الزعيم عبد الكريم قاسم والمثقفون العراقيون

ابراهيم خليل العلاف
2020 / 4 / 7

استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل
نشرت صورة للزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة في العراق 1958-1963 ، وفيها يستقبل عددا من المثقفين العراقيين وقلت عندما نقول (ان لكل زمان دولة ورجال ) يجب ان ندرك ذلك ونفهم ذلك بشكل صحيح وليس بشكل سطحي والصور الفوتوغرافية وثائق تاريخية وهي مصادر مهمة من مصادر التاريخ الحديث ولايمكن الاستغناء عنها ابدا حالها حال الكتب والوثائق والمذكرات الشخصية والصحف والمجلات .هذه صورة لمن كان يحكم العراق بين 14تموز 1958 و8 شباط سنة 1963 وهو الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة وهو يستقبل في سنة 1959 عددا من ابرز من مثلوا المشهد الثقافي والفني في العراق المعاصر وهم من يجلس الى يمين الزعيم المخرج الكبير الاستاذ ابراهيم جلال ، والفنان والنحات الكبير الاستاذ خالد الرحال ، والموسيقار الاستاذ فريد الله ويردي ، ثم الفنان التشكيلي الاستاذ محمود صبري " .
وقد علق كثيرون وراح بعضهم يسألني عن موقفي من الزعيم فقلت لهم أن لكل فترة تاريخية ايجابيات وسلبيات ، ولكل زعيم عراقي مواقف ايجابية ومواقف سلبية . المهم انني قلت للاخت الاستاذ الدكتورة لاهاي عبد الحسين انني سأكتب شيئا عن أمر لم ينتبه اليه الكتاب وهو (علاقة الزعيم عبد الكريم قاسم بالمثقفين وموقفه من الثقافة )
.
واقول رحم الله الزعيم .. كان يحترم المثقفين وكان على علاقة بعدد من المثقفين اليساريين الافذاذ منهم الاستاذ عبد الفتاح ابراهيم والاستاذ محمد حديد والاستاذ كامل الجادرجي وكان يسمعهم .كما كان على علاقة بشاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري وحرص على ان يقيم مؤتمرا لبغداد والعالم الكبير الكندي وحضر المهرجان ورعاه وتحدث .
كما كان على علاقة برجل القانون الاستاذ حسين جميل وهو من كلفه لوضع الدستور المؤقت مع اثنين من زملاءه .
وكان على علاقة بالفنان التشكيلي والنحات جواد سليم وبالفنان عطا صبري وهو من كان وراء صدور ( دليل الجمهورية العراقية للسنة 1960) الذي حرره استاذه مصطفى جواد ومحمود فهمي درويش وصدر سنة 1960 ببغداد .
وهو اي الزعيم من رعى احتفالات التخرج في جامعة بغداد حتى انه اختار الاستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله والرجل عالم رئيسا لجامعة بغداد ورفض رأي من قال له انه صابئي واجابه ( نحن نختار رئيسا لجامعة وليس إماما لجامع) ، وللزعيم خطب في حفل تخرج جامعة بغداد تؤكد دعوته لتعميم فكرتي التقدم والحرية .
والزعيم عبد الكريم قاسم رعى العلماء والاساتذة والشعراء والمؤرخين وعلماء الاجتماع .. ولدينا وثائق تدل على تقييمه لما كان يكتبه عالم الاجتماع الكبير الاستاذ الدكتور علي الوردي وقد اعرب سكرتير الزعيم لشؤون الصحافة الرئيس سعيد الدوري للدكتور الوردي عن تثمين الزعيم لمؤلفات الوردي وطالبه اي طالب الزعيم الوردي بأن " تزيدوا في جهودكم الادبية والعلمية لبناء صرح كياننا الجمهوري الخالد وما يتطلبه من التجديد في العادات والتقاليد التي يجب ان تسير جنبا الى جنب مع الحرية وانطلاق التفكير ..." .
وبشأن الفن والفنانين ، كان الزعيم يقربهم ويرعى حفلاتهم ولازلت اتذكر ذلك وانا طالب في المدرسة الابتدائية مجيء مطربات ومطربين عرب الى العراق واحيائهم الحفلات .
كما كان يهتم بالصحفيين وبالصحافة ويرعى نقابتهم وكذلك نقابة المعلمين ونقابة المحامين ونقابات العمال واتحادات الطلبة والنساء . وكان يقول انه هو نفسه كان معلما قبل ان يدخل الكلية العسكرية .
كما ان الزعيم اهتم بالمسرح وكان على علاقة بفنان الشعب يوسف العاني وعدد من الفنانين وفناني المسرح وقد افسح لهم المجال لتأسيس فرق مسرحية ابرزها ( فرقة المسرح الفني الحديث) ، ومن حسن الحظ ان كثيرا من الفنانين كانوا من اليساريين المؤمنين بفكرتي التقدم والحرية .
وكان الزعيم يقدر رئيس واعضاء المجمع العلمي العراقي ويرتبط ببعضهم بعلاقة شخصية ولعل ابرزهم العلامة الاستاذ محمد بهجت الاثري .
كان الزعيم في فكره تقدميا ، مدنيا ، وطنيا ، متحضرا لايُدخل الدين في السياسة وكان يؤكد على دور الادب والفن في الحياة في خطبه الكثيرة .. ومن الممكن اعتبارها مصادرا لدراسة فكره وموقفه ، ومنها مثلا ما صدر من كتب تحت عنوان ( مبادئ الثورة في خطب الزعيم ) .
الرجل انا لااحبه كثيرا وعلاقتنا وعلاقة الموصل به لم تكن على ما يرام بسبب ما حدث في سنة 1959 .. لكن للتاريخ حكم وللتاريخ سنن وللتاريخ قوانين لابد من مراعاتها وكتابة ما حدث كما وقع بالضبط ومن حق الرجل علينا ان نكتب عنه كما هو ، وكما وقع في عهده من احداث بغض النظر عن محبتنا له من عدمها .
وارجو ان تكون مقالتي هذه (مفتاحا) لدراسة موقف الزعيم عبد الكريم قاسم من الثقافة والادب والفن ولعل ، طالبا نبيها يختار هذا الموضوع ويجعله رسالة للماجستير .