سقراط والمسيح بين الشوكران والصليب .

منسى موريس
2020 / 4 / 4

لست أول من يلتفت إلى التشابه الكبير بين شخصيتين عظيمتين هما " سقراط والمسيح " وبالفعل هذا التشابه فى المواقف والمبادىء والقيم يستدعى الوقوف والتأمل , كى ندخل إلى أغوار ذواتنا ونُعيد ترتيب أولوياتنا وأهدافنا وأن نرسخ لمفهوم القيمة فى أعماقنا ونعلى شأنها لنتجاوز النزعة المادية فينا كى تعمل الذات وفق مبدأ يفارق كل المصالح والمكاسب لتبقى القيمة سيدة الأشياء مهما كانت المكاسب أو الخسائر نحن بحاجة إلى إحياء هذه النماذج خاصة نحن فى عصر تنزل فيه المبادىء والقيم إلى الأسواق .

أولاً : ونبدأ " بسقراط " : ( 470_399 ق.م)
ولد فى " الوبيكة " وتوفى فى " أثينا " أبوه نحات وأمه " قابلة " أى دايه , لم يكتب شيئاً طيلة حياتة بل الذى نقل لنا تراثة الفكرى والفلسفى هو تلميذه " أفلاطون " وكان " سقراط" ينشر تعاليمة بين الناس لم يكن من طبقة الأغنياء بل عاش فقيراً .
تأثر بمهنة " أمه " فكان يستخدم اسلوب توليد المعانى فى النقاشات الفلسفية مع السوفسطائيين ليصل إلى تعريفاتهم ومقاصدهم عن العدلة والأخلاق والفضيلة والمبادىء المطلقة .
كان " سقراط " يشعر أن هناك دافع وشعور إلهى يحركه ويدفعة لمواجهة الفساد الأخلاقى والفكرى الذى ساد فى عصره , ويرى أنه مجرد آداه فى يد الإله هدف هذه الآداه , تحريك الركود الأخلاقى الذى استشرى , ويشبه نفسه " بذبابة الخيل " فذبابة الخيل تجعله يستيقظ كذلك هو الذبابة التى أرسلها الله لتجعل وطنه يستيقظ من سباتهم الخلقى العميق.
ويقول فى محاورة " الدفاع " " أنا تلك الذبابة الخبيثة التى أرسلها الله إلى الأمة " (1)
ثانياً : الخلفية الفكرية لعصر " سقراط "
كان السوفسطائيين لهم دور كبير فى المجتمع وهم طبقة كانت مثقفة جداً ولهم حصيلة علمية ضخمة فى علوم اللغة والخطابة والمعرفة الإنسانية , لكن الكثير منهم إستغل هذه الإمكانيات الفكرية للوصول إلى المكاسب والمناصب والسلطة وأصبح العلم ليس هدفاً فى ذاته بل مجرد وسيلة للوصول لأغراض حتى غير سوية , الموضوع تعدى هذا أيضاً بكثير فالغرور جعلهم يظنون أن بإمكانهم أن قلب القضايا من صحيحة إلى باطلة والعكس , أشتغل منهم الكثير فى المحاماة وأساتذة للفئات الغنية .
كانت المشكلة الحقيقية للسوفسطائيين تكمن فى نظرياتهم عن " المعرفة "
ونظرياتهم عن المعرفة قامت " بهدم المعرفة ذاتها " لأنهم إعتقدوا فى نسبية المعرفة وأنكروا قدرة العقل فى إقتناص الحقيقة .
وهذا آدى إلى ظهور مذاهب " الشك المطلق " وهذا طبعاً يجعل من الحقيقة محض خرافة ,
فمثلاً نجد السوفسطائى الكبير " جورجياس الليونتينى "
كتب رسالة نادى فيها : بأن لا شىء له وجود ,وإذا كان هناك شىء له وجود بالفعل فلايمكن معرفتة و إذا أمكن معرفتة فان المعرفة لايمكن إيصالها
عن طريق اللغه " (2)
نجد أيضاً مثالاً للشك المطلق عند " بروتاجوراس "
حيث كان يقول " الإنسان هو معيار لكل الأشياء " (3)
فأدرك " سقراط " خطورة هذا الفكر على القيم والأخلاق لأن مثل هذه الفلسفة تقوض كل أساس للمعرفة و تنكر القدرات العقلية أيضاً وهذا سوف يؤدى بالضرورة غلى هدم الأخلاق والمجتمع ايضاً , لذلك كان " سقراط "
حريص على النقاش مع الناس لإثبات وجود المرجعيات الأخلاقية حتى لا ينزلق المجتمع للعدم الأخلاقى , لذلك كرس حياتة دفاعاً عن الفضيلة والعدالة ولكن هذا أزعج الكثير من بنى جلدتة لأنه فتح عيون الكثير وأظهر مواطن ضعف الفكر السوفسطائى وحث الناس على التفكير الفلسفى وسحب البساط من تحت أقدام أصحاب السلطة والنفوذ .
هذا طبعاً آثار غضب الحاقدين عليه جداً وبدأت الخطط الممنهجة لتشويه صورتة والتسخيف من أفكارة وشخصيتة , فمثلاً نجد " ارستوفان " (4) يكتب رواية بعنوان " السحاب " يسخر فيها من سقراط سخرية مرة.
نجد أيضاً فئة آخرى تتهمه بأنه يفسد أخلاق الشباب وينكر وجود الآلهه ويريد إستبدالها بآلهه جديدة , وهذه التهمة تعادل فى زماننا الحاضر " إزدراء الأديان "
فكان الدافع الحقيقى وراء هذه التهم هو حقدهم على شخصيتة المؤثرة
فمثلاً نرى أن " مليتس " الذى إتهم سقراط بالإلحاد ونسب له أفكار من فلسفة " أنكساجوراس "
نجد " سقراط " يقول له فى محاورة الدفاع : " لست أشك أيها الأثينيون فى أن مليتس هذا مستهزىء وقح , كتب هذه الدعوى بروح من الحقد والطيش والغرور " (5)
وبعد أن دحض كل الحجج التى كانت ضده وأبطل كل الإتهامات الباطلة رغم ذلك تم إصدار حكم الإعدام عليه .
وكانت من العادة من حق المذنب أن يطلب تخفيف الحكم ولكن أى تخفيف يمكن أن يطلبه ؟ هل النفى أن يعيش فى أرض غريبة بعدما طرده أبناء وطنه ؟ أى تخفيف ففى كل الحالات تم إغتياله وقتله .
وقال لهم " فابتسموا إذن للموت أيها القضاة واعلموا علم اليقين أنه يستحيل على الرجل الصالح أن يصاب بسوء لا فى حياتة ولابعد موته " (6)
بعد إصدار حكم الإعدام عليه تم وضعه فى السجن لحين تنفيذ الحكم , ثم جاءتة فرصة للهروب من هذا الحكم والسجن لكنه رفض رفضاً مطلقاً لأنه يرى أن هذا يخالف القوانين ويخالف ايضاً مبادئة الخاصة التى عاش طيلة حياتة يكرز بها .
ومخالفة القوانين والمبادىء تعد شر حسب منظومتة الأخلاقية , لكنه قال " لا ينبغى أن نأخذ بالثأر ولا نرد الشر بشر" (7)
وقبل أن يتجرع سم " الشوكران " كان سقراط لديه إيمان عميق بأن الروح خالدة وأن بعد موته سوف يذهب إلى عالم آخر عالم تتجلى فيه العدالة والفضيلة بأفضل صورها.
ويقول لأحد تلاميذته فى حوار قبل موته " إذن ياسيبس فالروح خالدة بغير شك وهى مستعصية على الفناء وستحيا أرواحنا حقاً فى عالم آخر" (8)
ونجده يعطى العزاء لتلاميذه عندما حزنه على إقتراب موته وكانوا غير مصدقين أن " سقراط " سوف يصير بعد قليل جثة هامده لكنه يقول لصديقه " أقريطون "

" لا تحزن إذن ياعزيزى أقريطون وقل أنك لا تقبرمنى إلا الجثمان " (9)
وتجرع سم الشوكران بكل شجاعة دون خوف لأنه يعلم مصيرة جيداً وقبل أن يموت كان عليه دين وذكر صديقة أقريطون بسداد هذا الدين وكان هذا الدين " لأسكلبيوس "
إله الشفاء , وهذه غشارة رمزية من سقراط كانه يقول أنه تم شفائة من الحياة وأنه ذاهب غلى الراحة الأبدية حيث لاشقاء ولا عناء .
هذا هو " سقراط " المسكين الذى ترك زوجنة وأولادة وضحى بحياتة فى سبيل الفضيلة والأخلاق والعدالة,
ويقول " ديديه جوليا " فى قاموسة الفلسفى "
" إن سقراط قد زعزع التقليد وهيأ الوعى اليونانى القديم لرسالة آخرى ألا وهى الرسالة المسيحية " (10)


ولد " السيد المسيح " مابين عام 4 ق.م : 6 ق.م تقريباً فى " مذود " أى حظيرة , كان فقيراً جداً حتى أنه قال فى
(إنجيل متى 8: 20) «للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه )
لم يكتب شيئاً طيلة حياتة بل كانت حياتة تجسيداً حياً لأفكارة ونقل لنا تلاميذة تعاليمة التى كان يعلمها , نشرأفكارة بين الناس , لم يرفع يوماً سيفاً بل كان سيفه الحقيقى هو " الحب " وهل يوجد سيف أقوى من هذا السيف؟
كانت طبقة رجال الدين فى عصره " الكتبة والفريسيين " هم المتحكمون فى الشعب مثل السوفسطائيين فى عصر " سقراط " , لهم كل الإمتيازات الخاصة , مناصب , سُلطة , , أموال , إهتمامهم لم يكن للإنسان مُطلقاً بل كان للطقوس والشريعة والمظاهر الشكلية , حتى أفرغوا الوحى من معناه الحقيقى وأصبحت هناك فجوة عظيمة بين الإنسان والله لأن هؤلاء صاروا وسائط وحواجز وموانع , كان شعارهم أن الدين فوق الإنسان فهو مخلوق له وعبد عليه تنفيذ أحكامة حتى ولو كانت ضد روح الإنسان ومن هنا تكمن خطورة الدين لأنه بذلك يكون المرء مسلوب العقل والعاطفة والحرية ويصير مجرد آلة مهمتها تنفيذ كل الأوامر التى تتلقاها من الخارج من دون تدخل للفكر فى الفعل الدينى , فسيطرة هذه الطبقة على عامة الشعب سيطرة بالغة الخطورة حتى وصلت لإحتقار الناس العاديين وإزدرائهم, ولامنقذ لهؤلاء المساكين الضعفاء الذين وقعوا ضحية هؤلاء المستكبرين فكانت كارثة لايعلم مداها إلا الله وحده.
وكانت روح رسالة " السيد المسيح " تحرير الإنسان من كل مظاهر العبودية سواء الدينية أو الروحية أيضاً وهذا طبعاً يعد ثورة كبيرة فى وجة هؤلاء المتمسكين بالسلطة لأن أفكارة هذه بمثابة زعزعة لهذا النظام الدينى المستبد الذى يفرغ الإنسان من إنسانيتة .
وطبعاً كى تتم عملية الإصلاح بشكل جذرى فبدأ " السيد المسيح " بتقديم صورة ونموذج عن الإله حية فاعلة مؤنسنة لأن صورة الله فى الذهن البشرى قادرة على أن تجعل من الإنسان خيراً أو شريرأ , أن تبنى حضارة أو تهدمها , أن تعطى معنى للحياة أو تجعل منها مجرد رحلة عبثية لاقيمة لها , ولاتوجد فلسفة يمكن أن تقُام إلا ولو وضعت مسألة وجود الله فى الإعتبار سواء بالنفى أو بالإثبات لأن كينونة الله هى التى تُبنى عليها الذات والوجود بأكلمة وبمثابة منظور شامل للوجود, فماهى صورة الله التى قدمها المسيح؟
أولاً: الإله المحب للبشر :
قال " المسيح " فى
(إنجيل يوحنا 3: 16) لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية)
من هنا نستنبط أن صورة الإله التى قدمها المسيح هى الإله الذى يضحى بنفسه من أجل الإنسان بسبب حبه له , فحب الله للإنسان جعله يعيش التجربة البشرية كى يبرهن له على حبه فلامجال هنا للإله المستعبد للبشر المتعالى والحب هنا صار جوهر علة الوجود الإنسانى , وقال المسيح فى (إنجيل يوحنا 15: 13) ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه )
فمعنى أن الله يحب الإنسان هذا يقطع الطريق على كل من يحاول أن يرتكب كل الشرور بأسم " الله " لأن المحبة الإلهية المطلقة للإنسان تتنافى مع هذا و إلى اليوم الكثير يقتلون تحت راية الله محتجين أن الله يكره هؤلاء ويريد أن يفنى هؤلاء فلو أدرك هؤلاء أن الله يحب جميع البشر ما كان لأحد أن يكره الآخر بدوافع دينية, بل على العكس تماماً فلو أنا مؤمن بوجود إله محب هذا سينعكس على الذات والآخر ويجعلنى أحب ذاتى والآخر ويصيران كياناً واحداً غير منفصل ويؤكد " المسيح هذا المفهوم فى قوله
(إنجيل يوحنا 17: 21) ليكون الجميع واحدا، كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك، ليكونوا هم أيضا واحدا فينا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني)
فالحب يجلب الوحدة والثبات والعدل , والكره يجلب الفرقة والإختلال والظلم .

ثانياً : الحرية الدينية ومفهوم العلاقة بين الله والإنسان .

تقدم " المسيح " خطوة آخرى كى يؤكد على إلغاء الوساطة الدينية وينشر السلام بين الناس ويرسخ للحرية الدينية فجعل العلاقة بين الله والإنسان ليست علاقة مبنية على العبودية بل مبنية على البنوة الروحية فالله هو أب لكل البشر ومن يريد أن يقبل بهذا المفهوم عليه أن ينشر السلام فى العالم وقال "المسيح "فى
(إنجيل متى 5: 9) طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون)
فلغى هنا " المسيح " مفهوم أن الإنسان "عبد لله " عليه أن يعبده ويقيم له الطقوس والذبائح والأضاحى وقدم مفهوم آخر تماماً وهو
" البنوة الروحية "
وشتان بين المفهومين .
فالمفهوم الجديد الذى قدمة يحترم " عقل الإنسان وروحة وعواطفة "
ويشترط معه محبه كل إنسان على وجه الأرض بغض النظر عن دينه أو جنسه أو مذهبه , والوصية العظمة بالنسبة " للمسيح " هى التى جائت فى
(إنجيل لوقا 10: 27: «تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قدرتك، ومن كل فكرك، وقريبك مثل نفسك)

فهذا هو جوهر وروح الشرائع وخلاصة كل تعاليم الأنبياء وأعظم الوصايا .
فالإيمان حسب هذا التصور هو علاقة روحية تنبع من الداخل ولا تأتى من الخارج من خلال طقوس وشعائر ووسائط دينيين أويُفرض من قبل الدولة والحكومات والمجتمع , فكون علاقة الإنسان بالله مبنية على الحب فهذا كفيل لإلغاء كل القيود الدينية والسياسية وجعل الإيمان لايمكن أن يقوم بدون حرية .
وطبعاً الحرية لاتعجب هؤلاء المتسلطون على البشر بل تؤرق مضاجعهم لأن هذه الفئة لاتنمو الإ فى بيئة تغيب فيها الحرية لأن الحرية تهدد وجودهم .
ثالثاً : علاقة الإنسان بالإنسان .
مادام البشر حسب فكر " المسيح " أبناء لله " فهم أخوة فيجب أن تكون العلاقة مبنية على أساس " الحب " لأن المسيح يرى أن الشر لايجلب إلا الشر والحب قادر على هزيمة كل شر فدارت فلسفة المسيح حول الحب .
فيقول فى
(إنجيل متى 5: 48)
«سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك.(
وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم،
لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين.
لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم، فأي أجر لكم؟ أليس العشارون أيضا يفعلون ذلك؟
وإن سلمتم على إخوتكم فقط، فأي فضل تصنعون؟ أليس العشارون أيضا يفعلون هكذا؟
فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل)

رابعاً : الإنسان والدين "
تقريباً فى كل تاريخ الفكر البشرى كان الدين هو المتحكم فى الإنسان وتشريعاتة و على الإنسان تطبيقها مهما كان الثمن حتى ولو كان الثمن حياتة ولاننسى أن بعض الأديان القديمة كان الناس يضحون بأبنائهم طمعاً فى إرضاء الآلهة والكثير عبر العصور قُتلوا وراحت حياتهم لمجرد إنتقادهم للدين أو لعدم تطبيق أحكامة , فالدين كنصوص صار أهم من الإنسان والمجتمع والحضارة .
وكان رجال الدين اليهود أيضاً يتعاملون مع" الشريعة " بنفس الطريقة وإلى اليوم نجد " الدين " أهم من الإنسان فى الشرق الأوسط.
لكن هذا المفهوم أدرك " المسيح " خطورتة
لأنه إذا كانت قيمة " الدين " أهم من قيمة " الإنسان " ؟
فكيف يمكن للإنسان أن يتقدم ويتحرر وتظهر ذاتيتة وهويتة الحقيقية أليس بشعوره التام أنه حر وليس عبداً لشىء؟
أليس عندما يُدرك أن الدين أهم منه هذا يعطية إنطباع بأنه مجرد إنسان آلى عليه تنفيد الأحكام والأوامر , وعندما يصير الإنسان كذلك تُسلب منه خصائصة الوجودية الأصيلة كالحريه والقيمة والمعنى والإبداع ؟
قدم " المسيح " مفهوم جديد أيضاً يتناقض مع المفهوم السابق وهو الذى جاء فى
(إنجيل مرقس 2: 27) ثم قال لهم: «السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت)
هذا المفهوم عكس الفكرة السائدة تماماً فبحسب " المسيح " الدين هو مخلوق للإنسان وليس الإنسان مخلوق للدين فالقيمة الأولى والأخيرة " للإنسان " فحياة وحرية الإنسان أهم وفوق كل عقيدة وطقس وشريعة , لأن قيمة الفعل الدينى تكمن فى " قيمة الإنسان وليس فى قيمة الدين " طبعاً هذا آثار غضب رجال الدين لأن كما قلت آنفاً أن هؤلاء يكرهون الحرية لأنها تهدد مراكزهم وسلطانهم وهذه طبيعة أى سُلطة هدفها السيطرة على البشر وكل هذه المفاهيم عصفت بمسلماتهم .
رابعاً : الدين والسياسة .
إلى اليوم ومشكلة الدين والسياسة حاضرة وبقوة فى مجتمعاتنا وتسببت فى الكثير من الخراب والدمار حتى فى تاريخ الحضارات السابقة حدث هذا الأمر أيضاً , واليهود فى عصر المسيح كانوا يؤمنون بالحكم الدينيى " الثيوقراطى " وأن الدين هو المصدر والمرجعية للدولة و" المسيح " رسخ لمفهوم جديد لحل هذه الإشكالية التاريخية التى دائماً كانت منبع للقتل والدمار .
قال " المسيح " فى
(إنجيل مرقس 12: 17): «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». )
هنا المسيح فصل بين ماهو دينى وماهو سياسى وما هو مطلق وما هو نسبى فالدين هو علاقة شخصية بين الإنسان والله ولايمكن أن تُفرض هذه العلاقة على الدولة والسياسة , هذا يدعم مفهوم العلمانية اليوم والعلمانية هى أن تكون الدولة بلا دين وتحيز لفئة ما بل هى حيادية تجاه كل الأديان.
والملك الإلهى لايكون بسيطرة الدين على الدولة لكن هو ملك روحانى فالملكوت الإلهى " داخل الإنسان وليس خارجه "
كما قال " المسيح " فى
(إنجيل لوقا 17: 21) ولا يقولون: هوذا ههنا، أو: هوذا هناك! لأن ها ملكوت الله داخلكم)

خامساً : الصليب.

طبعاً هذه التعاليم التحررية أزعجت هؤلاء المتسلطون على البشر لأنهم يكرهون كل فكرة ترفع من قدر الإنسان وحريتة , وطيلة حياة المسيح التبشيرية كان يحارب من طبقة " رجال الدين " لم يرتاح من مكائدهم وكان يعرف أن أفكارة هذه سوف تقودة حتماً للصليب رغم ذلك لم يتراجع ولم يتخاذل وأخيراً تعددت الإتهامات وقدم للمحاكمات .
ولكن ياترى ماهى التهمة ؟
أتتذكرون التهم التى وجهت إلى " سقراط " ؟ نعم إنها بعينها كما قالوا عن سقراط أنه يفسد أخلاق الشباب ويزدرى الآلهة ويؤلب المجتمع على السلطات السياسية نفس التهم وجهت " للمسيح " أيضاً
فمثلاً هذا " إتهام " رجال الدين اليهود للمسيح حيث يقولون :
فى ( إنجيل لوقا 5:23)
(فقام كل جمهورهم وجاءوا به إلى بيلاطس،
وابتدأوا يشتكون عليه قائلين: «إننا وجدنا هذا يفسد الأمة، ويمنع أن تعطى جزية لقيصر، قائلا: إنه هو مسيح ملك».
فسأله بيلاطس قائلا: «أنت ملك اليهود؟» فأجابه وقال: «أنت تقول».
فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع: «إني لا أجد علة في هذا الإنسان».
فكانوا يشددون قائلين: «إنه يهيج الشعب وهو يعلم في كل اليهودية مبتدئا من الجليل إلى هنا)

ورغم هذه التهم لم يجد فيه " بيلاطس " ما يستدعى لقتله وأن هذه التهم واهية لايمكن أن تقود شخص للإعدام .
ولكن بسبب ضغط رؤساء الكهنة والشعب المُغيب طالبوا وصرخوا ونادوا بصلبه وفضلوا " براباس " عن المسيح وبراباس هذا كان مجرماً أخرجوه من السجن ونادوا بقتل المسيح ؟!!!
وبالفعل علق المسيح على الصليب وعند إقترابه من الموت لم يحقد على قاتليه ولكن طلب لهم الغفران وقال فى
(إنجيل لوقا 23: 34) «يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون)
فقد عاش حياتة وفقاً لمبادئة بل كانت حياتة هى أفكارة عاش ينادى بالحب وأثناء موتة نادى بالحب أيضاً.
بين الشوكران والصليب حكاية أثبتت أن الحب أقوى واشجع من الشر , حكاية أثبتت أن المجتمعات فى الغالب تقبل المجرمون وتقتل المُصلحون.
بين الشوكران والصليب قصة حولت من هذه العقوبات اللعينة من مصدر للعار واللعنة والجريمة إلى مصدر للشجاعة والحب والفضيلة


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع والمصادر

1- محاورات أفلاطون : (ص 80 ) الطبعة الثانية المركز القومى للترجمة 2016
2-ريكس وورنر : فلاسفة الإغريق( ص 60) الهيئة العامة المصرية للكتاب 1985
3- ولتر ستيس : تاريخ الفلسفة اليونانية (ص 101) دار الثقافة للنشر والتوزيع 1984

4-يوسف كرم ك تاريخ الفلسفة اليونانية ( ص72)
5- محاورت أفلاطون (ص76) الطبعة الثانية المركز الومى للترجمة 2016
6- نفس المرجع (ص90)
7- نفس المرجع ( ص106)
8-نفس المرجع (ص194)
9- نفس المرجع (ص203)
10 - ديديه جوليا : قاموس الفلسفة (ص266) مكتبة أنطوان بيروت