إله محايد ومجتمع مسلوب

فلورنس غزلان
2020 / 4 / 3

إله محايد ومجتمع مسلوب!
أهو قدر السوريين أن يهيموا في الأرض؟، أن يغيبوا أو يغَّيبهم القتل والتعذيب والاعتقال، كي يتسنى لرأس الأفعى أن تحتفظ بسمها، كي تستطيع خطف العصافير من أعشاشها، كي تحرم السوري من خبز يومه، فهل يعقل أن ينام المسيح كل هذي القرون ولا يرى ماآل له الحال في أبواب دمشق، التي فتحت ذراعيها لحنا المعمدان؟، أما من حصة لهم في حياة أفضل؟؟ أما وقف اليسوع لحظة في جمعته الحزينة وخاطب وجدان عالم يؤمن به وبقيامته؟ أيسمح لمذابح سلاطين الطاغوت أن تزرع أشراكها في كل قدم من أرض الشام؟..أما من منقذٍ لمن يُهان ويُسحب من فضائه هواء الحرية؟
هَذيٌ من وحي أيامي، هي خرافة الواقع المر..فكيف يمكنني أن أُصلي لمن يدير وجهه لصلواتي، ولمن يغفو أمام تضرعاتي؟ لأي عالم يمكن لصوتي أن ينفذ؟ مثقلٌ قلبي بجراحه وصديده يرفض كل وسائل التجفيف الطبية، مثقل بإرث إله يعجز عن منح قليل مما تفيض به مرابع الأمم..
قولوا لي، هل أستمر بصلاتي أم أنقطع في صومعة لاعلاقة لها بما يؤمن البشر به من آلهة؟..أنقطع عن عالم يكبو ويترنح من سُكرهِ أمام شاشة تعج بصور الموت...لم أعد أنتظر عفوَهُ....ولا غفرانه..تجديف ما أقول؟! أم حقيقة لايجهر بها بعضكم؟..صومعتي ستتبع جنساً بشرياً ثالثاً محايداً لاشرقي الايمان ولا غربي القدوس..من يدري فربما تنبت لبوذا أظافر تشبه أنياب ذئب يصادق الخراف، وأفاعي لاتغدر ، بل تلعق حليباً تقدمه نساء يعتقدن أن للأفعى قدرة على تخليصهن من العقم..ها نحن قد أرسلنا بكل مالدينا من حليب أطفالنا علً الأفعى السامة ذات الأجراس القابعة في قاسيون تذهب في سبيل جهنمي المصير دون أن تعض بأنيابها أجساد صغارنا ..
هذياني وصل إلى حد قطيعتي مع أصدقاء صنعتهم فيسبوكياً، أو أليكترونياً...فصحراء قلبي لم تعد تصلح إلا لتعفير رأسي برمالٍ تحمل معها وحوش اللغة لتنهش ماتبقى لي من مشاعر..كل الاحتمالات خططتها برسوم متحركة تقف في النهاية متخشبة..فأحتضر أمام نفسي وتفيض مني الروح متبرأة مني ..فقد اكتشفت أني لاأصلح لأن أكون سوريةً غسانية المنبت، يحيط بها الخراب وتعتاد على رؤيته..يحيط بها الموت فتكابر وتأمل..تشرع سيوف الكلام..وتتخذ منها عكازة لشللها عن الفعل...أقتل روحي..وأمزق ماتقمصها من مفردات العِبَر ودلالات التاريخ، فقد استغرقت في أملها عقوداً عجافاً بعالم لايتقن لغة المحبة ولا يعرف معنى السلام إلا فوق صفحات اصطنعها كي ينجو من حسابات الضمير.
وها أدرك يوماً بعد آخر أن أفاعي الشرق لها رؤوس متعددة تنبت كالفطر، لأن جيناتها تغيرت بفعل مخابر المُضاربة في أسواق السياسة وبورصات الربح والخسارة، وماشعب بلدي إلا طريدة تصلح للتجارب ولرسم خرائط تفيد الابن المدلل المختار عند الله وأتباعه، وأن كل نافذة علقت عليها أحجياتي وتعويذاتي قد خيبت رجائي، وكل الشبابيك المؤدية لمذبح الحسين أو الحجر الأسود قد أرسلت ريحها ليعبث في أمنياتي ويذروها في أصقاع الربع الخالي..كي يخلو لبعضها جو الزواج من إماء يصورونها حوريات جنة خالدة مرة صنعها "عفلق" وأخرى رسمتها عبقرية "ستالين وحفيده بوتين"، وثالثة الأثافي ابتدعتها خزعبلات "عرعورية أو واوية"، تكتب وتخطب باسمي وباسمك وتحوقل باسم الله ونبيه، فبأي آلاء ربكم أصدق أو أكذب يابني بلدي؟ وهل لبعضكم وحي أوحاه اسماعيل ليجيب على هذياني قبل أن أستيقظ ، وأنفخ في صور النهاية أو البداية حين أشرقت الشمس من مدرسة المتنبي في درعا البلد لتعيدوا لقلبي وقلوبكم مابدأناه من إرث ثورتنا وفقدناه بعد عام، فإلهي إلهكم لاننطق عن هوى إلا من أجل سوريتنا ، أمُ بلاد الشام أجمعين.
لن أشعل البخور ولن أكثر من النذور...فكلها خرافة...كلها تسخر من عقولنا المقموعة ،المسلوبة والمنذورة لزعيم قائم أو لمهدي منتظر...في قمة العجز نحن ...كأوراق الخريف نتساقط ، ، نتضرع ...ومعظمنا يعتقد أن الدواء سماوي المصدر، وأنا ابنة الأرض والانسان...هو من قاوم الطبيعة ومن ابتدع الوسائل والمعازل...ليسلم وتسلم ذريته...ونسي في خضم صراعه أنه من دفن كل مخلفات عصره واختراعاته في عمق الأرض والبحار...وهاهي تخرج عليه كآفة لاتُرى تحصد ماجنى وتضعه أمام حساب الضمير...فهل سنصحو ؟ نصحو أمام جبروت الاستبداد ونستعيد لغة المحبة الوطنية ونمسح كل مالوثناه في هذا الوطن وباسمه...نصحو لنرى أين نحن وعلى أي أرضٍ نقف ...؟ وكيف نخرج مع خروج البشرية نحو الشفاء ونحو الضياء؟
فلورنس غزلان ــ من دفاتر عتيقة مع تعديل يناسب الحاضر

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت