغرضية والتصميم باعظم ما يكون، الى درجة انه اعتقد بان اي تعديل لبعض من اجزاء هذا الكون سيجعله سيئاً. فكل شيء فيه يدار من قبل الذكاء الالهي لغرض سلامة جميع الاشياء والحفاظ عليها، وانه ليس هناك اجمل واكمل منه، بل لا يمكن تخيل ما هو اكمل من ذلك. وبحسب التعبير الفلسفي التقليدي انه ليس بالامكان ابدع مما كان.
ومن الاهمية بمكان الاشارة الى ان بالبوس كان يستعرض النظرية الرواقية كما لدى مؤسسها الاغريقي زينو Zeno (الذي عاش خلال القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد)، ولم يفصل حجته عن المنظومة الفلسفية المتعارف عليها من قبل. فمن جانب انه اعتبر غاية ما موجود في الكون هو لاجل الكائنات العاقلة من الرجال والالهة، لان العقل اكمل الاشياء، لذا فكل الاشياء مصنوعة ومسخرة لهم. كما من جانب ثانٍ انه لم يفصل الروح الالهية وذكاءها عن منتجاتها الطبيعية ضمن وحدة وجود شاملة. حتى انه صرح – كما جاء في الكتاب الثالث ضمن الفقرة الثامنة – انه لا شيء في الطبيعة اعظم من الكون، لذا فالكون هو الله. فهو يتصف بالذكاء والعقل والروح والحكمة والعناية. ومن ثم فهناك تناغم متبادل بين جميع اجزاء الكون تجمعها روح الهية واحدة منتشرة على الكل. وهي فكرة سوف نجدها تتكرر بشكل مشابه لدى الفيلسوف المعروف ديفيد هيوم بعد تجريدها من العناية والتصميم والغرضية.
هذه هي نظرية بالبوس الرواقي.. أما الدليل الذي قدّمه توما الاكويني على الغائية والتصميم – خلال القرن الثالث عشر الميلادي – فكان أورع ما يكون، اذ جاء مميزاً وصريحاً في تعلقه بحركة جميع الاشياء نحو غاياتها المحددة بشكل طبيعي، وذلك ضمن البرهان الاخير من براهينه الخمسة حول وجود الله، كما في كتابه الضخم (الخلاصة اللاهوتية). وكانت براهينه عبارة عن كل من: دليل الحركة والحاجة إلى محرك غير متحرك، ودليل العلية أو حاجة المعلول إلى علة مؤثرة، ودليل حاجة ممكن الوجود إلى واجب الوجود، ودليل مراتب الكمال والغاية في الخير والحق والشرف وما إلى ذلك، ودليل غايات أفعال الطبيعة. وقد عبّر الاكويني عن الحجة الغائية مجملاً بقوله: «إننا نرى أن بعض الموجودات التي تفتقر إلى المعرفة، وهي الاجرام الطبيعية ، تفعل لغاية، وهذا ظاهر من انها تفعل دائماً او في الاكثر على نهج واحد الى ان تدرك النهاية في ذلك. وبهذا يتضح انها لا تدرك الغاية اتفاقاً بل قصداً. على ان ما يخلو من المعرفة ليس يتجه الى غاية ما لم يسدد اليها من موجود عارف وعاقل كما يسدد السهم من الرامي. فاذاً يوجد موجود عاقل يسدد جميع الاشياء الطبيعية الى الغاية، وهذا الذي نسميه الله».
وواضح ان هذا الدليل يستمد فعله من العلة الغائية وفق التصور الارسطي للعلل الاربع في حركة الاشياء، وهي العلة المادية والصورية والفاعلية والغائية. فكل شيء طبيعي تتلبس فيه المادة والصورة، فاحداهما بحاجة الى الاخرى، اذ المادة في حد ذاتها هي قوة او مجرد امكان للشيء فحسب، لكن الاخير يصبح فعلاً ووجوداً بفضل الصورة عند الحركة. فالمادة تبقى على حالها كما هي في حيز الامكان والقوة، اما الصورة فتدخل في سلسلة من التحولات الوجودية التي تستهدف كمال الصورة وغايتها، حيث التحول الى صورة مجردة عن المادة عبر اتحادها بالعقول السماوية المجردة، ومن ثم الانتهاء الى صورة الصور واكملها، وهي الغاية العظمى من التحولات، كما تتمثل بالمحرك الثابت الذي لا يتحرك والذي يجذب اليه الاشياء بالعشق المتجذر في الصور. وهذا يعني ان كل الاشياء محكومة بالحركة المتصاعدة نحو غاياتها المحددة.
على ان الشيء المهم في الموضوع هو ان ارسطو استعان بفكرة الغائية كتفسير لحركة الاشياء ضمن منظومته الفلسفية دون ان يطرحها كدليل على اثبات واجب الوجود. وحتى الفلاسفة الذين جاءوا بعده – مع بعض الاستثناء - لم يطرحوا هذه الفكرة ضمن الادلة على وجود الله. بل اعتمدت ادلتهم على جانب من التجريد؛ كاستخدامهم مفاهيم الوجود والعلية ونفي التسلسل. لذلك يمثل الاكويني مرحلة فاصلة في استخدام صيغة محددة للغائية كدليل على واجب الوجود.
وضمن الحضارة الاسلامية سبق للكندي – خلال القرن التاسع الميلادي – ان طرح نصاً يتضمن الاشارة الى الدليل القائم على النظام والتسخير والاتقان والتدبير، وهي امور دالة على الغائية كالتي تبشر بها الاديان السماوية، لكنها تختلف عن الطريقة التي انتهجها الاكويني بعده باربعة قرون. فقد عرض الكندي حجته المجملة في رسالة (الابانة عن العلة الفاعلة)، وكما قال: «فان في نظم هذا العالم وترتيبه وفعل بعضه في بعض وانقياد بعضه لبعض وتسخير بعضه لبعض واتقان هيئته على الامر الاصلح في كون كل كائن، وفساد كل فاسد، وثبات كل ثابت، وزوال كل زائل.. لأعظم دلالة على اتقن تدبير، ومع كل تدبير مدبر، وعلى احكم حكمة، ومع كل حكمة حكيم.. ».
كما ان لابن رشد دليلاً اخر حول الغائية، وقد اصطلح عليه بدليل العناية الذي نبّه عليه القرآن الكريم في عدد من اياته، ويتميز بان له خصوصية محددة بالبشر، حيث ان ظواهر الكون مشهود لها بملائمة حياة الانسان وان خلق جميع الموجودات جاء من اجلها، ولا تفسير لذلك سوى انها جاءت مصممة لهذا الغرض. وقد اعتبر ابن رشد ان هذا الدليل مع دليل الاختراع يمثلان الطريق الشرعي الذي نبّه عليه القرآن ودعا الجميع اليهما حصراً.
وما يهمنا فيما قدّمه ابن رشد هو النظر في «الواقع» بغض النظر عن التنبيه الديني، فالدليل مستقى من الواقع اصلاً، رغم العمومات والمجملات بما يجعل الدليل صندوقاً اسود يحتاج الى الكثير من الاضواء العلمية العلمية الدقيقة للكشف عما فيه من تفاصيل موثوقة. واذا انطلقنا من هذه النقطة فمن الممكن ان نجد صياغة لمثل هذا الدليل بالتفصيل العلمي المميز حديثاً، كالذي فعله مايكل دنتون اواخر القرن العشرين في كتابه (قدر الطبيعة)، والذي اعتمد فيه بشكل رئيسي على كتاب (ملائمة البيئة) للعالم المخضرم لورنس هندرسون عام 1913، كذلك ما فعله الباحثان جوليرمو جونزاليز وجي ريتشاردس في (الكوكب المميز) عام 2004. اضافة الى ان العديد من الفيزيائيين اعتقدوا بمركزية الكائن الذكي استناداً الى المبدأ الانساني وقاعدة الضبط الدقيق، بدءاً من ستينات هذا القرن وحتى يومنا هذا.
مهما يكن يبقى الدليل الذي قدمه ابن رشد ومن قبله الكندي مختلفاً عن حجة الغائية المتعلقة بحركة الاشياء جميعاً نحو غاياتها الخاصة تلقائياً، مثلما وردت لدى الاكويني صراحة. فهذه الاخيرة هي اكثر انسجاماً مع النهج الذي اختطه اصحاب حركة التصميم الذكي وعموم المسلك الذي اعتمده العديد من العلماء في البحث البايولوجي. فيما ان طريقة ابن رشد الانفة الذكر كانت اقرب الى النتائج الفلسفية التي تمخضت عن البيانات الفيزيائية المعاصرة.
وعموماً لم تلقَ الحجة الغائية اهتماماً من قبل الفلاسفة عادة، وان الفلاسفة التقليديين من اتباع ارسطو وافلاطون وغيرهما لا يولونها ادنى اهمية، او انها ليست دليلاً قائماً في حد ذاته، بل تعتبر من مترتبات المنظومة الفلسفية، ولو بالشكل العرضي لا القصد الذاتي، اذ ان واجب الوجود حسب اعتقادهم لا يفعل لغرض سوى ذاته، وان العالي لا يلتفت الى السافل بالذات وانما بالعرض، وكل ما نجده من نظام وترتيب في عالم التكوين هو نتاج النظام الدائر في العقل الالهي. مع هذا فبحسب هذه المنظومة ان الغائية حاضرة؛ لكنها تتجه من السافل الى العالي لا العكس، بمعنى ان واجب الوجود لا يفعل شيئاً او غرضاً لغير ذاته من حيث القصد الاولي، وانما من طبيعة السافل ان يحمل غرضاً ذاتياً هو اتباع العالي والتشبه به وفقاً لعلاقة المعلول بالعلة الفاعلة. فهذا ما يسلم به الفلاسفة القدماء وفق منطق السنخية. وحديثاً هناك من اشار الى مثل ذلك المعنى، كالذي نجده لدى زميل الجمعية الملكية في القرن التاسع عشر جون هوتن حيث يقول: «العلم الذي نعمل فيه هو علم الله، الله هو المسؤول عن قصة العلم بكاملها.. فالترتيب المذهل والاتساق والثبات والتعقيد المبهر الذي يميز التوصيف العلمي للكون ليس الا انعكاساً لما يتميز به النشاط الالهي من ترتيب واتساق وثبات وتعقيد».

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا